يكفي الحياء بمفرده، احيانا، ليختصر كل المسافة بين الشرف والنذالة. فالحيي لا يخون ولا يغدر ولا يطعن بالظهر ويتحاشى الإساءة للغير، لانه يستحي، ولأنه يقول لنفسه، عيب، ولانه يتذرع بمليون عذر من اجل ألا يوقع الأذى بأحد. وإذا كان سياسيا، ولديه قضية وطنية عظيمة، فانه يحسب مليون حساب، انطلاقا من حيائه أولا، لكي لا يسيء لوطني آخر، أو يغمز من قناته، ويبدأه بالتسامح لا بالتخوين.
القصة هي اننا كتبنا مقالا، بعنوان "مجنون يحكي، عاقل يسمع (بين رهان على المصالحة ورهان على المقاومة). وكان واضحا تماما اننا لم نورد فيه إسما لأحد، او لحزب. وذلك لثلاث أسباب:
الأول، لأننا، كنا نريد ان نطرح أسئلة، ونستعرض مبادئ. الأسئلة غايتها ان تحصل على أجوبة. والمبادئ غايتها ان تعود لتكون معايير للعمل الوطني المشترك. وهذا من واجب الكاتب الوطني ومن أول مسؤولياته. وبطبيعة الحال، فكلما كانت الأسئلة صريحة، وجوهرية، كلما تستحث اجوبة صريحة وجوهرية. وفقط عبر أسئلة من هذا النوع يستطيع المرء (او الحزب، أي حزب كان) أن يختبر أجوبته ويقيس مدى تطابقها مع معلنه السياسي.
وعندما تسأل سؤالا، فأنت انما تطلب الجواب. وليس من المنطق ان تتلقى شتائم، كما انه ليس من المقبول ان يُرد عليك بهذيان و"خريط" لا معنى له.
والأسئلةُ تمتحن المواقف. ولكن المواقف الصلبة تبقى صلبة مهما كانت الأسئلة صعبة، بل انها تنتهز تلك الأسئلة لكي تقدم نفسها بشجاعة وتزيل غبار الشكوك عن معاييرها القويمة. اما المواقف المهزوزة فهي وحدها التي تنكشف.
وبما ان القضية الوطنية العراقية ليست ملكا لأحد، وبما أن نخرها، بمواقف مهزوزة، ليس في صالح اولئك الذين يدفعون دماءهم من اجلها، فان مواجهتها بالأسئلة ليس جريمة. بل شرف تستلزمه المسؤولية الوطنية.
والثاني، هو أننا نعتبر ان التصريح بأسماء، يلهي عن الإنشغال بالمبدأ. وسرعان ما "تضيع الطاسة"، بين الرئيسي والثانوي، ويتحول الأمر الى ما يشبه المواجهة مع أشخاص او حزب بعينه، بينما القضية ليست قضية أشخاص، ولا قضية حزب بعينه. وكنا نقول، في دواخلنا: إذا كان المبدأ صحيحا، وإذا كان هذا المبدأ يحظى بالتوافق، فان أي شخص او حزب يختار الخروج عليه إما سيعزل نفسه، او يكشف استعداده للمواجهة بموقفه الخارج عن المبدأ.
والثالث، هو اننا في غمرة هذا المعترك النضالي الدامي، نعتبر ان أي مواجهة كلامية بين أي طرفين وطنيين، او أي نقد معلن فيه "انا كذا، وأنت كذا"، عمل ضار، يحسن بالوطنيين تحاشيه. ثم ان هناك بيننا الكثير من الوسائل لكي نوجه اللوم والانتقادات بستر، لكي لا نفيد عدوا. والستر مطلوب. ويقول الرسول الكريم (ص) "واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان"، وقال "إذا بليتم فاستتروا".
وكنا نعرف، بطبيعة الحال، ان هناك بعثيا يسرح على ضفاف البحر الميت. ولكن ما من قوة على الأرض كانت ستسمح لنا بالإشارة اليه ولا الى حزب البعث، لا من قريب ولا من بعيد. فإكتفينا بطرح الأسئلة، وإستعرضنا مبادئ، إنما بلغة يملؤها الخوف والقلق على مصير الملايين، وعلى مصير عشرات الآلاف من اخوتنا المجاهدين.
بعد يومين من نشر المقال أصدر الناطق الرسمي باسم حزب البعث العربي الإشتراكي تصريحا أكد فيه ان ذلك الشخص كان يسرح على مسؤوليته الشخصية، وانه لم يحصل على ترخيص من الحزب للتحدث بإسمه، واعتبره واحدا من الذين يتاجرون باسم الحزب على حساب المقاومة. وتضمن التصريح إدانة واضحة لذلك السلوك، ووعد باجراء تحقيق معه ومحاسبته. وأصدرت قيادة قطر العراق لحزب البعث العربي الإشتراكي بيانا أعاد التأكيد على المبادئ الثابتة للحزب في رفض التفاوض مع عملاء الاحتلال، بل وحتى مع الاحتلال نفسه، وعلى التمسك بالمنهج الجهادي للمقاومة المسلحة حتى تحقيق النصر على الغزاة وعملائهم.
وكان يفترض ان تنتهي القضية عند هذا الحد. ولئن كنا نخشى ان يكون هناك آخرون شاركوا في دعارة البحر الميت، فقد وجدنا انه لا خوف منهم بعد الآن. فطالما ان حزب الجهاد أعلن موقفه، فان الآخرين سيرعوون وسيحسبون ألف حساب قبل ان يرتكبوا جريمة التعامل مع كلاب الاحتلال وعملائه، ثم انهم، إذا فعلوا، سيخرجون من فعلتهم خائبين خاسئين من جهة الصف الوطني، او انهم سيفرون الى الخندق الآخر خائبين خاسئين أيضا.
كل الحركة الوطنية والاسلامية المجاهدة كسبت بذلك البيان، وانتصر الموقف الشريف.
ولكن، في نظر البعض، كان يجب ان نخسر نحن الكاتبين، وان نتحول (لا على البال ولا على الخاطر) الى عملاء لأننا "حاولنا التشكيك".
للدفاع عن حزب البعث ومواقفه الجهادية، ما كان العاقل ليحتاج الى جهلة وأسماء مستعارة "يلوّصون" كيفما اتفق، ويقدمون انفسهم كنموذج لسوء الفهم، وسوء التعبير.
ولكننا نعرف في الوقت نفسه ان عصابة من الطفيليين، يقودها من يعرف نفسه، بأناه المتضخمة، والفارغة في الوقت نفسه، أعدت نفسها لشن حملة تشويه وتشكيك وإدانة ضدنا، من دون سابق مبرر، تحت ستار الدفاع عن حزب البعث. وبدأ ردح الدعويين يعلو بالدفاع عن المقاومة الجهادية والجهاد المقاوم والقيام الذي لا قعود عنه، حتى صار المرء ليخشى من ان يكون وراء الجعجعة طحن من نوع مختلف.
فيما الموقف الوطني بسيط. لا جعجعة يحتاج، ولا هم يحزنون، وقاله حزب المجاهدين في الداخل مليون مرة: لا خيار إلا المقاومة حتى التحرير.
لم يسأل الدعيّ وعصابته، نفسه، كيف يجرؤ على التشكيك بسمعة وطنيين لم يكسبوا من وطنيتهم إلا المرارات والتشرد والأذى؟
لم يسأل ذلك المتضخم بنفسه، كيف يجوز له ان يضعنا في قاموس تفاهاته النظرية كجزء من ذلك الذي يسميه "سبات الخلد"، بينما ما نكتب، في الدفاع عن المقاومة، وعن حزب البعث كحزب جهاد ومجاهدين، وعن شهدائه الأبرار، ما يزال متداولا بين الناس.
ولم تسأل عصابته نفسها، كيف يمكن ان تنشر مقالات لكاتبين، وتعتبرهما وطنيين، تارة، ثم تعود لتهاجمهما، تارة أخرى، لمجرد انهما أرادا التثبيت على الموقف نفسه الذي عاد حزب البعث ليؤكد ثباته عليه وتمسكه غير القابل للجدل به؟
وبطبيعة الحال، فنحن نعرف العقلية المريضة التي تحرك تلك العصابة. فهي ترى انها وحدها التي تملك الحق في توزيع شهادات الوطنية على الآخرين. وهي مستعدة لسحب هذه الشهادة متى ما تشاء.
الوطنية عند عصابة الطفيليين تلك هي صك غفران، يمنحه بابا مزيف ومنفوخ، والذي يقدم نفسه كأكبر حامل ار.بي.جي في تاريخ الدفاع عن الهذيان والخريط والـ"أنا" المفرطة.
ولكننا، مثل الملايين، انما نكسب وطنيتنا، ليس من حزب او تجمع او عصابة. كسبناها بالدم، والسجون والتعرض للتعذيب. وكسبناها بالموقف الشريف والصادق والنزيه والمتبرئ من كل مكسب مادي او معنوي. وكسبناها بالوقوف الى جوار الحق، وبالترفع على الآلام الشخصية، وبالتعفف، وبالإخلاص للمخلصين، لا كما كسبها الآخرون بالإدعاءات الفارغة للتستر على اموال سرقوها وجرائم ارتكبوها. ولا نريد ان نقول أكثر الآن.
الوطنية التي يعاملها البعض كشهادة إستثمار أملا بالعودة الى السلطة، ليست وطنيتنا. ونحن لا نريدها. وشسع نعالنا أشرف منها.
لم نكسب من سلطة البعث شيئا من قبل. تركناها لمن يستحق ولمن لا يستحق. وهي انهارت لأن الخونة والطفيليين والجبناء تكاثروا بين جنباتها، حتى أصبحوا يزودون دبابات الغزاة بالراكبين،.. من أياد علاوي وجر أيدك.
وإذا عاد حزب البعث الى السلطة، مجددا، وظلت حفنة الطفيليين إياهم فيه، فسنقول له مبروك. فقط "حلّ عن ربنا". لا نريد ان ننافس أي أحد لا على مكسب ولا على منصب ولا على شهادة استثمار.
وسنقول: اللي أعطيتموه لنا... خذوه.
لماذا؟ لأننا نعرف ان العنجهية والغطرسة ما زال هناك من يمثلها خير تمثيل، في حزب وجد نفسه امام تراجيديا اسطورية لا مثيل لها، يتقاسمها أبطال كثيرون ما بعد بطولتهم بطولة، وشرف ونزاهة ما بعدها شرف ونزاهة، من جهة، ولكن هناك قلة طفيليين (قليلة قطعا) من جهة أخرى، يتعاملون بالعقلية المريضة نفسها، عقلية غطرسة السلطة، التي لا تسمح لأي أحد ان يفتح فمه بكلمة. فكل كلمة يقولها أي أحد هي كفر، وكل سؤال جريمة، وكل تذكير بمبدأ هو "تشكيك".
والعياذ بالله، لو قلنا ما قلناه وهذا النوع من البشر في السلطة. لكنا عدنا تحت سياط التعذيب (من جديد)، ولكان أقل حكم نحصل عليه هو.. الإعدام (من جديد أيضا).
هذا النوع من العنجهية؛ هذا النوع من عدم احترام الناس؛ هذا النوع من الفوقية؛ هذا النوع من التعالي المخابراتي على الوطنيين؛ هذا النوع من الإستعداد للتضحية بالخيرين؛ هذا النوع من الاستعداد لاستعداء القريب والبعيد؛ وهذا النوع من الميل السادي للتجريح والتكفير والتخوين، ربما كان من بين الأسباب التي أدت الى كل ما انتهينا اليه، ولكن الأمر يستحق شيئا من تقليب الفكر والنظر.
حزب البعث العربي الإشتراكي، كحزب مجاهدين وأحرار، فيه لكل الوطنيين حصة، هي حصة الدفاع عن شرف السلاح والمقاومة، وعن شرف الوطنية التي تغسل اليوم، بالدم الطاهر، كل خطأ او خطيئة ارتكبها الطفيليون من قبل، كما تغسل، بالدم العزيز، أرض العراق العزيز من الغزاة والعملاء.
وسنطالب هذا الحزب، كما كل الأحزاب الوطنية الأخرى، بالتطهير، لكي لا نلدغ من جحر مرتين.
ولكن حتى ذلك الوقت، فاننا لا ندري ماذا نقول للذي لم يقرأ ما كتبناه عن حزب الجهاد؟ ولا ندري ماذا نقول للذي يتجاهل ما يتداوله الناس من أعمالنا، فقط من اجل أن يستعرض صغائره علينا؟
ونجد انفسنا نضرب كفا بكف. نقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ونسأل محتارين: أهو يدافع أم انه، بالأحرى، يسيء؟
هل يمكن للقراء الغبية وسوء الفهم ان توصل الى أي شيء مفيد؟
أم انه، فقط، لا يعرف ان يقول لنفسه.. عيب، فهؤلاء اخوان مناضلون ساندونا في احلك الظروف، وقالوا فينا ما لم يقله قيس في ليلى.
ولكن إذا نقص الحياء، فمن أين يأتي الشعور بالعيب؟
وخيط الحياء رفيع، أحيانا. ولكن المسافة بين الشرف والنذالة، في التعامل مع الوطنيين، تتطلب الكثير من الخشية والتردد وتحاشي الأذى، دع عنك التسامح، لانها بحجم المسافة ما بين السماء والأرض.
وهي كبيرة الى حد يُجيز السؤال: هل من أعمى لا يستطيع ان يراها؟
لا، لا، عذرا، سامحونا. فالسؤال كفر. والتذكير بمبدأ تشكيك، ونحن عملاء وانتم وحدكم الشرفاء في هذا الكون الفسيح.
|