إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

نتنياهو حاول ابداء قدراته القيادية في هذا الاسبوع وفشل فشلا ذريعا يوم الاربعاء، في مقر الكنيست

معاريف

نسخة للطباعة 2009-07-25

إقرأ ايضاً


قيظ صيفي صعب في الخارج. رغم اجهزة التكييف الا ان المكان في الداخل يغلي غليانا. قرابة الثالثة بعد الظهر اتضح للائتلاف بأن اصلاح الاراضي، الطفل العزيز والاكثر قربا لقلب رئيس الوزراء في خطر. واحدا واحدا، اختفى شتى اعضاء الكنيست العصاة وغابوا في غرفهم. بوغي يعلون مغادر وكذلك دانيال هرتشكوفيتس. متمردو حزب العمل يتحالفون مع متمردي الليكود. اما وزراء حزب العمل فقد تلاشوا وكأنهم لم يكونوا ابدا، بينما يتجول ايهود باراك في اجازة بين المشاهد الطبيعية على احدى الجزر البريطانية الجميلة. من يقرب أذنه من بوابة دخول أحد مكاتب اعضاء الكنيست في احد الأروقة سيسمع اصواتا تدل على الحياة في الداخل. صوت ضعيف مبهم يشير الى ان احدا ما موجود في الداخل هناك. هاتان هما مساعدتا نائب وزير الدفاع عضو الكنيست متان فلنائي. هما تثرثران في غرفة السكرتارية بينما يركض في الداخل في ساعات قيلولته متان فلنائي ذاته وتحذران من ان توقظاه. في كل صباح يدرس القانون ويسمع المعارضين ويستقبل في ديوانه مجموعات الضغط ونشطاء البيئة ويقرأ عشرات الرسائل التي ارسلها طاقم الكفاح ضد الاصلاح. فلنائي قرر عن حق عدم المشاركة في التصويت. والده المرحوم زئيف فلنائي من كبار مستأجري أرض اسرائيل، أرضها وآثارها وهو بالتأكيد يبتسم في قبره لموقف ابنه. ليس هناك شبر ارض في اسرائيل لم يكن فلنائي الاب يعرفه. عندما توفي قبل 21 عاما طلب بأن يدفنوه بين تسرعا وأشتاؤول.

الحائز على جائزة بيلاليك لحكومة اسرائيل وجائزة اسرائيل في عام 1988، زئيف فلنائي كان ليعارض بالتأكيد بيع أراضي الدولة لكل من يزيد في السعر. الان يصل القرار الى بوابة ابنه. متان فلنائي قرر عدم التصويت مع الاقتراحات وذهب للنوم. وبوم... طرقات شديدة على بوابة المكتب بالقبضات. وكأن احدا ما يحاول اقتحام الباب والدخول. المساعدات أصبن بالفزع ولم يفتحن الباب. وعندئذ اقتحم الباب بعاصفة. عند المدخل كان أيال غباي مدير عام ديوان رئيس الوزراء وتسبي كهاوزر سكرتير الحكومة. هما لم يرتديا ملابس النينجا ولكنهما كانا غاضبين وبصحبتهما شرطي. الشرطي لم يكن رومانيا وانما اسرائيليا من حرس الكنيست وهو الذي اقتحم الباب من أجلهما.

ما الذي حدث؟ سألت المساعدات. السادة هاوزر وغباي طالبا وبسرعة بتسليم نائب الوزير لهما. احدى المستشارات دخلت الى غرفة نائب الوزير الذي يغط في نومه وقالت له لقد جاؤوا لاخذك للتصويت. فلنائي المظلي الاسطوري نائب رئيس هيئة الاركان سابقا والذي اجتاز في حياته مواقف كثيرة اكثر ضغطا اصر على عدم التأثر. تهديد جديد أرسل للداخل: ان لم يخرج الان ليتحدث معنا، قال السيدان فهو لن يتحدث معنا بعد ذلك. لا مع مدير عام ديوان رئيس الوزراء ولا مع سكرتير الحكومة. فلنائي لم يخرج وأصر على موقفه، مثل هرتشكوفيتس ويعلون وميري ريغف وتسيبي حوتوبلي وحايم كاتس كلهم لم يرمشوا ولم ينفعلوا ولم يخافوا ولم يتراجعوا. مساعدا رئيس الوزراء استقبلا الخبر فتجهم وجههما وعادا على عقبيهما ليختفيا عن الانظار. في المرة القادمة لن يساعدهم حرس الكنيست عندما سيطلبون اقتحام ديوان أحد اعضاء الكنيست من دون اذنه. رؤوبين ريفلين علم بما حدث وأصيب بالصدمة من هذا السلوك.

مناورات قيادة

بنيامين نتنياهو دخل هذا الاسبوع وكأنه قذيفة تخرج من بطن مدفع. سئم تلقي الضربات وجر الارجل بتثاقل وامتصاص ردود الافعال. لا مزيد من هذا. يوم الاحد كرس كله لمناورات قيادية تدريبية. نتنياهو نهض حيا منتفضا. المسكين الاول الذي تلقى صفعاته كان براك اوباما في قضية البناء في شرقي القدس. نتنياهو نظر الى عدسات الكاميرا مباشرة في مستهل جلسة الحكومة ووضع اوباما في مكانه الصحيح. بيد قوية وذراع ممدودة. بعد ذلك جاء دور يوفال ديسكين رئيس الشاباك. في ذروة استعراض القاه ديسكين امام الوزراء، قاطعه نتنياهو وقال له بأنه ليس من "مهمته" التوضيح للوزراء كيف ينظر الفلسطينيون لسياسة الحكومة وانما هذا دور مجلس الامن القومي. ديسكين اصيب بالذهول. بهذه الطريقة بدأ اسبوع نتنياهو الذي خطط فيه اعادة بناء صورته القيادية. بيبي زأر فمن الذي لم يخف.

بعد ذلك وكالعادة بدأت الامور تتعقد. حكاية فندق شيبرد تبينت بصورة غير دقيقة تماما. الامريكيون لم يبادروا لتأنيب السفير مايكل اورين وانما قدموا ملاحظة بلباقة. هذا حدث في اطار لقاء تعارف جرى بين السفير اورين وجيكوب لو مساعد وزيرة الخارجية الامريكية اليهودي الطيب الذي يحافظ على فروضه الدينية. قضية البناء في القدس صعدت درجة وكل جانب قال ما يقوله عادة. لو احتج واورين اوضح. هكذا سارت الامور طوال سنوات. ليس هناك سفير في واشنطن لم يكن يدعى مرتين في الاسبوع ليسمع امورا مشابهة. ليس فقط في قضايا البناء وانما التصفية الممركزة ايضا. الامريكيون لم يوافقوا دائما على ان الامر يتعلق بـ "قنبلة متكتكة". احيانا كانوا يقولون بأن الامر يتعلق باشخاص من المستوى السياسي. واحيانا كان الممثل الاسرائيلي يوضح باننا نصر على حقنا باتباع سياسة الاغتيالات ويستوضح بلطف ما الذي يفعله الامريكيون في المقابل. الجواب في العادة كان بأن احتجاجا معينا سيصدر وليس اكثر من ذلك. وهكذا سارت الامور طوال السنوات. يغتالون ويبكون، يبنون ويتباكون. حتى يوم الاحد الاخير. نتنياهو شخص المسألة وهبط عند النقطة التي لاحت له. السؤال الذي يطرح اليوم في اخر الاسبوع ان لم يكن الامر الا هبوطا ذاتيا. جورج ميتشيل سيأتي في الايام القريبة للبلاد والاتصالات حول تسوية في قضية تجميد المستوطنات في ذروتها. فترة حساسة. بيبي حاول وضع خط أحمر، وربما صمم التسوية التي تلوح في الافق: نحن سنجمد كل شيء وانتم تتيحون لنا مواصلة البناء في القدس. في الوقت الحالي وبدلا من الخط الاحمر حصل على سلسلة تنديدات من الجدار الى الجدار. الاوروبيون والروس والبريطانيون والفرنسيون والامريكيون. كلهم تذكروا القدس فجأة وطالبوا بوقف البناء فيها. بنينا حتى الان بهدوء والعالم كان يضبط نفسه بعد ان يتنهد. وفجأة نجد أمامنا جلبة كهذه!

في يوم الثلاثاء وصلت لواشنطن تقارير ارسلها أحد كبار المسؤولين في الحكومة المغربية. الوزير المغربي البارز سكب دلو ماء بارد على الرسالة التي ارسلها اوباما للملك محمد قبل اسبوعين. اوباما كما نذكر طلب من الملك المغربي بأن يكون طليعة المعسكر وأن يخرج ببادرة تطبيع مع اسرائيل. الان قال المغاربة لاوباما، ما الذي تتوقع منا ان نفعله؟ ملك المغرب هو رئيس اللجنة العربية للاماكن المقدسة والقدس وهو في الواقع يتولى هذا الملف فأي تطبيع وأي حذاء تريده منا؟ اضف الى ذلك: الامور التي تصدر عن اتباع اوباما في الفترة الاخيرة بصدد نتنياهو والوصف الذي يستخدمونه لا تليق بالنشر. الامريكيون لا يحبون ان يقوم احد بلعبة "القبعة الحمراء" معهم. كما يذكرون هم الدولة الاعظم وليس نحن. صحيح انه ليس سرا ان رام عمانويل وديفيد اكسلرود واخرون لا يطيقون نتنياهو. السؤال هو لماذا يتوجب سكب وعاء بنزين على النار المشتعلة هذه بدلا من محاولة اطفاءها برقة ولطف.

ولنرجع لديسكين: ملاحظة نتنياهو لم تهن رئيس الشاباك في مواجهة الوزراء فقط، وانما كانت خاطئة في اساسها. الاستعراض الذي اراد ديسكين طرحه على الوزراء كان واجبه المباشر. الشاباك وفقا للقانون هو المسؤول عن جمع المعلومات في المناطق ودراسة المجتمع والسياسة والمجريات عند الفلسطينيين. وبطبيعة الحال من حقه وواجبه ايضا اعلام وزراء الحكومة بكل ذلك. ليس هناك أي تشكيك في ذلك. ومع ذلك يقوم نتنياهو باسكات رئيس الشاباك بغلظة ويقول له ان هذه مهمة رئيس مجلس الامن القومي. أي عوزي اراد.

كان هناك من سمعوا من اراد في مواقف خاصة تصريحات يقول فيها بأنه رئيس الوزراء الحقيقي. وانه هو الذي يبلور السياسة وينفذها والان يتضح ان ما يقوله كان صحيحا. اراد محق لانه لا يعمل عند بيبي لا بل ان بيبي هو الذي يعمل عنده. في كل مرة تظهر فيها اسئلة يلوح فيها اراد ويتبعه نتنياهو بنفس الايماء. في قانون مجلس الامن القومي الجديد يتحول المجلس الى هيئة عليا تقوم باعطاء صورة شمولية وبلورة تقييمات وطنية وهذا صحيح. ولكن هذا لا يتوجب ان يحول دون قيام الشاباك بطرح وجهة نظره وما توصل اليه على الوزراء بصورة انفرادية. كما أن على رئيس الموساد ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "امان" ورؤساء الاذرع الاخرى، كلهم ملزمون باستعراض ما توصلوا اليه.

قتلوا له الطفل

وجاء يوم الاربعاء. طوال الحملة الانتخابية كلها تحدث نتنياهو عن الاصلاح في الاراضي وبعد ذلك واصل الحديث ايضا. كان متفاخرا بهذا الاصلاح. عندما انعقدت جلسة الحكومة في بئر السبع قبل اسبوعين خطط نتنياهو زيارة احد سكان المدينة الذي يحاول اغلاق شرفة والتقاط لنفسه من هناك وهو على الشرفة. سماه قانون الشرفات. في اللحظة الاخيرة تقرر عدم القيام بهذه الحيلة والسير مع رئيس البلدية روفيك دانيلوفيتش الى سيل بئر السبع. نتنياهو استخدم مثل "الفصح والفطائر" باعتبارها مسائل لا يمكن ان يسود النظام بدونها وهذا هو حال الاصلاحات الثلاث الكبيرة، السوق والكهرباء والموانىء والاراضي. الاصلاح في الاراضي يشبه "الفصح" حسب رأي بيبي. الأهم والجوهرة في التاجرة. اعتقد انه فصح فخرج مريرا في آخر المطاف.

سلوك نتنياهو واتباعه حول الاصلاح يجسد عدم قدرة هذه المجموعة على ادارة الدولة. في يوم الاربعاء افادت "اسرائيل اليوم" بأن الاصلاح سيحصل على أغلبية كبيرة كما يتوقع وفقا لاعتقاد نتنياهو طبعا. الا ان هذه الاغلبية الكبيرة المتوقعة تلاشت مع مرور الساعات. هم لم يشخصوا الانهيار. ومتى فعلوا ذلك؟ عندما كانوا مدفونين تحت الانقاض. وهكذا في اللحظة الاخيرة بدأ الاصطفاف الدائم الذي يظهر دائما في الصورة الختامية لمشروع ما من انتاج ديوان رئيس الوزراء. فجأة تثور شائعة بان عضوة الكنيست اورلي ليفي لن تصوت. بيبي رفع سماعة الهاتف فزعا لامريكا اللاتينية حيث يتسكع هناك وزير الخارجية افيغدور ليبرمان مصطحبا معه عضوة الكنيست روحاما ابراهام التي ترافقه في رحلته تلك. سكرتيرة كتلة الليكود تشتم عضوة الكنيست ليفي. الوزراء يعلون وهرتشكوفيتس مدعوان على عجل على ديوان رئيس الوزراء. هاوزر وغباي خرجا في رحلة صيد يائسة في أروقة الكنيست الا ان ذلك كله لم ينجح والاصلاح سقط مع حبات العرق التي سقطت من جبين نتنياهو. هذا الاصلاح معقد. انا شخصيا لا امتلك موقفا واضحا بصدده حتى الان. ولكن شيئا يدفىء القلب قد حدث هنا رغم ذلك. معركة ايديولوجية حقيقية تدور حول الايديولوجيا الابدية. غرفة عمليات خاصة اقيمت في ديوان عضوة الكنيست شيلي يحيموفيتش. متطوعو الشبيبة من الحركات المختلفة وقفوا كتفا الى كتف وأرسلوا آلاف رسائل البريد الالكتروني والعرائض وعقدوا عددا لا ينتهي من المحادثات. كان لذلك تأثيره. يعلون مثلا قرر عدم رفع يده موافقا على هذا الامر. يتبين ان من الممكن اخراج الانسان من الكيبوتس ولكن من الصعب اخراج الكيبوتس من الانسان. سلوك يعلون غريب ان لم نقل مثيرا للاستغراب ولكن قراره يبعث على الاحترام. صحيح انه كان عليه ان يضع رسالة استقالته مع اختفاءه في دولة طبيعية، ولكن في اسرائيل يستقيلون فقط عند تقديم لائحة الاتهام.

وهناك شيء آخر: هذا الاصلاح هو الاكثر دراماتيكية الذي يطرح هنا منذ قيام الدولة. الاصلاح في الاراضي ينقل 800 الف دونم الى ايادي خاصة. جزء كبير منها من احتياطي الارض الذي تمتلكه الدولة اليهودية الكثيرون يرون بذلك نهاية للصهيونية. وكل هذا يمر من دون ان يجري حزب العمل – العمل! – نقاشا منظما حوله. لا الديوان ولا السكرتارية ولا مركز الحزب ولا شيء. باراك في اجازة وقد وعد بان يكون الامر على ما يرام وان الرفاق سيعرفون ما الذي يتوجب عليهم فعله. في اخر المطاف لم يعرفوا.

بهذه الطريقة اختفت الاغلبية الثابتة للائتلاف، 69 مقابل 51 للائتلاف في القضايا التشريعية. هذه الاغلبية تتضمن 8 اعضاء كنيست من حزب العمل (5 متمردين). هؤلاء الثمانية لم يشاركوا في التصويت احدهم صوت ضد. هذا قلص الاغلبية الى 61 مقابل 52. ولكن حينئذ اتضح ان ثلاثة من اعضاء الليكود لم يصوتوا. حوتوبلي ودنون ويعلون. هبطنا من 58 الى 52. وعندئذ اتضح ان اثنين من اعضاء الكنيست من اسرائيل بيتنا قد سافروا في رحلات مختلفة والثالثة انستاسيا ميخائيلي في اجازة الولادة. هبطنا الى 52 – 55. وحينئذ دخلت والدة عضو الكنيست موشيه غافني في حالة صعبة فسارع الى المستشفى وحينئذ ايضا اختفى عضو الكنيست مئير بوروش وهكذا اصبحت النسبة 52 - 53. وعندها اتضح ان البيت اليهودي سيخرج من السباق عند الوصول الى البنود الهامة حول البيع والتأجير. عندها أمر نتنياهو بصوت واهن بسحب عملية التصويت. هو بدا وكأنه قد سقط من الشرفة التي حاول اغلاقها. من لا يدعم القانون في الاسبوع القادم سيقال على الفور سواء كان وزيرا او نائب وزير، قالوا في ديوان رئيس الوزراء. نتنياهو ادرك انه قد وصل الى طريق مسدود في وقت اسرع مما توقعه. من لا يستنطيع تمرير قانون ضريبة القيمة الاضافية على الفواكه والخضروات وتوسيع خطة فيسكونسين وتمرير الميزانية من دون اخفاقات او المصادقة على اصلاح في الاراضي، كيف سينجح في قيادة هذا الشعب الى السلام؟ هذا بالنسبة للسلام فماذا سيحدث ان اندلعت الحرب؟ هذه ليست مسألة سياسات ولا قضايا يسار ويمين، وانما قضية قيادة وسلوك قيادي. وكما كتب هنا منذ حين يتوجب التأكيد: لا أحد يكره نتنياهو. المشكلة هي أن احدا لا يخشى منه. العواطف في هذه المرحلة تعتبر رأفة. رئيس الوزراء الذي يشفقون عليه لن ينجح.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026