إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الرفيق ابراهيم حبيب طنوس أسم باق في ذاكرة الحزب وتاريخه

عمدة شؤون عبر الحدود

نسخة للطباعة 2009-11-30

الارشيف

في العدد 400 من مجلة "البناء-صباح الخير" تاريخ 10/10/1987 نشرتُ في باب "عبر الحدود" مقالة كانت وردت من الرفيق ابراهيم حبيب طنوس، نوردها في ملحق النشرة تعريفاً على رفيق تميز بإيمانه والتزامه وبقي قومياً اجتماعياً حتى آخر ايامه. في مقالته اضاءة على كيف انتمى الرفقاء الاوائل في البرازيل، وعلى جانب من زيارة سعاده اليها.

*

الرفيق ابراهيم طنوس من اوائل الرفقاء الذين اخذوا بتعاليم النهضة السورية القومية الاجتماعية في البرازيل، وساهم مع الرعيل الاول: الرفقاء الراحلين الامين وليم بحليس، نجيب العسراوي، نقولا داوود، جورج بندقي، وغيرهم.. في تأسيس الحزب في "القارة البرازيلية".

هو اليوم على مشارف التسعين، شبه عاجز، يلازم بيته- وغالباً سريره- انما ما زال فكره يشع بالايمان القومي الاجتماعي وقلبه يخفق كلما تحدثتَ اليه بالحزب أو سألته عن سعاده.

الذين طالعوا صحف ومجلات الحزب في الخمسينات، يذكرون تماماً الرفيق ابراهيم حبيب طنوس، ويتذكرون مقالاته ودراساته التاريخية.

والذين كانوا يتابعون مجلة (الندوة) التي اصدرها الامين عبدالله قبرصي في مغتربه في كراكاس-فنزويلا، في اوائل الستينات، يتذكرون بدورهم سلسلة المقالات التاريخية التي كتبها الرفيق طنوس.

منه، هذا المقال-الذكريات، وله تحية الحزب وتقديره، فالرفيق ابراهيم حبيب طنوس غُرس في ذاكرة النهضة ووجدانها، وسيبقى.

*

في سان باولو اهداني احد المواطنين عدداً من جريدة (الرابطة). وعندما طالعت مقالاً للدكتور خليل سعاده ينبض بحب الوطن ويصف ويلات الشعب وتأخر الامة السورية في التحرر والتقدم، لا ادري كيف شعرت بقرابة روحية تفوق اعجابي باسلوب كتابته وحماسته الوطنية. قلت لنفسي: هذا المعلم يُقتدى به وسأقتدي به فكراً ومحبة للوطن.

لم يمنعني رحيلي من سان باولو الى ولاية ميناس جيرايس من أن ازور جمعية الرابطة الوطنية السورية في (لاديرا بورتو جيرال)، كلما حللت سان باولو، لأنه كان يلذ لي مخاطبة الادباء والصحافيين والتحدث الى بعضهم. وكنت احس باعجاب الجميع بالدكتور خليل بينما الحظُ تأفف البعض من ابنه، عند ذكر انطون سعاده. فبدأت أميل الى محبة انطون سعاده (جكراً) بتلك الغمزات المتخفية، ومضى وقت طويل الى ان فهمت السبب وهو ان الاب مبشر والابن بناء ومنظم.

(سانتا جوليانا) محطة لسكة حديدية فيها بناية المحطة، وبيت عتيق أويت اليه مع امرأتي وطفلين. الى جانبه الدكان.

(الميدا كمبوس) محطة ثانية تبعد عن (سانتا جوليانا) عشرين كيلومتراً، وكان يقيم فيها وليم ديب بحليس (الامين المرحوم وليم بحليس).

بكرت في احد الايام في انتظار القطار على المحطة، والمحطة الحديدية كانت بمثابة الراديو لنا في تلك الحقبة، ومنها نتلقى الاخبار والجديد منها، وإذا بساعي البريد يناولني عددا من جريدة "دياريو دي سان باولو" ولقد هزني خبر فيها.. وشعرت بسرور غريب لم اعتده من قبل: " قدم سان باولو الزعيم السوري السيد انطون سعاده.. فاستقبلته الجالية السورية بكل حفاوة وحماس وانزلته ضيفاً عليها في نزل (اسبلانادا) افخم اوتيل في سان باولو".

ولشدة سروري، غابت عن نظري بقية الكلمات..فصحت بامرأتي:

- يا رفيقة (اسمها كذلك) سأذهب غداً سان باولو.

- ولماذا هذه العجلة المباغتة؟

- لأني بحاجة الى بعض السلع.

- والتكاليف من اين تدبرها؟

- أخوك يقرضني خمسة عشر كونط.

- خمسة عشر كونط.. اخاف ان تصرفها كلها في شراء الكتب.

عند ذلك التجأت الى المنطق التحليلي: خمسة عشر كونط تشتري كل مكتبة جورج يازجي(2)، فأين أضعها وبيتنا وسقفه مثل الغربال أيام الشتاء؟

أمام هذا المنطق الفاصل، حصلت على رضى الزوجة وتناولت القطار الى مدينة اوبيرابا(3) ومنها الى سان باولو، وعند مروري بمحطة (الميدا كمبوس) أخبرت وليم بوصول سعاده ووعدته اني بعد رجوعي سأخبره عن كل ما أرى وأسمع. فقال لي: الظاهر ان الله ارسله لنا ليهدينا سواء السبيل.

كانت ردهة فندق (اسبلانادا) كبيرة وفخمة، مزيّنة بحلقة من السوريين كهالة القمر وسطها شاب جبهته تشرق على من احاطوا به، وحلقة القوم منفتحة على نمط هلال. وكان المظهر رائعاً بالنسبة لي لأني كنت دائماً أتحسس الوحدة أو ما يشبه الوحدة، لإقامتي خارج المدن، فها انذا أمام جمع من المواطنين، فكيف لا المس وطني بيدي وعندنا مثل اولئك الرجال، واخذت اردد قولي:

- نحن اذن مجتمع، وحدة فكر وتفكير، وتقدير وفرض، الله اكبر ما اعظم (نحن) ولم لا نكون (نحن)؟

بعد انفراط عقد الزائرين قدمني صديق أمام الزعيم ذاكراً اسمي له وأني أرغب بالتعرف عليه، فجرى الحديث التالي.

- الزعيم: اهلاً بالمواطن، من اي منطقة في الوطن؟

- من عكار يا حضرة الزعيم، ومن قرية لها ثلاثة اسماء: دير دلوم، زوق مقشرين، طنيطرة.

- أين تقيم في هذه البلاد؟

- في محطة سكة حديدية من ولاية ميناس جيرايس.

- وسبب زيارتك لي؟

- لاتعرف على حضرتك ومعرفة رسالتك للسورين ان في الوطن او في المهجر.

- هل عرفت شيئاً عن الحزب أو قرأت عنه؟

- لا يا حضرة الزعيم، كل ما سمعناه ان فرنسا وحكومة وطننا تلاحقان حضرتك بعد انكشاف امر الحزب.

ورفع سعاده حاجبيه وتبسم وقال: لم أشك يوماً بحيوية أمتنا. تعال غداً أو بعد غد إلى هنا أو إلى المكتب في شارع (ماسترو كاردين) رقم كذا وكذا. شكرت له لطفه وكيفية حديثه معي وتيقنت أن الباب أشرع أمام نور جديد.

تقوّمت (أصبحت قومياً- التعبير للرفيق طنوس) في المكتب بترديدي القسم بوساطة الناموس الثاني خالد اديب وبحضور الرفيق أسد الأشقر، وكان ذلك في أواخر العقد الثالث من هذا القرن. ومنذ تلك الساعة وجدت من واجبي المطالعة والتنبه لمعاني الكلمات المستعملة جديداً في لغة النهضة: كالمتحد، والأمة، والنهوض، والقيم العليا والمسؤولية، ومصلحة الامة فوق كل مصلحة، وما هي حدود الوطن الطبيعية التاريخية ودورة حياة المجتمع للخ..

وأخذت أكتشف بعد قبولي المبادئ الاساسية والاصلاحية، الفرق بينها، وأقرأ ما وقعت يداي عليه من تاريخ سورية وتاريخ العالم العربي وأن الحضارة السورية هي احدى الست أو السبع، ومنها تولدت الحضارات الثانوية التي أخذت أسس تقدمها من أمهاتها ومنابع تطورها. إذن فالذي أعلنه أنطون سعاده ولم يفهمه القسم الاكبر منا، لم يزل السبب للتباغض والتناحر والمصائب النازلة بنا حتى اليوم. ألم يهجر الموارنة مدينتهم انطاكية حفاظاً على لغتهم السريانية. ان في احاديثهم أو في اقامة طقوس صلواتهم، فهم يحافظون عليها حتى الآن وهذا دليل على رسوخ سوريتهم الاصيلة، وإن ما يبدو من نفور ليس إلا من نسيان حقيقتنا وحقيقة ارومتنا.

ألم تأت رسالة النبي محمد (صلعم) مكملة للمسيحة الاولى السورية المنبع والطابع، قبل أن تسربلها الاغريقية بألبسة فلسفاتها؟ وأنه لو فكرنا بعمق في مرمى العقائد الدينية لوجدنا ان لجميع الاديان وحدة في الرجاء وتطلعاً للانسان الى ما يتوق اليه من امل وخلاص.

لو لم اتعرف إلى سعاده وأتلقى معاني تعاليمه منذ أول اجتماع في منزل رفيق من الرعيل الاول في هذه البلاد واسمه توما توما(4)، لكنت مثل الذين يشد كل واحد منهم بطرفي الحبل. كانت كلماته الاولى تنزل في عقولنا راسخة، لا لطلاقة لسانه وفصاحة خطابه وحسب، بل لعمق المعاني المكنوزة فيها، وفيها كل جديد وكل حقيقة ناصعة.

في هذه الساعة اؤمن بأننا أصبحنا أحياء بموته، فما تلقيناه من تعاليمه: (ان وطني ليس دير دلوم وأمتي محصورة في بيئتي الصغيرة بل في (العامل الجديد عامل القومية الظاهر في روح الجماعة).

كنا قبل رسالة انطون سعاده (طاسة ضائعة) بين: الدين هو الوطن أو الدين هو الامة، ولم نكن نميز أن الدين فكرة تتعلق بالسابق من الهيولي وكيف سيكون مصير الفرد بعد الموت، وأن الوطن غير ذلك، هو نسخة دورة حياتية تتماوج فيها عناصر عدة تتبلور في عقيدة واعتماد وقصد لحفظ مصالحها وضمانة وجودها كجماعة وتطورها في حياة أجمل تحوي عناصر الحياة الجيدة وقيمها من فن ومعرفة وجمال.

فيا زعيمي ومعلمي.. انك حي بتلاميذك اين كانوا وحيث حلوا. ولابد لأمتنا بكل عناصرها ومناطقها من الالتزام بتعاليمك، فيزول التقاتل الداخلي ويزول أيضاً التطاول الخارجي، فتصبح سورية صدراً وترساً لعالمها العربي.

ولن انسى يا زعيمي جوابك لي حين جمعنا الغذاء بصحبة الرفيقين جورج بندقي ووليم بحليس في مطعم (رون) في اعلى طابق من بناية في شارع (غسبر ليبيرو) والحديث كان حول رجوعك الى ارض الوطن، عندما سألتك: ألاً يوجد خطر من رجوعك الآن، ألا يقتلونك يا حضرة الزعيم؟ فكان جوابك: (لماذا تفكر بالخطر علي وكل مساعيّ لخدمة أمتي، طمئن نفسك يا رفيقي ابراهيم فستسمع اخباراً مسرة ومفرحة).

*

1- استقر الراحل الرفيق ابراهيم حبيب طنوس في بلدة (اراشا) القريبة من مدينة اوبرلنديا في ولاية ميناس جيراس، وقد منحته بلدية اراشا لقب مواطن شرف.

وبلدة (اراشا) منتجع صيفي- صحي معروف في البرازيل، وتملك مياهاً معدنية، وفندقا مشهوراً يقصده راغبو الاستشفاء بوساطة تلك المياه.

2- كان يملك اهم مكتبة لبيع الكتب العربية في مدينة سان باولو

3- تقع في المثلث الميناوي وكان للحزب فيها مديرية ناشطة.

4- تولى مسؤولية مدير مديرية سان باولو. من حمص اساساً. عمّ الدكتور رزق الله توما الذي تولى مراراً رئاسة فياراب البرازيل.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017