إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

نسر البقاع.. الاستشهادي مالك وهبي

أحمد طي - البناء

نسخة للطباعة 2011-04-20

الارشيف

كنت حدثاً لم يكمل السنوات العشر من عمره بعد، في تلك الايام، وفي البقاع الشمالي، في بلدة النبي عثمان تحديداً، كنا نحن الأشبال، نحيا أياماً مليئة بالعنفوان والتحدي، والبطولة، وربما قليلاً من «شوفة الحال» على بعض من أترابنا، إثر عمليتين استشهاديتين عظيمتين ضد العدو الصهيوني، نفّذ الأولى فتى الجبل الشهيد وجدي الصايغ، أما الثانية فنفّذتها عروس الجنوب الشهيدة سناء محيدلي.

الوهج الذي حققته العمليتان دفعنا دوماً الى المجاهرة بأن الشهيدين هما من أبطال من حزبنا. في المجالس، في المدرسة، في الملعب، في الحي، كنا دائما نذكر اسم وجدي واسم سناء في أحاديثنا، ولا أخفي أننا كنا نجذل لذكرهما، فغالباً ما كنا ننشد :«يا شعبي اليوم وقاف» أو نمشي خطى النظام المنضم.

وكانت القناة التلفزيونية الوحيدة التي نلتقط بثها في منطقتنا حينئذ هي التلفزيون السوري، الذي دأب على بث المقابلات الخاصة مع الاستشهاديين، والمصورة عبر الفيديو. وبعد عملية عروس الجنوب بعشرة ايام أو أكثر، ولدى وصول والدي (المسؤول في الحزب) من عمله في مدينة بعلبك، أخبرنا أنه بعد قليل سنسمع خبراً عظيما علينا أن ننتظره، ومضت الساعات القليلة، وبعد الـ«جنيريك» القصيرة لنشرة الأخبار على التلفزيون السوري، لم يظهر مقدم النشرة، بل ظهر شاب، أظن أني رأيته في مكانٍ ما، أو زمان ما، فوجهه مألوف لدي، كل تلك الافكار تسارعت في ذهني خلال الثواني التي سبقت كلام ذلك الشاب الذي قال: «أنا الشهيد مالك وهبي، عمري 19 سنة من بلدة النبي عثمان».

وقطع عرض الشريط ليظهر مقدم النشرة ويقول في عرض عناوينها: «عملية استشهادية بطولية في جنوب لبنان ينفذها الشهيد مالك وهبي....» حينئذ التهبت بلدة النبي عثمان ابتهاجاً، رصاص يشبه ذلك الذي كان يطلق خلال المهرجانات والاعراس، زياحات في الشوارع، هتافات، زغاريد و صيحات، وأذكر أن مقدم نشرة الاخبار أكملها وحيداً، لأن أهالي البلدة جميعهم، رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً، تركوا منازلهم وقصدوا منزل ذوي الشهيد، الذي يقع في أعالي «الضيعة».

الولادة والنشأة

في بلدة النبي عثمان، التي يصفها «القوميون» بـ«قلعة الصمود والتحدي»، أبصر مالك وهبي النور في يوم من عام 1966، في أسرة مكونة من والد (عبدالله وهبي) ووالدة (فاطمة نزها) وأخوته علي، عباس، أحمد، غالب، وأخواته: سهام، غادة، زينب، وفي مدرستها ومدارس المنطقة، تلقى مالك دراسته الابتدائية والمتوسطة، كما أنه انخرط في مدرسة من نوع آخر، علمته أن الحياة هي للأحرار، وأنها كلها وقفة عزٍّ فقط، فكان شبلاً من أشبال الحزب السوري القومي الاجتماعي، لينمو ويترعرع في بلدة البطولة والشهداء، ويتخرج من تلك المدرسة سورياً قومياً اجتماعياً.

العملية

بعد اجتياح العدو الصهيوني للبنان عام 1982، حيث وصل حينها إلى العاصمة بيروت، ثم رحل عنها مذلولاً تحت ضربات المقاومة، بقي الصهاينة وعملاؤهم مرابضين في أرض جنوب لبنان، يعيثون فيه احتلالاً وتدميراً، ومحاولات لإذلال أهل الجنوب. لكن تلك المحاولات كانت تبوء دائماً بالفشل، نتيجة إصرار المقاومة الوطنية على تحرير الأرض، أو أقله، إصرارها على ألّا يهنأ للعدو بال، وأن يبقى في قلق دائم ومستمر.

وبإرادة وتصميم، نجحت المقاومة الوطنية بإقلاق العدو وكسر شوكته، كما نجحت بإبطال مقولة أنه «الجيش الذي لا يقهر»، وذلك عبر العمليات الهجومية والكمائن المتكررة. ومع بدايات العام 1985، انتقلت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية إلى سياسة أخرى في القتال، هي سياسة الأجساد المتفجرة، فافتتحت في آذار العمليات الاستشهادية، مع الشهيد وجدي الصايغ على طريق جزين ـ كفرحونة، ومع الشهيدة سناء محيدلي عند معبر باتر ـ جزين في التاسع من نيسان.

وفي العشرين من نيسان، وبعد أحد عشر يوماً على عملية عروس الجنوب، حيث لم يكن الصهاينة قد لملموا آثار آلامهم وغضبهم لا بل خيبتهم، كان مالك وهبي، الشاب الذي لم يكمل عقده الثاني، يرابض في تلة مشرفة على جسر القاسمية على الطريق قبل مدينة صور، وكان يقود حينها شاحنة صغيرة، (بيك آب) محملة بألف كيلوغرام من مادة الـ«تي أن تي» شديدة الانفجار، ينتظر قدوم رتل من آليات العدو، كان مقرراً مروره في ذلك اليوم، وكان مالك متأكد من ذلك، نتيجة استطلاعات المقاومة ومراقبتها لتحركات العدو.

وعند الساعة السادسة و الربع من مساء يوم السبت في 20 نيسان عام 1985، انطلق مالك بشاحنته كالسهم الناري، يقتحم بواسطتها رتلاً طويلاً من آليات العدو عند المدخل الشرقي لجسر القاسمية، وفي اللحظة المناسبة، ضغط مالك على القابس «المبارك»، ليحيل ذلك الرتل إلى كتل نارية، ما أدى إلى مقتل وجرح جميع أفراد الدورية الذين قدر عددهم بـ120 عنصراً، وإحراق وتدمير أربع ملالات مجنزرة، وأربع شاحنات ناقلة للجنود، وسيارتي جيب. فارتفع مالك وهبي، نسراً محلقاً في سماء الجنوب، وهو نفسه النسر الآتي من البقاع.

وصيته

وكان الشهيد قد أعلن وصيته المسجلة على شريط فيديو ومما جاء فيها: «تعلمت في مدرسة نظامية أن الحياة وقفة عز فقط. اؤمن ان كل زاوية في بلادي هي وطني فهكذا تعلمت ...انا من هذه الارض ...من هذا الشعب ...واشعر بالالم الشديد من جراء تدمير المنازل وقتل الاطفال والنساء .. أضحي بنفسي من أجل هذا الشعب العظيم».

هلع في كيان المحتل

عملية نسر البقاع كما باقي عمليات جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، أثارت ردود فعل واسعة داخل الكيان الصهيوني، فأطلقت حملة واسعة للمطالبة بالانسحاب من لبنان.

يوسي شابيرا وزير الاستيعاب قال حينها: «يجب أن نثبت أقدامنا وان نقاتل والا فسيتبعونا الى ما وراء الحدود »، بينما دعا أبا إيبان الى «انسحاب سريع جدا من لبنان لتدارك الموقف». وهذا ما أيده أفنون روبنشاين وزير الاتصالات وعايزرا وايزمن.

على أن الموقف الأكثر تعبيرا عن حالة الهلع داخل الدولة العبرية هو ما عبر عنه اسحاق رابين بقوله: «إننا نواجه موقفا صعبا لأنه يجب علينا أن نتصدى للارهابيين الذين لا يتورعون عن استخدام أجسادهم كقنابل ناسفة».

جسر للعبور

صنع الشهيد من جسده بعد الموت جسراً للعبور إلى مرافئ الحرية، ومزج استشهاده بعشقه للشمس والوطن النظيف، بحبه للأرض والإنسان، وبرغبته في الحياة لأنها جميلة، قال: «ولدت بين حكايات القهر وترعرعت في سهوب الجوع» ليوصل إلينا أن الشعب اللبناني عانى الكثير في ظل الاحتلال الصهيوني، فقد ولد ورأى شعبه يعيش القهر والفقر والشقاء، كان الشهيد أمام خيارين: إمّا أن يقطع أصابعه و يرميها للكلاب ثمناً لحياة ذليلة تحت سلاسل المحتلين، وإمّا أن يصنع من جسده منارة للسفن القادمة من البحر. معنى أن يصنع من جسده منارة للسفن القادمة من البحر هو أن يكون استشهاده منارة هداية للأجيال القادمة من أجل تحرير أرضهم من المحتلين و بناء مستقبل زاهر.

باقٍ على مرمى الزمن

لربما توصيف «هلع» خير ما يمكن أن توصف به حالة الصهاينة بعد عملية الشهيد مالك وهبي. أما في بلدته النبي عثمان، فكان المشهد مختلفاً، كان عرساً للشهادة بكل ما للكلمة من معنى. أذكر جيداً أن وفود المهنئين بنجاح العملية كانت لا تتوقف عن القدوم للتبريك، كانت السيارات تتوقف عند مداخل البلدة، بينما المهنئين يقصدون منزل ذوي الشهيد أفواجاً أفواجاً. العرس استمر لأيام، وخلال تلك الايام كلها، لم تُبّح حنجرة أم علي، والدة مالك من إطلاق الزغاريد، وإلقاء الخطب المؤثرة، التي لم تكن توحي إلّأ ببطولة الام، لا بحزنها على فقد فلذة الكبد.

أما رفقاء مالك، القوميون في بلدة النبي عثمان، فلم يتوانوا عن تكريم شهيدهم الكبير، على الرغم من استشهاد عدد كبير من ابناء البلدة في سبيل القضية القومية وصل عددهم إلى العشرات، فقاموا: مقيمين ومغتربين، ببناء صرح كبير أطلقوا عليه اسم «نادي الشهيد مالك وهبي»، وهو اليوم يضم قاعة كبيرة للمهرجانات والندوات والمحاضرات والمعارض، كما يضم مستوصفاً خيرياً ومكتبة عامة وملعبا لكرة القدم وحديقة عامة. استمر بناء هذا الصراح عشرات السنين، حيث كان يبنى قطعة قطعة ولبنة لبنة، حتى وصل الى ما هو عليه اليوم.

واليوم، وبعد 26 سنة على عمليته النوعية، يبقى نسر البقاع محلقاً في سماء الوطن، يطلق صيحات تختلف في معانيها، قد نفهم من الاولى فرحه بتحرير الجنوب وانتصار تموز، وقد نفهم من الثانية غضبه على تناول موضوع سلاح المقاومة كورقة سياسية للمتاجرة السياسية، لكننا حتماً نفهم من الثالثة أن الفرح لا يكتمل إلا بتحرير فلسطين، وبواسطة سلاح المقاومة.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017