إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

لا حوكمة ولا مماحكة في نظام الحزب

حنا الياس الشيتي

نسخة للطباعة 2021-06-04

إقرأ ايضاً


المقدمة

يُعتبر مفهوم الحوكمه (Governance) مفهوماً مستجداً على الساحه العلميه، حتى أن أغلب المفكرين والعلماء ما زالوا مختلفين على إيجاد تعريفٍ واضحٍ له ولا سيما في الأدبيات والفكر العربي. وتعود أصول كلمة الحوكمه، كما ورد في Harvard Business Review الى الفعل اليوناني (Kubernao) التي تعني التوجيه. وبحسب هذا المرجع، فإن أفلاطون هو أول من استخدم هذا المفهوم بمعناه المجازي، ثم انتقل استخدامه بعدها الى اللاتينيه، ومن ثَم الى لغات أخرى. وهكذا فهو مفهومٌ دخيلٌ على اللغة العربية، ولم يكن له قواعداً فيها، مما أوجد عدة إشكاليات في ترجمتها من اللغات الأجنبية إلى العربية، وحال دون الاتفاق على مصطلحٍ واحدٍ لها. لذلك نجد عدداً من الترجمات المستخدَمة له مثل: الحاكمية، وإدارة الحكم، والحكم الرشيد، والحكم الصالح، والحوكمة. ولكن كل هذه الترجمات لا تعكس المعنى الحقيقي له، مما يدفع بعض العلماء إلى تفضيل استعمال مصطلح "كوفرنونس" كترجمة حرفية له، كما هو الحال بالنسبة لمصطلحات عديدة مثل الليبرالية، أو الديمقراطية وغيرها.

وبصرف النظر عن بدايات استخدامه، فإن هذا المفهوم قد عاد للتداول بقوة في الغرب عقب الازمات الاقتصاديه التي اجتاحت الدول الصناعيه في التسعينات من القرن الماضي حيث تعرضت شركات عملاقه عديدة لمشاكل وأزمات مالية خطيرة أدت إلى إفلاس عددٍ منها، وتهديد عددٍ آخر. مما دفعها الى العمل على تطوير واستحداث قواعد وقوانين جديدة، تجنبها الوقوع فريسة لمثل هذه الأزمات. ففي خضم هذه التحولات، وهذه الجهود، ظهر هذا المفهوم مجدداً، والذي عُرف ﺑ حوكمة الشركات أو ( Corporate Governance).

بمعناها الواسع ﻓ "حوكمة الشركات" هي المصطلح الذي يصف مجموعة القوانين والقواعد والأسس التي تضبط عمل الشركات وتحقق الرقابه الفعَّاله على مجالس إداراتها وتنظم العلاقه بينها وبين أصحاب المصالح المختلفه فيها. ورغم أن أشكال نظم الحوكمة هذه تختلف كثيراً بين شركة وأخرى، إلا أن القاسم المشترك فيما بينها هو أنها بالإجمال تهدف إلى تحقيق الشفافيه والعداله والمساءلة ومكافحة الفساد؛ بإيجاد الوسائل التي تمكن أصحاب المصالح في الشركات، من ممارسة رقابة فعَّالة على المسوؤليين الإداريين القابضين على وسائل القوة في الشركة، والمتحكمين بقراراتها التنفيذية.

ولا شك أن المبادئ الأخلاقية أو القيم التي تسير عليها فكرة الحوكمة هي فكرة ديمقراطية بامتياز. صحيح أن طريقة تطبيقها تعاني حالياً من نقص هام جداً، ألا وهو عدم إشراك فئة الموظفين والعمال مع باقي أصحاب المصالح في الشركة في ممارسة الرقابة على الإدارة فيها، أو حتى التعبير عن إراداتهم؛ إلا أن سد هذا النقص هو مسألة شكلية وحسب، ويمكن تخطيها متى استتبت الظروف السياسية المؤاتية. ولعل بريق هذه الفكرة هو ما دفع بعض القوميين لترويج تطبيق الحوكمة على نظام الحزب، بحجة تطويره، وجعله أكثر ديمقراطيةً، أو حتى كحلٍ للمشاكل التنظيمية التي يعاني منها. وهكذا نجد عدداً من الدراسات التي تقدمت بطروحات مدعيةً أن الحوكمة موجودة في دستور الحزب وفي تنظيم مؤسساته؛ أي في المديريات والمنفذيات وفي لجان هذه وتلك. ثم وعلى منصة هذه الدراسات نجد دراسات أخرى قد تقدمت بطروحات ونماذج أنظمة في الحوكمة لتطبيقه على نظام الحزب، اعتقاداً منها أنها بذا ترقَّي العمل الحزبي وتحسن أدائه.

لكن هذا الفهم لنظام الحزب، والاتجاه الذي تتخذه لتطويره، غير صحيح مطلقاً، ولا أساس له. وبصرف النظر عما إذا كان نظام الحزب بحاجة إلى تطوير، أو فيما إذا كانت مشاكله التنظيمية مردها ضعف النظام نفسه أم الجهل في كيفية تطبيقه، فإن فكرة الحوكمة دخيلة على دستور الحزب، ولا تنسجم مع الفلسفة التي يتأسس عليها. وهذا ما سوف نوضحه في هذه المداخلة. فرغم أننا قد نعتمد الحوكمة كمبدأ أساسي في تنظيم حياتنا القومية الاجتماعية، إلا أنه لا يمكننا سحب تطبيقها على نظام الحزب نفسه، لما يشكل هذا من خطورة على وجوده وكفاءة عمله!

الحوكمة في تنظيم حياتنا القومية الاجتماعية

في المحاضرة الثامنة، التي يشرح فيها نظامنا الاقتصادي، يشير سعاده إلى أنه سيكون من "حق الدولة أن تنظِّم للأفراد وتسن القوانين لهم... فلا يعود الرسمالي الفردي، من جهة حقوقية، حراً في أن يتصرف تجاه العمال وتجاه الذين يستأجرهم أو يستأجر منهم الأرض أو ما شاكل ويفعل ما تمليه مصلحته الفردية بصرف النظر عن مصالح المشتركين معه في الإنتاج" [1]. ثم يضيف أن "التوجيه من الدولة وسن القوانين إلى أقصى حد ينمي حيوية الشعب ويعطي الخير العام، مهما تذمر بعض الخصوصيين لما يحرمون منه، هو أمر لا مفر منه، وهو أمر لا يمكن الاستغناء عن تقريره في حالة إنشاء الدولة القومية التي نريد إنشاءها"[2].

ولا ريب أن هذا الشكل من التنظيم والتشريع الذي يقول به سعاده، من حيث كونه يُعنى في الدرجة الأولى بضبط المصالح والعلاقات بين المشتركين في الانتاج، يندرج تحت ما نسميه اليوم بالحوكمة. ولما كانت هذه كفكرة أو كمصطلح، حتى أعوامٍ قليلةٍ خلت لم تكن قد تبنَّتها بعد العلوم التنظيمية والإدارية؛ يمكننا موافقة الرفقاء الذين يقولون بأن سعاده هو "رائد الحوكمة قبل تعريفها بسبعة عقود"[3]. لكن كلام سعاده هذا الذي اقتبسناه فوق، ينطبق حصراً على الجمعيات الاقتصادية، إذ أنه يهدف إلى الحد من سلطة الرأسمالي، ودفع الإدارة في الشركة للتعبير عن الإرادة العامة للمشتركين في الإنتاج. وبالتالي، ففكرة الحوكمة هامة جداً لنا لاستخدامها في الميدان الاقتصادي، ولا بد لنا كسوريين قوميين اجتماعيين من الإشتراك في الجهود المبذولة على نطاق عالمي، للمساهمة بالخروج بإفكارٍ بنَّاءة وفعالة في هذا الميدان.

لا حوكمة داخل الحزب

لكن بالمقابل، من الهام جداً لنا أن نتنبَّه إلى خطورة تطبيق فكرة الحوكمة في النظام الداخلي للحزب، لتعارضها تعارضاً أساسياً مع سلامة وجوده، وكفاءة عمله. هذا عداك على أنه، حقيقةً، وخلافاً لما يقول به بعض الرفقاء، لا يوجد مطلقاً أي كلامٍ لسعاده، لا في الدستور ولا في أيٍ من آثاره، ما يشير إلى تبنِّيه لفكرة الحوكمة في نظام الحزب الداخلي. بل على العكس تماماً، فالمثبت بالمادة الخامسة من الدستور، وما كرره سعاده وأكدَّه في كتابه إلى محاميه حميد فرنجيه، هو أنه جعل نظام الحزب فردياً بالدرجة الأولى، مركزياً تسلسلياً [4]. وهذا يدحض كلَّ زعمٍ بوجود أي شكلٍ من أشكال الحوكمة في نظام الحزب. فإذا كانت الحوكمة تقوم على فكرة تقاسم السلطة وتوزيع المسؤوليات، أو كما يقول الدكتور السبعلي "من خلال المشاركة في صناعة القرار وتقييمه من قبل ممثلين عن جميع الأعضاء"[5]، ﻓ "المركزية" تقوم على نقيضها لأنها تعمل على الانفراد بالسلطة وحصر الصلاحيات في يدٍ واحدة.

علاوة على ذلك نجد أن تبنِّي سعاده لفكرة الفردية في نظام الحزب لم يكن وليد الصدفة أو الجهل أو الإهمال، بل مقصوداً أراد به منع الفوضى في داخله، واتِّقاء نشوء المنافسات والخصومات والتحزبات والمماحكات وغير ذلك من الأمراض السياسية والاجتماعية، وتسهيل تنمية فضائل النظام والواجب، كما يقول هو[6]. لكن هذا يجب أللاَّ يُفهم منه أن فرديةَ نظام الحزب، فرديةٌ مطلقة تبيح التسلط والطغيان، بل فردية منضبطة يصون سلامة اتجاهها بطريقة فعالة ومبدعة، عامل التسلسل في الصلاحيات. فالنظام هذا، كما يصرِّح سعاده، "ليس نظاماً هتلرياً ولا نظاماً فاشياً، بل هو نظام قومي اجتماعي بحت، لا يقوم على التقليد الذي لا يفيد شيئاً، بل على الابتكار الأصلي الذي هو من مزايا شعبنا"[7]. وبدهي أن القارئ سيسأل هنا عن هذا "الابتكار الأصلي" في فردية نظام الحزب؛ وسوف نجيب عليه في القسم الثاني من البحث، لكن لا بد لنا أولاً، من استيفاء حق الفكرة بعدم وجود حوكمةً في دستور نظام الحزب الداخلي.

والحقيقة أنه للحوكمة خصائص ومتطلبات تجعل من تطبيقها في نظام الحزب مستحيلاً إن لم يكن كارثياً، نظراً للظروف التي يعمل فيها الحزب والأخطار التي يمكن أن تتهده. يقول سعاده أن نظامنا هو النظام الذي لا بد منه لحماية النهضة من تدخل العوامل الرجعية[8]. فكيف تكون هذه الحماية، إذا كان لزاما على الحزب، عملاً بمقتضيات الشفافية في الحوكمة أن ينشر بيانات دورية عن خططه المستقبلية، ونشاطاته، وميادين عمله، وانجازاته، ناهيك عن ميزانيته، ومصاريفه، ومداخيله؟ لقد مرَّت على الحزب، ومازال وارداً أن تمر مجدداً، أوقاتٌ فرضت على الأعضاء العمل بسرية تامة، فما كان أحدهم يعرف مَن هم رفقاؤه الآخرين، أو يعرف عنهم، إلاَّ ما اقتضته دواعي عمله معهم ووفاقاً لمسؤوليته ورتبته. ففي ظروف عمل كهذه، أيُّ شفافية يمكن تطبيقها، وأيُّ ضمانات يمكن تقديمها لموازاة المسؤؤليات بالمؤهلات، ولمن؟

أضف إلى ذلك أن كل من عُيِّن في وظيفة أو رتبة في الحزب يؤدي قَسماً يكون من جملته أن يكتم أسرار مسؤوليته حتى عن القوميين الاجتماعيين أنفسهم، فضلاً عن غيرهم؛ وأن لا يذيع إلا ما هو مفوضٌ أو مخوَّلٌ بإذاعته [9]. في إحدى رسائله إلى وليم بحليس، يشير سعاده إلى هذه النقطة تحديداً قائلاً له أن "نظام الـحزب، كما سترى من قراءتك الدستور، يقضي على كل موظف إداري أو سياسي بالتعهد بكتمان جميع ما يعهد إليه، ويشكّل أسرار الوظيفة أو الـمهمة، عن القومييـن فضلاً عن غير القومييـن" [10]. بناءً على ما ذكرناه فوق، بل وعلى ما يذكره أيضاً الدكتور السبعلي، بأن الحوكمة تقتضي المساءلة؛ فأي استنطاق يمكن اجراؤه على أيٍ من المسؤوليين، خصوصاً أنه سرعان ما سوف يتضارب واجب كتمان الأسرار بواجب تبرير الأفعال؟

لا حوكمة في المديريات، ولا في المنفذيات، ولا في أيٍ من مؤسسات الحزب الأخرى

بعض الرفقاء يعتقدون، أن كيفية تعيين وإقالة أعضاء هيئة المديرية مثلاً، تشكِّل مظهراً من مظاهر الحوكمة في الحزب. فكون صلاحية تعيين وإقالة مدير المديرية، هي من صلاحيات عميد الداخلية، وليس المنفذ العام، تمثِّل، في رأيِ هؤلاء، شكلاً من أشكال الحوكمة؛ لأنها - على حد قولهم، تحول دون تحكِّم أي منفذ عام بمنطقة كاملة من خلال تعيين المديرين فيها. ولنفس السبب، يعتبر هؤلاء الرفقاء، أنه أيضاً شكلٌ من أشكال الحوكمةً، أن لا تكون صلاحية تعيين أو إقالة أيٍ من أعضاء هيئة المديرية، بحوزة مدير المديرية. فمبوجب الدستور صلاحية تعيين المدرب هي لعميد الدفاع، وتعيينات أعضاء الهيئة الآخرين هي من صلاحيات المنفذ العام. وبالقياس، يعتبرون كذلك أن كيفية تعيين أعضاء هيئة المنفذية هي أيضاً شكلٌ من أشكال الحوكمة.

لكن التفسير هذا ليس صائباً. صحيح أن طريقة تعيين مدير المديرية تضعف من سلطة المنفذ العام إلا أنها بالمقابل، تحصر في سلطة عميد الداخلية، صلاحية تعيين كل المديرين في كل الحزب. وهي أيضاً، من ناحية أخرى، تطلق سلطة مديري المديريات إذ أنهم ينفلتون من قدرة مسؤوليهم المباشرين على إقالة أيٍ منهم. كذلك لا يشكل افتقار مدير المديرية إلى صلاحية تعيين أيٍ من أعضاء هيئته أيِّ إضعافٍ لسلطته، إذ تبقى قرارت المديرية كلها منوطة به وحده، ودون معاونيه جميعاً. في رسالته إلى جميل شوحي يذكر سعاده أن "الأعمال الهامّة تقرر من قِبل الـمدير وحده بعد سماع الآراء من أعضاء هيئة الـمديرية الذين هم معاونوه في الإدارة وهم عدد محدود جداً، أربعة عدا عن الـمدير" [11].

أضف إلى ذلك، أن كل هذا التوزيع في صلاحيات التعيين التي نجدها في دستور سعاده، يُصنَّف تحت باب الضبط الداخلي (Internal Control) لا الحوكمة، لأن من تُوَزَّع الصلاحيات عليهم، هم جميعاً من السلطة التنفيذية، ويتحمَّلون مسؤولياتهم أمام الزعيم، والمراجع العليا في الحزب أي الطرف الأول في التعاقد، لا القوميين الاجتماعيين الذين يؤلِّفون الطرف الثاني فيه.

لو أن ما يعتقده هؤلاء الرفقاء صحيحاً، كان من المفترض، عملاً بمبدأ المشاركة في القرار الذي تقول به فكرة الحوكمة، ألَّا تكون أيٌّ من قرارات التعيينات محصورةً بفرد واحدٍ بعينه، بصرف النظر عمَّا يكون ذاك الفرد؛ أسواءً كان المنفذ العام، أم عميد الداخلية، أم عميد الدفاع. وقياساً على الإجراءات التي تتخذها عادةً المنظمات التي تطبِّق فيها الحوكمة، كان الأولى، أن تُتخذ هذه القرارات جماعياً، بواسطة لجنة تؤلَّف خصيصاً لهذا الغرض. فيكون مثلاً من مهام هذه اللجنة، وعملاً بمبدأ الحوكمة في تكافئ المسؤولية والمؤهلات، درس ومقارنة السِيَر الذاتية للمرشحين (C.V.s)، وربما حتى مقابلتهم، للمفاضلة بينهم، واختيار الأنسب منهم. أما أعضاء اللجنة فلا بد أن تتألف على أقل تقدير من مندوبين عن العمدات والإدارات المعنية؛ بل وفي حالة مُثلى، وعملاً بالغاية الأساسية من الحوكمة، التي هي المشاركة في القرار، يُحرَص في هذه اللجنة، على تمثيل القوميين الاجتماعيين، الذين هم الطرف الثاني في التعاقد، عن طريق تخصيص مقعد أو أكثر، للمندوبين عن الهيئات المنتخبة - أي لجنة المديرية أو مجلس المنفذية. لكن الواقع هو أنه لا وجود لأي فكرة من هذه الأفكار في نظام الحزب.

لكن أغرب ما نقرأه لهؤلاء الرفقاء المنادين بتطبيق الحوكمة في نظام الحزب هو قولهم بأن لجان المديريات ومجالس المنفذيات، هي هيئات مراقبة وإشراف على عمل هيئات المديريات، وادعائهم بالتالي أن هذا يشكِّل مظهراً من مظاهر الحوكمة في الحزب. وهكذا فهم يحوِّرون طبيعة ومهمة هذه اللجان والمجالس، رغم أن المرسوم الدستوري الرابع قد حددهما تحديداً واضحاً لا لبس فيه! على سبيل المثال، المادة الأولى من المرسوم تنص صراحة أن لجنة المديرية هي "لجنة استشارية". والمادة الثانية منه تنص على أن مهمة هذه اللجنة هي التالي:

"مهمة هذه اللجنة التعاون مع هيئة المديرية بدرس شؤون الحي أو الناحية أو القرية الحزبية والسياسية وإعطاء المشورة في كيفية معالجة شؤون المكان السياسية والمالية التي يقصد تطبيقها، واقتراح بعض هذه المشاريع على المدير وإبداء ملاحظاتها على التدابير الإدارية التي قد تولّد ما هو غير مستحب".

علاوة على ذلك، وفي رسالته إلى منفذ عام مينس، نجد أن سعاده يعود ويؤكد على طبيعة هذه اللجنة بأنها "استشارية بحتة"، ويشرح ما تعنيه هذه العبارة. كذلك هو يوضح تفاصيلاً أخرى عن مهمة اللجنة، والتي تبقى كلها ضمن حدود إعطاء المشورة غير الملزمة. يقول سعاده أن " اقتراحات هذه اللجنة وآراؤها وقراراتها هي استشارية بحتة، أي أنه يجوز لهيئة الـمديرية العمل بها أو عدمه، ولكن هيئة الـمديرية متوجب عليها درس هذه القرارات والاقتراحات والآراء والبتّ بقبولها كما هي أو معدلة أو بتركها"[12].

علامَ إذن يستند هؤلاء الرفقاء حين يقررون أن لجنة المديرية هذه هي "لجنة استشارية وتراقب"؟ منعاً لأية مواربة في الكلام، لا بد لنا من أن نسألهم عن نوع الرقابة التي يقصدونها هنا؟ صحيح أنه من صلاحيات هذه اللجنة "إبداء ملاحظاتها على التدابير الإدارية التي قد تولّد ما هو غير مستحب"، لكن هذه ليست إلا تعبيرٌ عن الرأي، ولا تحتاج لأكثر من مجرد مشاهدة ومتابعة لمجريات الأمور، وتدارس أعضاء اللجنة فيما بينهم حيثياتها، لتكوين رأي فيها. وفاقاً للمادة الثامنة من الدستور، لكل رفيق في الحزب حقوقٌ واسعة النطاق في إبداء الرأي، بما فيها "حق إبداء الرأي في خطط الحزب السياسية والاقتصادية للمراجع والهيئات المختصة رأساً"، لكن هذه الحقوق لا تمنح الرفقاء أي صلاحيات رقابية على السلطة التنفيذية. فإن كانت الرقابة المقصودة هي ما يحدث أن يشاهده أو يختبره الرفقاء خلال ممارسة نشاطهم الحزبي، فهذه ليست رقابة إدارية، وهي حتما ليست حوكمة. أما الرقابة الإدارية، فأعمق من ذلك بكثير؛ إذ تقتضي مطابقة الأفعال والأعمال بالمخططات والبرامج والقوانين والتعليمات وما شاكل، وتفترض تمتُّع المراقب بامتيازات وصلاحيات تؤهله الإستفسار والاستجواب والبحث في السجلات، إن اقتضى الأمر. أكثر من ذلك، أننا لو شئنا تبنِّي تعريف الدكتور السبعلي لمعنى الرقابة، بأنها "التطبيق الجيد للحوكمة"، يصبح من الضروري لهذه اللجنة "وضع وتطوير نظام للقياس والتقييم". وهذه كلها هي أبعد ما تكون عن صلاحيات لجنة المديرية.

أضف إلى ذلك، ليس صحيحا ما يقوله هؤلاء الرفقاء بأن من صلاحيات لجنة المديرية مراقبة خطط الإدارة المحلية! أساساً لا يحق لهذه اللجنة أن تطَّلع على هذه الخطط، اللهم إلا ما يشاء مدير المديرية أحالته لها. لا مشاحة، إنه لو أعطيت لجنة المديرية صلاحية الإشراف على أعمال الهيئة، لأصبحت معه كل مديرية في الحزب وحدةً إداريةً قائمةً بنفسها، وعاملةً وِفق اعتبارتها المحلية؛ ويصبح الحزب معه مجرَّد تحالف هزيل لمديريات مستقلة ومفككة، لا رجاء منها.

وكما هو حال لجنة المديرية، كذلك هو حال مجلس المنفذية. ورغم أن هذا له صفة تشريعية في الضرائب المالية المحلية، إلا أنه يبقى في أساسه، وجوهر مهمته مجلساً استشارياً! يقول سعاده عنه بأنه "مجلس استشاري في كل أمر، إلا أمر الـمالية الـموضعية أي الضرائب الـموضعية ونفقات الـمنفذية، ففي هذا الأمر له صفة تشريعية"[13]. لذلك فالقول بأن لهذه المجالس أدواراً رقابية، ومشاركة ومتابعة، وما شاكل هي في أفضل الأحوال مبالغ فيها جداً، وعلى الغالب غير صحيحة بالمرة.

خلاصة القسم الأول

أعتقد أن ما ذكرناه يكفي لإيضاح المخاطر والأسباب التي تدفعنا إلى عدم استخدام الحوكمة في نظام الحزب الداخلي، وأيضاً إلى إثبات عدم وجودها في دستور الحزب. في القسم الثاني من هذا البحث، سوف نتناول البديل عن الحوكمة الذي يقدمه سعاده، أعني فكرة المركزية المتسلسلة، حيث نوضح الأسباب التي تجعل من هذه نظاماً متفوقاً على تلك.

المراجع

[1] المحاضرات العشر، المحاضرة الثامنة، ص 125.

[2] المحاضرات العشر، المحاضرة الثامنة، ص 127.

[3] الحوكمة الشاملة في النهضة، الجزء الثالث،

[4] المحاضرات العشر، المحاضرة الثالثة، ص 44.

[5] د. ميلاد السبعلي، الحوكمة الشاملة في النهضة، الجزء الأول، الفينيق العدد 45.

[6] المحاضرات العشر، المحاضرة الثالثة، ص 44.

[7] المحاضرات العشر، المحاضرة الثانية، ص 30.

[8] المحاضرات العشر، المحاضرة الثانية، ص 30.

[9] المجلد الرابع، الدستور، المادة الرابعة عشرة، ص 367.

[10] المجلد العاشر، إلى وليم بحليس، 28 أغسطس 1941، فصل 59، ص 149.

[11] المجلد العاشر، إلى جميل شوحي، 12 أغسطس 1942، فصل 111، ص 312.

[12] المجلد التاسع، إلى المنفذ العام لمنفذية منيس، 19 سبتمبر 1940، فصل 139، ص 316.

[13] المجلد التاسع، إلى المنفذ العام لمنفذية منيس، 19 سبتمبر 1940، فصل 139، ص 316.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021