إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الاستعمار الاستيطاني: علم يبحث عن جامعة

د. جورج جبور - البناء

نسخة للطباعة 2018-04-12

الارشيف

أولاً: مقدمة

أشكر مؤسسة القدس لدعوتي إلى الكلام بمناسبة ذكرى يوم خالد في التاريخ الفلسطيني ألا وهو يوم الارض. تمتلئ المفكرة الفلسطينية بذكريات الأيام الخالدة، ومن عادة المتكلّمين في المناسبات الفلسطينية إعلاء شأن المناسبة التي يتكلّمون عنها. لن أشذّ عن هذه القاعدة ولكنني سأستثمرها في محاولة الوصول الى نتيجة سعيدة لانشغال فلسطيني عالق منذ زمن بعيد. من هنا كان العنوان المتحدي: الاستعمار الاستيطاني: علم يبحث عن جامعة.

إلا أنني قبل ذلك سأبدأ بإلقاء ضوء على كلمة الأرض قبل يوم الأرض، ثم أنتقل إلى بحث عنوان هذه الكلمة، وأختمها بتوصية رئيسة مركزة قابلة للتنفيذ المباشر. أما الختام فسيكون بأفكار أخرى من وحي مناسبتين قادمتين قريباً هما مؤتمر القمة العربي وسبعون عاماً على يوم النكبة.

ثانيا: الأرض قبل يوم الأرض عام 1976

لغيري أن يؤرّخ للانشغال بالأرض عند الفلسطينيين. الا انّ عندي قليل أقوله هنا من خبرة شخصية تعود الى عامي 1971 و 1972 وربما الى ما بعدهما. أنشأ المناضلون الفلسطينيون في أراضي 48 من ذوي الانتماء القومي، في النصف الثاني من الخمسينات، زمن الوعود العربية الباذخة، حركة اسمها «حركة الأرض». التقيت بواحد من أركان تلك الحركة – وربما كان الشخص الأوّل فيها – خلال مؤتمر عقد في الكويت شباط 1971 ، هو المناضل الأستاذ حبيب قهوجي. لا أذكر التفاصيل ولكنني أعلم أنني تحدثت بإعجاب عن المناضل قهوجي الى من كنت أعمل معه في تلك الأيام. وبنتيجة جهود متنوّعة من جهات متعدّدة ولدَت في دمشق مؤسسة الأرض للدراسات الفلسطينية.

وحديثي اليوم عن مؤسسة الأرض يفرض عليّ ذكر أمر لا بدّ من ذكره وقد بلغت أواخر العقد الثامن. حاولت جهدي آنذاك، من موقعي الرسمي مديراً في رئاسة الجمهورية، ان ترتبط المؤسسة بجامعة دمشق أو ان تكون هيئة مستقلة قائمة بذاتها. بل وكان لديّ ميل الى الاعتقاد بانّ إنشاءها إنما كان، في جزء منه على الأقلّ، استجابة على نحو ما إلى ما كنت وما أزال انادي به من ضرورة إنشاء مؤسسة لدراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن. بل وحاولت ان أدفعها لكي تسير في ذلك الاتجاه. اكتفي بما سبق ولغيري ان يؤرّخ ويبحث عن الوثائق والدقائق، كما قلت قبل قليل. ورحم الله المناضل حبيب قهوجي الباحث المؤسس.

وحديثي اليوم عن المؤسسة يفرض عليّ ان استغرب عدم دعوة مؤسّسة تحمل اسم مؤسسة الأرض للكلام في يوم الأرض. واذ أرسل هذه الكلمة قبل أيام من انعقاد ندوتنا فإنني واثق من انّ مسؤولي مؤسّستنا سوف يتداركون الأمر.

ثالثا: الاستعمار الاستيطاني: علم يبحث عن جامعة فلتكن جامعة دمشق

الاستعمار الاستيطاني ظاهرة قديمة. كانت، في معظم الأحيان، شائعة ومقبولة بل ومشروعة في القانون الدولي التقليدي. ربما انّ الاهتمام الإنساني بالشعوب المستوطن عليها، ايّ التي انتزعت منها أرضها ونحن نحتفي بيوم الارض، انما ابتدأ مع بعض رجال الكنيسة بعد أعوام طويلة من اكتشاف العالم الجديد، الا انّ هذا الاهتمام الانساني بالشعوب المستوطن عليها لم يتبلور في القانون الدولي الا مؤخراً. وأسارع الى القول انّ قمة هذا الاهتمام انما تتجلى الآن، في القانون الدولي، بالقرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن في 23 كانون الأول 2016.

هل الاستعمار الاستيطاني ظاهرة أم مفهوم أم علم؟ لا ضرورة للدخول في معارك التعاريف. هي معارك لا بدّ منها من جهة، ولا نهاية مقبولة لها من قبل الذين يحتكمون اليها، من جهة أخرى. من الشائع الحديث عن الاستعمار الاستيطاني بوصفه ظاهرة. قد يرتقى به الى درجة وصفه بانه «مفهوم». إلا أنني أودّ الارتقاء به الى مرتبة العلم، وباستطاعتي الدفاع عما أراه، مستنداً أساساً الى الهشاشة العلمية لما يعرف بالعلوم الاجتماعية. وأقول ببساطة انّ لعلم الاستعمار الاستيطاني قواماً علمياً يتفوّق على ما لعلم الانثروبولوجيا من قوام علمي. وقد تبنّيت هذا التعبير عربياً عام 1972، في محاضرة حاشدة دعتني اليها نقابة المحامين السورية، كما سنحت فرصة إشهار التعبير عالمياً في شباط 1976 في محاضرة شفهية بجامعة كيمبردج البريطانية، ثم في نيسان 2002 في محاضرة مكتوبة ومنشورة ضمن مؤتمر حافل عقده مركز العودة الفلسطيني في لندن. كان التجاوب مرضياً لمتكلمي الانجليزية في محاضرتي بلاد الضباب.

ولأذكر ما لكلمة «علم» من فائدة. توحي الكلمة بنوع من الحتمية في المآل، وهذ أمر مفيد للنضال الفلسطيني.

من يتعهّد هذا العلم؟ من تباشيره ما نصّت عليه المادة 11 من دستور البعث العربي. ثم من تباشيره ما اهتمّت به دوائر كثيرة، سياسية وعلمية، بمناسبة ثورة الجزائر في الخمسينات. كذلك تحفل بتعبير الاستعمار الاستيطاني أدبيات البعث السياسية.

وفي عام 1971 تبنّى الرئيس حافظ الأسد مشروعاً موجهاً الى جامعة الدول العربية لإنشاء مؤسسة بحثية تعنى بدراسات الاستعمار الاستيطاني المقارن في العالم. أنتج التبنّي كتاباً في مجلدين عنوانه «الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين» صدر عام 1975، عن معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة التابع للمنظمة العربية للتربية والعلم والثقافة ويقع في ما يزيد عن الف صفحة. لا تبحثوا عنه تحت اسم صاحب المشروع بل تحت اسم مؤلفين مكّنا او تمكّنا من اقتناصه هما الزميلان الاستاذ السيد يس والدكتور علي الدين هلال. وفي إيضاح مكتوب منشور ألقى الثاني منهما باللوم على رئيس المعهد. المجلدان خطوة ضالة في معظمها. لم تنفق الحكومة السورية قرشاً واحداً على المشروع، ولم تبذل ما ينبغي من جهد علمي دبلوماسي للنهوض به، ولو فعلت لكان من الممكن للمنتج أن يكون خطوة على صراط مستقيم.

ثم في عام 1984، وضمن نشوة عامة ابتدأت في آذار 1984 بالنجاح في إقناع الحكومة اللبنانية بإلغاء اتفاق 17 أيار 19983، أعاد الرئيس حافظ الأسد التأكيد على ضرورة الاهتمام بدراسات الاستعمار الاستيطاني. فلنستمع إليه يقول في كلمة وجهها الى مؤتمر التضامن العربي مع النضال التحرّري في الجنوب الأفريقي تونس آب 1984 :

يستدعي العمل المشترك منا جميعاً مواقف محدّدة تترجم الى أعمال لإنقاذ المنطقتين الأفريقية والعربية خاصة، والبشرية عامة، من آفة العنصرية. أحد جوانب هذا العمل المشترك هو ان نعمّق بالدراسة، وعبر مؤسسة مناسبة، معرفتنا بالاستعمار الاستيطاني في المنطقتين العربية والافريقية. « الجرائد السورية في 8 8 1984 .

لم تكن صدفة وضع تعبير «عبر مؤسسة مناسبة». هي المؤسسة التي تبنّى مشروع إنشائها الرئيس حافظ الأسد عام 1971 ولم ينتج عنها إلا كتاب الخطوة الضالة.

هل نجحت الجهود لانشاء «المؤسسة المناسبة» التي أتت بها كلمة الرئيس السوري عام 1984؟ كلا. شاركت في دفن الجهود أمور كثيرة. وكان للجنة الثقافية في مجلس الوزراء السوري دور تثبيت المسمار الأخير في نعش مشروع علمي نافع. ولمزيد من التفصيل عن المسمار الأخير يمكن الرجوع الى كتاب صاحب هذه الأسطر بعنوان: «مذكرات الى رئيس مجلس الوزراء السوري: 1989» دمشق، 2017، الصفحات: 45-52 .

نحن في يوم جديد

يطلب منا قرار مجلس الأمن 2334 23 12 2016 ، بشكل غير مباشر طبعاً، الاهتمام بإقامة علم الاستعمار الاستيطاني على أرض صلبة، والاهتمام بتنوير العالم به، دعماً للجهود واجبة البذل، من أجل تنفيذ قرار واجب التنفيذ، أجمع عليه العالم ضمن ظرف مؤات. ذلك ما دفعني، وقد انتهيت من الانشغال بمئوية تصريح بلفور مع نهاية عام 2017، إلى كتابة بحث عن مستقبل «إسرائيل» في ضوء علم الاستعمار الاستيطاني، وفد نشرت جريدة «البعث» 20- 3 2018 خلاصة وافية عنه. وإذ أذكر تصريح بلفور فإنني أتوجه بالشكر إلى الرابطة السورية للأمم المتحدة التي كان لها الفضل الأكبر في التنبيه الى أهمية المئوية بدءاً من عام 2007، على نحو ما شهد به عدد من متكلمي هذه المؤسسة في مناسبات عدة.

يطلب منا احترامنا لأنفسنا علمياً ان ننهض نحن بهذا العلم. ما كان ينبغي علينا ان نترك تطوير هذا العلم والاعتماد على نتائجه الى لجنة خبراء أنشأتها الاسكوا فأصدرت تقريراً نشرته الأمينة التنفيذية لـ»أسكوا» فأجبرها الأمين العام للأمم المتحدة على الاستقالة. أحيّي الدكتورة ريما خلف، كما أحيّي رئيس لجنة الخبراء، الصديق عن بعد الدكتور ريتشارد فولك، وكنت تبيّنت منذ عام 1964 حسّه العدالي السليم. ختمت محاضرة عام 1972 بما أكرره قبل ختام هذه الجزئية من كلمتي اليوم: «هذا الإطار النظري المقترح المتمثل في مفهوم الاستعمار الاستيطاني، المفيد لنا من جهة، والمستحق علمياً من جهة ثانية، لن يكون فحسب ذا فائدة لنا كعرب، بل سيكون أيضاً ذا فائدة للشعوب الأفريقية ولمجمل الشعوب الصاعدة وللبشرية التقدمية. وفي الجهد لتطوير هذا الإطار النظري لن يكون بوسعنا ـ كما يحلو لكثير من مفكرينا ان نتتلمذ على أحد. لن يكون بوسعنا ان نتلقى علم الاستعمار الاستيطاني عن أحد. فليس ثمة من جامعة غربية أو عالمية، تدرسه وتدرّسه. إنه رهاننا. جهد تطوير هذا الإطار النظري يقع علينا اذ نحن أصحاب المصلحة فيه. وقد يكون لهذا الجهد، إذا بذلناه، فضل آخر هو فضل استعادتنا لثقتنا بقدوتنا العلمية، حين ينتقل بنا بذل الجهد من حيّز تلقي العلم عن غيرنا كما درجنا الى حيّز صناعته بأنفسنا…» مجلة «المحامون» وليست بين يدي التفاصيل، والمجلة المصرية للقانون الدولي، مجلد عام 1971 ص 181- 196

يبقى ختام هذه الجزئية.

من المناسب لجامعة دمشق أحداث مؤسسة خاصة بدراسات علم الاستعمار الاستيطاني المقارن، تعتمد أسلوب الاختصاصات المتداخلة، بما يعنيه ذلك من تعاون كليات العلوم السياسية والحقوق والآداب والاقتصاد والشريعة.

والتنفيذ فوري.

وهل أجمل من ان يقترن تنفيذ ريادة فكرية بمناسبة إحياء ذكرى يوم خالد في ضمير الإنسانية، هو يوم الأرض؟

بالوسع تفصيل القول في ما سبق على ضوء الكثير الذي نشرته عن الاستعمار الاستيطاني على مدى 48 عاماً، كما انّ بالوسع العودة الى بحث سهل التناول على مسؤولينا الجامعيّين، الذين يمارسون الكسل البيروقراطي في معظم الحالات، دعتني الى إلقائه، في أيار عام 2003، وزارة التعليم العالي ضمن مؤتمر عربي لتطوير كليات الحقوق والاقتصاد في الجامعات العربية. نشرت الوزارة البحث وعنوانه: «اقتراح بإنشاء مقرّر خاص بالستعمار الاستيطاني المقارن في كليات الحقوق العربية». لم يرد في البحث ذكر لكلية العلوم السياسية لأنها كانت ما تزال معهداً حزبياً. وأنصح، في كلّ حال، بالعودة الى كتابي: «نحو علم عربي للسياسة»، وقد نشرت الطبعة الثالثة منه الإدارة السياسية للجيش عام 2010.

رابعاً: أفكار في مناسبتين قريبتين

القمة العربية في 15 نيسان 2018: لا يستطيع متابع يتحدث يوم 28 3 2018 إغفال مخاطبة مؤتمر القمة العربي الذي أجّل انعقاده من أواخر آذار الى منتصف نيسان. حين أقول «القمة» أستعيد انّ فلسطين جمعت قادة العرب عام 1946. واستعيد انّ جهداً سورياً لم يؤرّخ بدقة هو الذي استدعى القمة، وانْ كانت مصر قد دعت إليها. وأستعيد انّ الجهد السوري المستدعي إنما أتى بناء على تقرير لجنة من الامم المتحدة.

أقول بكل بساطة: أوّل ما على القمة المقبلة فعله تقديم الاعتذار الى سورية وبذلك تلغي إقصاءها عن الجامعة. يحسن بمؤسّستنا مخاطبة نظيراتها في مختلف دول العالم لكي تخاطب القادة العرب منذ هذه اللحظة.

وثاني قراراتها ان يعتبر القادة العرب أنفسهم لجنة عمل لتنفيذ القرار 2334.

وثالثها إعلان يوم 2 تشرين الثاني من كلّ عام يوماً عربياً لمناهضة الاستيطان في جهد معنوي لتنفيذ القرار 2334.

ورابعها الطلب الى مجلس الأمن بالذات الموافقة على اعتبار الثاني من الشهر الحادي عشر يوماً عالمياً لمناهضة الاستيطان في جهد معنوي لتنفيذ القرار 2334. وبعد مجلس الأمن تتخذ الجمعية العامة الإجراءات المناسبة.

أكتفي بهذا القدر من نصح القمة، مستذكراً انه يحق لي كمواطن عربي ان أخاطب القمة. كيف لا، وهي التي تخاطبها – كما يقال – الخارجية الأميركية معقبة بشكل تفصيلي على كلّ بند في جدول الأعمال.

الذكرى السبعون ليوم النكبة: تتزاحم الأفكار عن يوم النكبة ونحن في يوم الأرض.. ما العمل؟ هل أدعو الى إعادة قراءة كتابَيْ قسطنطين زريق: معنى النكبة ومعنى النكبة مجدّداً؟

أو الى قراءة مقالي عام 1980 في صدر مجلة «المستقبل»، الاسبوعية الباريسية المحتجبة، قبيل قمة عمان وعنوانه: «لو كنت مكان الشاذلي القليبي وأمامي مؤتمر قمة عربي»، وكان قد سرّ به الرئيس حافظ الأسد؟

أو إلى قراءة كتاب «النار والغضب»، متوقعاً من المؤلف إصدار طبعة مجدّدة منه، اثر زيارة الرئيس ترامب الى القدس محتفلاً باستيطان السفارة الاميركية ارضاً مقدسة خاضعة للاحتلال؟

هيّجت أشجاني يا يوم الأرض.

أشكر الهيئة الداعية، وأشكر لكم استماعكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

** كلمة ألقيت في ندوة مؤسسة القدس الدولية سورية بمناسبة يوم الأرض، وذلك في مكتبة الاسد ـ دمشق 28 3 2018

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018