إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

على هامش ما يجري في تونس: الحرف الذي يُميت والروح الذي يُحيي

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2018-08-29

إقرأ ايضاً


قررت السلطات التونسية إجراء سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية في سياق الدستور التونسي المقر في 27 كانون الثاني 2014، فأعلنت عن تشكيل "لجنة الحريات الفردية والمساواة" وعهدت إليها بمهمة إعداد تقرير شامل لعرضه على البرلمان التونسي لمناقشته وإقراره. وقد صدر التقرير في 233 صفحة يوم الثامن من تموز الماضي معتمداً على "المعايير الدولية لحقوق الإنسان"، ليتحول على الفور إلى ميدان تجاذب فكري واجتماعي وديني نظراً إلى ما تضمنه من مقترحات وجدت فيها الجماعات الإسلامية "تعارضاً مع النص الديني"، خصوصاً في ما يتعلق بتوريث النساء.

ومع أن "حركة النهضة الإسلامية" في تونس (جماعة الإخوان المسلمين) كانت وما تزال شريكاً فاعلاً في إدارة شؤون البلاد، إلا أنها شجعت أنصارها بطريقة غير مباشرة للنزول إلى الشارع احتجاجاً على بعض مقترحات "لجنة الحريات" التي وجد فيها الأصوليون الإسلاميون "تبديلاً لكلمات الله"! بل أن أحد قياديي "حركة النهضة" كان أشد وضوحاً عندما أدلى بتصريح صحافي قال فيه: "النهضة لا تبيع ولا تشتري في الحلال والحرام".

حرارة النقاش هذه، وبوادر الاستقطاب الحاد في الدوائر السياسية والاجتماعية، والتظاهرات والتظاهرات المضادة... دفعت الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي إلى تناول محتويات التقرير في خطاب ألقاه بمناسبة "اليوم الوطني للمرأة". لكن كلمة السبسي التي توقع التونسيون أن تكون حاسمة، ظلت مجرد محاولة توفيقية يُراد منها التسوية السياسية الداخلية على حساب التشريع الدستوري الواضح. فقد أكد من جهة أولى "أننا حسمنا موضوع المساواة في الإرث ويجب أن تصبح المساواة قانوناً"، لكنه تراجع من جهة أخرى ليقول: "من يريد تطبيق أحكام الدستور فله ذلك، ومن يريد تطبيق أحكام الشريعة فله ذلك".

طبعاً هذا موقف تلفيقي يحمل مخاطر مستقبلية، ليس على الدستور وآليات تطبيقه فحسب وإنما على النسيج الاجتماعي برمته. فالدستور من حيث المبدأ هو التشريعات التي تشمل جميع مواطني الدولة بالتساوي من دون أي اعتبار للدين أو للعرق أو للجنس (ذكوراً وأناثاً). وإذا سُمح لفئة معينة، على سبيل المثال، أن "تختار" تطبيق أو عدم تطبيق بعض مواد الدستور لاعتبارات دينية خاصة بها، فذلك يعني بكل بساطة أن المتحد القومي لم يعد موحداً في اتجاهاته الاجتماعية الروحية. وهذا ما يؤسس لتناقضات داخلية غالباً ما تنتهي بصراعات أهلية مدمرة.

وإذا تجاوزنا الوضع التونسي ذا الخصوصية المميزة لجهة عمق التجربة الليبرالية الاجتماعية منذ عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، ومحاولة "حركة النهضة الإسلامية" بقيادة راشد الغنوشي تقديم خطاب أصولي حداثي... فإن النقاش الذي أثاره تقرير "لجنة الحريات الفردية والمساواة" يعود بنا إلى الهوة التي يبدو من الصعب تجسيرها بين النص الفقهي "المقدس" من ناحية، وبين ضرورات التطوير الاجتماعي انطلاقاً من الاحتياجات المعاصرة من ناحية أخرى. ومن هذه الزاوية بالذات، نجد أنفسنا أمام معضلة تاريخية تواجه العالمين العربي والإسلامي عموماً.

إن تجارب الأحزاب السياسية غير الدينية التي وصلت إلى سدة السلطة في عدد من الدول العربية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك في أنه من المستحيل التوفيق بين قيام مجتمع مدني معاصر يتساوى فيه جميع المواطنين أمام القانون وبين تطبيق التشريعات الإسلامية بحرفيتها. فالتشريعات الدينية بطبيعتها تمس معتنقي تلك العقيدة الماورائية بالذات، ما يعني أن "الآخرين" يقعون خارجها وليس لهم قدرة على التأثير فيها. نحن نعلم أن الإسلام يساوي بين معتنقيه "لا فرق لعربي على أعجمي ولا ‏ ‏لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى". (حديث نبوي). لكنها مساواة في الإيمان وليس في السلطة، إذ ينص حديث آخر على أن "الأئمة في قريش". ومن هذا المنطلق تفرّد القريشيون بالسلطة منذ وفاة النبي. بل أن الحروب الأهلية الأولى في الإسلام تفجّرت بسبب تنافس بطون قريش على السلطة.

وهذا يرجعنا إلى "النص المقدس" الذي يرفض الأصوليون المساس به. فهل يقف "النص" (في القرآن أو في الحديث النبوي) عائقاً أمام معالجة القضايا المعاصرة؟ وهل يتم التعامل مع هذا النص خارج سياقه الزمني والمكاني؟ وإذا كان الموقف الأصولي يقوم على أنه "لا تبديل لكلمات الله"، فمن يملك حق التفسير والتأويل في حال الضرورة؟

في التاريخ الإسلامي حادثة معبّرة في هذا السياق. أقرّ النبي طريقة لتوزيع أموال الزكاة كما في الآية 60 من سورة التوبة: "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ". والمؤلفة قلوبهم جماعة دخلوا الإسلام باقتناع ضعيف، فأراد النبي الحصول على دعمهم أو اتقاء شرهم بهذه الوسيلة المادية. وعلى رغم وجود نص قرآني صريح بهذا الشأن، أقدم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب على وقف هذه الصدقات. وعندما واجهه الصحابة، قال قولته المشهورة: "لقد كان رسول الله يعطيهم والإسلام يومئذ ضعيف. أما اليوم فقد أعزّ الله دينه وأعلى كلمته. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر".

ما قام به عمر مهم للغاية، وينطوي على أبعاد تمس أوضاعنا الراهنة. فقد أوقف العمل بـ"فريضة من الله" لأن الظروف تغيّرت. كان ينظر بعين واقعه إلى "تشريع قرآني" لم يمض عليه سوى عقد من الزمن، طبقّه الرسول بنفسه كما فعل من بعده الخليفة الأول أبو بكر الصديق. ولما تيقن عمر من أن الأوضاع باتت مؤاتية للتغيير، أقدم من دون أي تردد. وهكذا ظلت الآية القرآنية "نصاً مقدساً"، لكن العمل بمضمونها توقف. ومرويات التاريخ الإسلامي مليئة بمثل هذه الحوادث التي قبلها المسلمون على مرّ العصور... بينما نرى أصوليي اليوم وسلفييه يتشبثون بالحرف الذي يميت على حساب الروح الذي يحيي.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018