إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

رسالة من رفيق الحريري الى ولده سعد

د. تيسير كوى

نسخة للطباعة 2018-09-21

إقرأ ايضاً


ولدي الغالي سعد,

كتب أحدهم مرة أن المدعو جيمس كالاهان ترأس مجلس وزراء المملكة المتحدة من أوائل نيسان عام 1976 حتى أوائل أيار عام 1979. وكان قبل ذلك وزيرا للداخلية وللخارجية وللمال بالتتابع في حكومة المملكة المذكورة. والمعلوم أن لوزارة الداخلية في هذه المملكة سلطات واسعة ونفوذ كبير. قبيل وفاته سئل كالاهان عن أهم ما فعله في حياته السياسية وما سيذكره التاريخ عنه فقال أنه سيكون بالغ السرور والاعتزاز وراحة الضمير أن يقال أنه عمم استخدام عيون الهررة في طرقات المملكة المتحدة كلها. عيون الهررة هي عبارة عن كرات صغيرة من زجاج خاص تزرع في منتصف الطرقات العامة وعندما يتسلط ضوء سيارة من السيارات على هذه الكرات تضيء وبالتالي يعرف سائق السيارة لا سيما في ليالي الشتاء الحالكة حدود الطريق والحد الذي يجب عليه أن لا يتجاوزه في منتصف الطريق. لا شك أن هذا انجاز لكن الملفت أن كالاهان لم يفكر بأي شيء آخر يفوق بأهميته بالنسبة لما يفيد الناس سوى عيون الهررة.

ولدي الغالي , أتتبع من حيث انتهى مطافي في هذه الحياة , أتتبع سيرتك وأود أن أسألك عن الشيء التي تفخر بأنك صنعته حتى الآن في وطنك الثاني (أو الأول) لبنان طيلة الفترة التي كنت فيها رئيسا لوزراء هذا البلد الصغير العريق التعيس. هل تستطيع أن تذكر هذا الشيء وأن تشرح فائدته الفعلية لللبنانيين ولأولادك وبقية أسرتك.

ولدي الغالي أنت وأنا نحمل جنسيتين سعودية ولبنانية ولا أدري اذا كنت مطمئنا مرتاح الضمير الى أنك تعمل ما يجعلك تستحق بالتساوي والتوازن هاتين الجنسيتين علمابأنني أظن (أكرر أظن ) أن دولة الجنسية الأولى ( السعودية ) ساهمت مباشرة أو مداورة بالتمويل وبغير ذلك في اعدامي بطريقة لا تفوقها بشاعة الا الطريقة التي اعدم بها أنطون سعادة وهذا ما سوف يكشف عنه, في ظني, الزمن المقبل مثلما مولت هذه الدولة محاولة اعدام العراق وسورية على حد ما قال من كان مسؤولا كبيرا في دولة قطر عدا عن أن هذه الدولة عينها أهانتك أنت اذ سجنتك وأنت في زيارة لها حسبتها أنت ودية ومنعتك من العودة الى بلدك الثاني الذي ترأس حكومته حتى راق لها ذلك وصار في مصلحتها اطلاق سراحك. أما دولة الجنسية الثانية ( لبنان ) فلقد نصبتنا أنت وأنا رئيسين لوزرائها وأسبغت عليك وعلي لقب دولة الرئيس. ولدي الغالي. لا أود أن تكون أو أكون طائفيا لكن بالنظر الى أن النظام اللبناني يعتبرك كما اعتبرني ممثلا للطائفة المحمدية السنية فلماذا لا تقتدي بسلسلة طويلة من الوطنيين الطاهرين الذين تجندوا لخدمة هذا الوطن الصغير الجميل مثل أحمد وعمر الداعوق وكمال جنبلاط وعبد الحميد كرامي الذي ترأس حكومة لبنان مرة وخرج نظيفا ناصع الجبين مثلما دخل ناهيك عن سليم الحص الذي يتمنى كل الناس له طول البقاء ومثل قافلة طويلة من العباقرة المسيحيين الذين لا يتسع المجال هنا لذكر أحد منهم.

ولدي الغالي قيل عندما تم افتتاح مطار رفيق الحريري في بيروت أن هذا المطار سينقل لبنان الصغير الجميل العبقري الى القرن الواحد والعشرين. لن أعلق على هذا أبدا بل أدعوك الى أن تمعن النظر في هذا القول وفي أقوال مماثلة وأن تتوصل الى ما توصل اليه الواعون أن هذا القول مردود وغبي. المظاهر المادية وحدها لا تنقل انسان من موضع الى آخر بل ما ينقله بالفعل هو الفكر المتجدد , والروح الوثابة , والتمسك بالعلم والبحث والتبصر والتحليل , واعمال العقل في أمور الحياة كافة.

ولدي الغالي أتمنى لو أنك ساهمت أو تساهم أو ترنو الى المساهمة بالفعل لا بالقول مع الشباب النزيه الناهض في نقل لبنان من القرون الوسطى حيث هو الآن للأسف الشديد الى القرن الواحد والعشرين.

ولدي الغالي يقول عدد كبير من الذين أيدوني ويؤيدونك أن من أهم ما قمت أنا به عندما كنت في دار الفناء أنني مولت ارسال أعداد كبيرة من شباب لبنان وشاباته الى المعاهد العلمية في خارج البلاد وداخلها. اذا عدت انت رئيسا لوزراء لبنان فأرجو أن تكون باكورة أعمالك تكليف لجنة من العلماء الباحثين المتخصصين المتمتعين بسمعة عاطرة , تكليفها باجراء البحث العلمي الذي يكشف ما حل بالذين أعانتهم مؤسسة الحريري على الدرس والتحصيل وهل استطاع هؤلاء بالفعل أن يفيدوا لبنان من تحصيلهم وعلمهم واذا كان الجواب سلبيا كما هو محتمل فلماذا كان هذا ؟ هل لأنني , مثلي في ذلك مثل كل الذين حكموا لبنان منذ استقلاله , لم أغير أوضاع لبنان تغييرا جادا جذريا علميا يؤهله للاستفادة من هؤلاء ومن غيرهم من أدمغته. مصيبة لبنان الكبرى أنه كان ولا يزال يصدر من أدمغته الى الخارج أكثر مما يصدر من تفاحه وموزه , مثله في ذلك مثل معظم مؤسسات التعليم العالي العاملة في لبنان.

ولدي الغالي لبنان يختنق ويسير الى هاوية وتقف أكثرية من يتعين عليهم مساعدته متفرجة فيما تدعي الغيرة عليه ومحبته لكن هذه الأكثرية لا تفعل شيئا ملموسا بالفعل فأمراض هذا البلد الجميل الصغير الاجتماعية والاقتصادية والنفسية وو..... تتفاقم باطراد. هل يعقل يا ولدي أن لبنان لايزال يعاني منذ فترة طويلة من الزمن شح الماء والكهرباء وتفاقم التلوث في الهواء والماء أي في البر والبحر.

ولدي الغالي منذ اعدامي والله عز وجل ينظر في أمري ويقول أصحابي هنا أنني سأنتهي الى جنة الخلد ان شاء العلي العزيز لكن الحساب يا ولدي كان حتى الآن عسيرا جدا. أنتم في دار الفناء تشرفونني اذا تسمونني شهيدا لكني في دار البقاء لا زلت قيد المحاكمة. كنت أظن وجسدي بينكم أنني سأكون في عداد أهل الجنة بسرعة وسهولة بالنظر الى الخير الذي كنت أظن أنني فعلته لكنني اكتشفت أن دخول الجنان ليس سهلا.

ولدي الغالي أرجو لك التوفيق في ما ستفعله بعد قراءة هذه الرسالة. أرجو أن تعمل عقلك في أمور وطنك الثاني ( أو الأول ) كلها وأن تلازم العقلاء النبهاء لا ذوي النوايا السيئة ولا الذين لا يهمهم المكان الذي سينتهون اليه عندما ينتقلون من دار الفناء الى دار البقاء واسلم لأسرتك الصغيرة ولمن يحترمونك ويحبونك بالفعل لا بالقول والى اللقاء بعد عمر طويل.

أبوك رفيق

حاشية : اذا ترأست وزراء لبنان فنصيحتي الأبوية لك هي أن تنسى تماما أنك تحمل جنسية بلد آخر ولو كان هذا البلد يوصف بأنه عربي ومسلم.

حاشية ثانية : المحكمة الدولية الخاصة بمقتلي يا ولدي أسوأ مما كان يسمى "المحاكم المختلطة" وأكثر اذلالا وفتكا بالعدالة. لكن وظيفة المحكمتين واحدة وهي الاذلال والتعمية وتنفيذ ارادة المستعمر الذي كان فرنسيا وبريطانيا صريحا فصار اسرائيليا يحمل العلم الامريكي أو التركي أو السعودي ويدعي حرصا شديدا على " القانون" واحقاق العدالة.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018