 كتاب جديد للأمين أحمد أصفهاني:
"وراء السطور ـ ذروة الصحافة وحضيضها"
صدر قبل أيام كتاب جديد من تأليف أحمد أصفهاني، يسجل فيه جوانب من تجربته الصحافية الممتدة على عقود خمسة تقريباً بين لبنان وبريطانيا. ويمكن القول إن الفصول المنشورة تجمع في إطار واحد بعضاً من السيرة، وبعضاً من الخبرة والتجربة، وبعضاً من أسرار المهنة. عنوان الكتاب الصادر عن "دار الفرات للنشر والتوزيع" في بيروت: "وراء السطور ـ ذروة الصحافة وحضيضها". وننشر اليوم مقدمة الكتاب، على أن ننشر لاحقاً ـ بين حين وآخر ـ فصولاً من المرويات.
عرفتُ "الصحافة" باكراً جداً، منذ أن بدأتُ "فكّ الحرف" بالقراءة البدائية المصورة. فقد كان الوالد يرجع ليلاً من عمله المضني حاملاً لنا مجلة أو مجلتين من إصدارات الصور المتحركة. أقول "قراءة" في تجاوز للواقع آنذاك. مجلات الأطفال تقف بنا عند أبواب الخيال واللامعقول، حيث يكمن وراءها عالم غرائبي محبب بقدر ما هو مثير!
القراءة المصورة تعطي المفردات مضامين أوسع مما توحي به حروفها مجتمعة. الحرف يُقيّد النطق، أما الكلمة فتحلّق نحو الأسمى والأجمل. وهكذا قفز بنا العمر سنة بعد أخرى. وكان عشق الكلمات ينمو سراً ويتغلغل في وجداني، لكن يمنعني من إظهاره والاحتفاء به عاملان: عدم الثقة بقدراتي الأدبية الذاتية من جهة، وانخراطي في النشاط السياسي – الفكري بانتمائي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي من جهة أخرى.
ولعل هذا العشق الدفين هو الذي وجّه خطواتي المهنية الأولى عندما بات عليّ واجب العمل إلى جانب الدراسة لتأمين مصاريفي المعيشية. فالنشاط الحزبي يستهلك معظم وقتي، وتأتي بعده الدراسة الثانوية ثم الجامعية، فلا يتبقى سوى ساعات الليل المتأخرة أو ساعات الفجر المبكرة!
وهكذا رحت أتنقل من مطبعة إلى أخرى، من "الجمهور" إلى "الديار" إلى "المحرر". بين الخامسة والثامنة صباحاً، أو بين منتصف الليل والثالثة فجراً. وتعرّفت إلى أساليب الطباعة، من صب الرصاص إلى إعادة تدويره ألواحاً جاهزة لليوم التالي. وعندما تقاعدت ورحت أسترجع مسيرتي المهنية، تبيّن لي أنني عايشت دنيا الطباعة من عصرها الحجري (الرصاصي) إلى ثورة "الذكاء الاصطناعي"... وتبيّن لي أيضاً أن الأساليب والتقنيات تتغير بينما العنصر البشري إما ثابت لا يتزحزح أو أنه يتقدم نحو الوراء!!
في إحدى المناسبات، زار النقيب الراحل محمد البعلبكي لندن لتفقد أوضاع الصحافيين اللبنانيين "المهجّرين" بسبب الحرب الأهلية. وقد جمعتنا به دعوات عديدة، معظمها على الغداء. وكالعادة في مثل تلك اللقاءات يرتفع منسوب النفاق والتكاذب إلى درجاته العليا. وكنا، في معظم الأحيان، نبتلع على مضض ترهات الذين حولوا الصحافة إلى سلعة في سوق النخاسة طالما أنهم في عالم ونحن في عالم آخر. لكن أحدهم ومعه زوجته الصحافية أيضاً بالغا في المقارنة بين صحافة الأمس وصحافة اليوم... طبعاً لصالح مطبوعتهما.
وكما يُقال في أمثالنا الشعبية، "طلع معي حليب النور". توجهت بالكلام إلى البعلبكي الذي تربطني به معرفة حزبية سابقة، وقلت: "يا نقيب هناك فارق كبير جداً بين صحافة الأمس وصحافة اليوم. قبل عقود كانت الصحف أشبه ما تكون بغانية رائعة الجمال، يتنافس كبار القوم في خطب ودها، ويغدقون عليها الهدايا النادرة، وهي ترفل بحللها وتتسلطن بدلالها. وسعيد الحظ هو من يحظى برؤيتها، وتحلّ عليه ليلة القدر إذا ما سمحت له بمرافقتها إلى حفل عام. أما صحافة اليوم التي أسميها أنا "صحافة الفطر"، فهي أشبه ما تكون بمومسات غابة بولونيا في باريس: تدفع 50 يورو... ولك أن تضاجعها كما تشاء"!
إنها تجربة واسعة، ومع ذلك لم أنظر إلى نفسي كصحافي محترف... بل كنت دائماً القومي الاجتماعي العامل في حقل الإعلام. وما أنشره في هذا الكتاب هو قليل جداً من كثير جداً إرتأيت أن لا يرى النور لأسباب وأسباب. والمرويات التي اخترتها موثقة تماماً، أردتها نافذة يطل منها القارئ على الداخل "المقدس" في بلاط السلطة الرابعة حيث يتناسل الملائكة مع الشياطين.
وأخيراً، أنا المسؤول الوحيد عن كل كلمة كتبتها. غير أنني مدين بالشكر لثلاثة رفقاء شاركوني مخاض الولادة، فأنارت ملاحظاتهم وانتقاداتهم معالم الطريق. فإلى الأصدقاء الأحبة كميل عيد وسليم مجاعص وأسامة المهتار (بالتسلسل الأبجدي) شكري وتقديري.
فيروز وجحافل الشعب العنيد!
ما إن أطل فصل الربيع على مدينة لندن خجولاً متهاوداً، يكشح عن طريقه بقايا الشتاء البريطاني الطويل والبارد والممل، حتى بدأت الجالية اللبنانية تستعد لاستقبال المطربة الكبيرة فيروز التي ستقدم حفلة غنائية في إحدى أهم القاعات الموسيقية المشهورة في عاصمة الضباب، والمطلة على نهر التيمز من الجهة الجنوبية ويربطها بالجانب الشمالي جسر واترلو الذي يُخلد ذكرى الانتصار البريطاني الكبير على أمبراطور فرنسا نابليون بونابرت. إنها قاعة Royal Festival Hall.
نحن في العام 1986، وكانت جرائم الغزو الصهيوني للبنان سنة 1982 لا تزال حيّة في ذاكرتنا ومشاعرنا. لذلك كنا نتوقع إطلالة فيروزية مميزة للأسباب التالية: حفلات الرحابنة في الخارج لها نكهة مختلفة. الجاليات العربية المقيمة في بريطانيا تنتمي إجمالاً إلى النخب المهنية الراقية، ذلك أن سياسة اللجوء المفتوح لم تكن قد أصبحت بعد نهجاً مقبولاً لدى الحكومة البريطانية. وأخيراً أن الجالية اللبنانية على وجه التحديد آنذاك ضمّت الإعلاميين والمصرفيين والقانونيين والأطباء والأكاديميين... والأهم من كل ذلك أن صوت فيروز سيحمل المستمعين على أجنحة الشوق إلى وطن مُثخن بالجراح.
لن أُشغل القارئ العزيز بتفاصيل ما قبل الحفلة. المهم أنني لم أستطع الحضور فكانت البطاقة من نصيب زوجتي، بينما أُنيطت بي مسؤولية رعاية ولدينا (وسام أربع سنوات وربى سنة واحدة). كنتُ لا أزال مستيقظاً أمام شاشة التلفزيون عندما عادت زوجتي في وقت متأخر. تركتها لتنزع معطفها الشتوي، ثم سألتها بحشرية الصحافي عن رأيها في الحفلة. كانت تقف على أول الدرج الموصل إلى غرف نوم الأطفال، فالتفتت نحوي بنظرة متعبة وقالت: "فيروز هي فيروز الرائعة كما نعرفها ونتوقعها... أما حضور الحفلة، من لبنانيين وغير لبنانيين فمسألة فيها نظر"... ثم تابعت صعودها لتتفقد الطفلين النائمين!
أخبرتني زوجتي في صبيحة اليوم التالي أن البرنامج المُعد لفيروز ناجح، والتنظيم دقيق، والقاعة مناسبة تماماً. لكن المشكلة كانت في مكان آخر. فالذين جاءوا لسماع فيروز جاءوا أيضاً لعرض ثرواتهم الباهظة في منافسة تجلت بالسيارات الفارهة ومعاطف الفرو النادر والمجوهرات الثمينة وتسريحات الشعر الغريبة وكل لمسات التجميل من مساحيق وعطور... إلخ. ومع أن قسماً كبيراً من الحضور كانوا من ضمن المعقول، غير أن الغالبية استخدمت هذه السهرة للمبالغة في إظهار الغنى الفاحش. وأخيراً قالت لي زوجتي إن أحد أصدقائنا من الإنكليز المناصرين لقضايانا كان في الحفلة، وأثناء فترة الاستراحة جاء للسلام عليها. وخلال الحديث القصير قال لها: "لو أن هؤلاء اللبنانيين يتبرعون ولو بجزء بسيط مما عرضوه علينا الليلة لكان ذلك يكفي لإعادة إعمار لبنان بعد الغزو الصهيوني. إن هذه العقلية الاستعراضية تكشف عن خلل اجتماعي قاتل". واعترفت لي زوجتي بأنها انزعجت من كلام هذا الصديق، ليس لمضمونه السلبي بل لأنه أصاب عين الحقيقة.
... ومرّت الأيام، وتغيّرت أحوال العباد، وتبدّلت تركيبة الجالية اللبنانية في بريطانيا، وحان موعد لقاء جديد مع فيروز. كان التنظيم هذه المرّة بالتفاهم مع محطة تلفزيونية فضائية، سعودية التمويل لندنية المقر، هي MBC. ويبدو أن متعهد الحفلة في صيف العام 1994 لم يكن يهمه سوى تحقيق أكبر ربح مادي من بيع البطاقات ومن عائدات البث التلفزيوني. لذلك اختار قاعة "الأولمبيا" في لندن لأنها تتسع لآلاف الحضور. وقد فاته في هذا الاختيار العامل الأساسي لنجاح فيروز، أو غيرها، وهو أن القاعة الوسيعة التي تستضيف معارض السيارات ومباريات الملاكمة، غير مناسبة للفعاليات الموسيقية أو الغنائية.
ومن خلال موقعي الصحافي، وصلتني أخبار الحفلة قبل أسابيع عدة، فشعرت بالقلق من طبيعة قاعة "الأولمبيا". هاتفت زميلنا في بيروت عبده وازن الذي تربطه علاقة معرفة بفيروز ورجوته أن يلفت نظر المعنيين إلى أن القاعة في لندن غير صالحة على الإطلاق. ولست أدري ما الذي حدث بعد ذلك، ولكن لم يؤخذ بتحذيري، بل عمد المتعهد إلى فرض أسعار باهظة تتجاوز القدرة الشرائية للمواطن العادي، إلى أن تبيّن له قبل ثلاثة أيام من الموعد أن مبيعات البطاقات هزيلة، فاضطر إلى تخفيضها بنسبة خمسين في المائة تقريباً. كما أطلق عرضاً تشجيعياً يقدم بطاقة مجانية مع كل بطاقة مدفوعة ولو بالسعر المخفّض الجديد.
ذهبت زوجتي إلى حفلة اليوم الأول، في حين كان دوري في الليلة الثانية. ومن سوء الحظ أن حفلة اليوم الثاني كانت مخصصة أيضاً للتسجيل التلفزيوني... وهنا الطامة الكبرى. ذكرتُ قبل قليل أن القاعة غير صالحة، ولذلك أقدم المتعهد على تركيب مدرجات لجلوس الحضور بطريقة عشوائية. ونظراً إلى أن المبيعات لم تصل إلى العدد المطلوب، فقد ظهرت فراغات بشعة في منتصف القاعة. وبما أن حقوق التصوير التلفزيوني تتطلب وجود "حشد جماهيري" في مواجهة الكاميرات، فقد اعتلى هذا المتعهد خشبة المسرح وطلب من الجالسين في الجناحين ترك مقاعدهم والانتقال إلى القسم الأمامي!
ولا شك في أن هذا الأجراء سليم من الناحية التقنية، لولا أنه نُفذ قبل حوالي أربعين دقيقة من انطلاق الحفلة، وكان الجمهور لا يزال في الطريق إلى القاعة. فما أن سمع "سكان" الجناحين المنعزلين بدعوة المتعهد حتى دبت فوضى التسارع والتزاحم والتدافش والتنازع لاحتلال مقاعد الصدارة أمام الكاميرات التلفزيونية. وما كادت هذه الضجة تهدأ قليلاً حتى اندلعت مشاحنات ومناوشات بين "المحتلين الجدد" وبين أشخاص حجزوا مسبقاً تلك المقاعد، وعندما وصلوا لاتخاذ أماكنهم وجدوا أخرين يرفضون إخلاء ما يعتبرونه "حقاً" لهم بناء على دعوة المتعهد. و"فلت" زمام الأمور، وتأخرت الحفلة... وأعتقد أن فيروز اختصرت برنامجها إلى الحد الأدنى.
ولم أستطع تجاهل هذه المشاهد، وغيرها من الممارسات البشعة التي تسيء إلى صورتنا في الخارج. فكتبت مقالاً قاسياً بعنوان "فيروز... وجحافل الشعب العنيد" نشرته في جريدة "الحياة" التي كنت أعمل فيها بتاريخ 20 آذار 1994. وهنا نص المقال:
لغيري أن يكتب تقويماً فنياً لحفلتي فيروز الغنائيتين في قاعة "الأولمبيا"، في لندن قبل أسبوع، ولغيري أن يعرض الثغرات المتنوعة التي اعتورت التنظيم من اختيار القاعة... وحتى الإعلان عن تخفيض الأسعار قبل موعد الحفلة بأربع وعشرين ساعة فقط. أما أنا فأريد أن أتعاطى مع جحافل "الشعب العنيد" التي زحفت لمشاهدة فيروز وسماع أغانيها!
وتعبير "الشعب العنيد"، كما تعلمون مأخوذ من إحدى أغنيات فيروز (لبنان الكرامة والشعب العنيد)، واستخدمه زياد الرحباني (ابن فيروز) عنواناً لواحدة من مسرحياته أثارت ضجة هي الأخرى (بخصوص الكرامة والشعب العنيد). ولا نظن إلا أن اختيار زياد لهذا التعبير كان من موقع السخرية والاستهزاء... و"المرقعة" على الطريقة اللبنانية.
جحافل "الشعب العنيد" الهابطة على الأولمبيا، كانت مطعّمة بأفراد من جنسيات عربية أخرى، ومعها أعداد من أجانب شاءت أقدارهم أن يكونوا متزوجين من أبناء وبنات ذلك الشعب. كلهم توجهوا إلى تلك القاعة اللندنية الشاسعة علهم يسترجعون بعضاً من ماض قريب تكاد الغربة أن تبعدهم عنه نهائياً... أو هكذا نتوقع ونحلم على الأقل.
وليست هذه المرة الأولى التي تزحف "الجحافل" إلى حفلات ومناسبات فنية عربية تقام بين الحين والآخر في لندن على مستوى واسع. في منتصف الثمانينات جاءت فيروز أيضاً، وقبل ذلك في مطلع الثمانينات أطلت فرقة كركلا التي كررت التجربة مرّة أخرى قبل حوالي السنة. فيروز تغيّرت وفرقة کرکلا تغيّرت طبعاً... لكن جحافل "الشعب العنيد" لم تتزحزح قيد أنملة عن عاداتها وتقاليدها المتوارثة، على الرغم من أن جموعها ازدادت بفعل الهجرة المتسارعة في النصف الثاني من الثمانينات ومطلع التسعينات التي نحن فيها.
يتوقع الواحد منا، بعد سنوات من العيش في لندن والاحتكاك مع ناسها وعاداتها (الجميلة فقط)، أن الجحافل التي نتحدث عنها باتت قادرة على اكتساب أنماط تصرف ضرورية جداً، خصوصاً في ما يتعلق بالنشاطات الفنية والثقافية، على اعتبار أن مدنية شعب ما تظهر - أكثر ما تظهر - في تعاطيه مع الفنون وتقديره للمبدعين في حقولها المختلفة.
ندخل إلى مسرحية بريطانية أو حفل موسيقي فنجد أن الناس اتخذوا مقاعدهم في الموعد المحدد تماماً، بعد ذلك تقفل الأبواب ويمنع المتأخرون من الدخول إلا عند الاستراحة. وقلة نادرة جداً هي التي تتأخر، أما المتواجدون فلا يغادر أحد منهم مقعده إلا في حال المرض الشديد... أو الإسهال الذي لا سيطرة عليه.
والملفت للنظر أن أفراد "الشعب العنيد"، الذين يحضرون هكذا نشاطات، يلتزمون تماماً بالتقاليد هذه من دون تذمر أو شكوى!
ترى لماذا يتغيّر تصرف هؤلاء - وغيرهم - عندما يتعلق الأمر بحفلة عربية؟
منظمو حفلة فيروز أعلنوا أن الأبواب تفتح الساعة السابعة والنصف والبرنامج يبدأ الساعة الثامنة والنصف. فما هي الضرورات الملحة إذن التي تجبر قسماً كبيراً من أبناء "الشعب العنيد" على التشريف إلى القاعة بعد الساعة الثامنة والنصف... ودقيقة؟ بل بأي حق تقف هذه الجحافل تتسامر عند المقهى المجاور متجاهلة دعوات المنظمين إلى اتخاذ المقاعد لأن الحفلة على وشك الانطلاق؟ وما هو الحديث المهم الذي لا ينقطع قبل الحفلة وخلالها وبعدها بين أناس يمضون أكثر ساعات النهار مع بعضهم؟
بدأت الحفلة أخيراً، ومع ذلك حركة السير داخل القاعة لم تنقطع. المتأخرون ما زالوا يتوافدون وهم يبحثون عن مقاعدهم في عتمة الصالة وزحمة الجالسين! هذه فهمناها، وبلعناها، ولكن ماذا عن أولئك الذين يحزكون ويمزكون من دون غاية واضحة؟ واحدة كل جمالها معطف من الفرو ربما كانت استعارته من إحدى جاراتها، عبرت ممرات القاعة عشرات المرات وكأنها عارضة في مناسبة لتقديم الأزياء، وبين الحين والآخر تتوقف متلفتة لعلها تلحظ إحدى صويحباتها لتعرف مدى تأثير المعطف عليها وعلى من معها وعلى من حولها أيضاً.
وأخبركم عن واحد محترم، أو هكذا يوحي الطقم الأنيق الذي يخفيه نصف إخفاء تحت المعطف الباريسي الباهظ الثمن، إذ إنني حتى الآن لم أفهم سبب خروجه من مقعده أكثر من خمس مرات قبل الاستراحة وحوالي الثلاث مرات بعدها؟ لعله مرض الإسهال، لكن ألم يكن من الأفضل لو أنه ظل في المرحاض حتى ينهي كل واجباته الملحة قبل أن يعود مجدداً ليزعج أكثر من عشرين شخصاً شاء حظهم السيئ - أو الكومبيوتر الملعون - أن يكونوا إلى جواره في صف المقاعد نفسه!
واحد آخر من الطينة نفسها جاء إلى السهرة ومعه هاتفه النقال. قلنا لعله الطبيب النطاسي الذي لا تستغني عنه مستشفيات لندن، أو أنه يحمل الأرقام السرية للدفاع النووي البريطاني، أو أن بورصة هونغ كونغ في المقلب الثاني من الأرض لا تفتتح نهارها إلا وفق تعليماته. رن هاتفه في عز الحشرة الغنائية: لم يكن أحد يحتضر، وروسيا لم تشن حرباً ضد بريطانيا، والأسواق العالمية لم تتعرض ليوم أسود جديد... إنه حديث ودي سخيف بين اثنين من "الجحافل" واحد في بيته ربما، والآخر بين مئات الأشخاص المفترض أنهم اجتمعوا لسماع فيروز، وليس لمعرفة كيف سيمضي صاحبنا يوم الأحد إذا كان الطقس مشمساً!
وماذا عن تلك السيدة الأربعينية التي وقفت في مقعدها عشرات المرات تتلفت يمنة ويسرة، إلى الأمام وإلى الخلف، قبل أن تعود إلى الجلوس... لتعيد الكرّة بعد دقائق معدودات؟ بعضهم فسّر هذه الظاهرة بأن المقعد البلاستيكي لا يرأف بخلفيتها الرقيقة، لكن كان هناك مئات السيدات الأخريات اللواتي لم يتأثرن بصلابة المقاعد! تفسيري أنها كانت تعرض نفسها: تتطلع إلى اليمين واليسار لتعرف من هم الذين في مستواها، وتتطلع إلى الأمام بشعور الحسد لمن تعتقد أنهم يتجاوزونها قيمة ومادة، وتنظر بشماتة إلى الوراء لعلمها أن الجالسين هناك دون مستواها الرفيع جداً...
ويقطع علينا حبل التفكير مجيء سيدة وصلت قبل الساعة التاسعة والنصف بثوان. وبدلاً من أن تستتر وتسرع هرولة إلى مقعدها أو إلى أي مقعد متوفر لها، إذ بها "تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل" - بالإذن من الأعشى - تتمختر وتتغندر وكأن الدنيا كلها بين يديها، وتلتفت يمنة ويسرة (إنها أفضل من السيدة الأربعينية أعلاه لأنها لم تضيّع وقتها في الالتفات إلى الأمام والوراء). وفجأة، يا للهول، تلمح واحدة أخرى تعرفها. ويلعلع صوتان نسائيان زاعقان (لا تنسوا أن الفرقة الموسيقية تعزف وفيروز تغني): هاي كيفيك؟ وين كنت لهلق؟ كومون سافا (أي "كيفيك" بالفرنسية أو "هاو آر يو" بالإنكليزية) تعي قعدي. بعدين برجع. صرلو زمان مبلش؟ وينا سميرة؟ محلها بعيد كثير. هلق منشوفك بالقهوة. أتوت ألور (أي "حتى نلتقي" بالفرنسية أو "سي يو" بالإنكليزية). كل ذلك وفيروز تنشد خذني على بلادي!
ومَنْ يخبر ذينك الزوجين الجالسين عند طرف الصف أننا جئنا لنسمع فيروز فقط لا غير، وعند الضرورة الفرقة المرافقة لها؟ كيف نقنعهما بأنهما لا يصلحان للغناء، وأن الكلمات التي يرددانها ليست هي نفسها كلمات فيروز، وأن النغم في صوتيهما نشاز في نشاز؟ وماذا عن ذلك الذي هزته حماسة أغنية "عنطورة" فوقف في مقعده حاملاً مسبحة من الفضة ملولحاً بها في الفضاء بحيث كادت تنفرط حباتها فوق رؤوس الناس الذين فوجئوا به يشخر وينخر، ويخبط ويلبط في حركات كان يعتقدها دبكة لبنانية، إلا أن جاره القريب - على مضض شديد - لم يرها كذلك بعد أن اضطر إلى تضميد قدميه الاثنتين قبل أن تنتهي "هوجة" صاحبنا المتحمس.
ولا أحد يعرف كيف وقعت الطامة الكبرى. مجموعة من "الشعب العنيد" احتلت عدداً من الصفوف الأمامية بعد الساعة الثامنة والنصف طبعاً (نذكركم بأن موعد بدء الحفلة كان عند الساعة الثامنة والنصف تماماً). وما هي إلا دقائق معدودات (حوالي عشر دقائق) حتى وصلت مجموعة ثانية من "الشعب العنيد" لتطالب بالمقاعد نفسها. ودار حوار ساخن بين الطرفين، تدخّل فيه المنظم والمتعهد والمدير والحرس والمشرفون على النظام من دون جدوى. كل ذلك يجري والفرقة الموسيقية تنتظر انتهاء معمعة هؤلاء كي تبدأ العزف... فتطل فيروز. لا أحد يدري أين الخلل، أهو الكومبيوتر الذي أصدر بطاقات بالمقاعد نفسها مرتين، أم أن إحدى المجموعتين "لطشت" مقاعد كانت تظنها شاغرة سائبة؟
وبغض النظر عن الخلل والمسؤولية المتعلقة به، أصرّت مجموعات "الشعب العنيد" على عنادها (في بعض لهجاتنا المحلية نقول تيسنتها نسبة إلى التيس الذي هو أحد أعند أنواع الحيوانات غير الناطقة). وفشلت المحاولات، وظل ألوف الحضور ينتظرون حوالي الساعة ريثما تتم تسوية الموضوع. ولم تكن المفاوضات تجري على سلام، بل رافقتها التهديدات والعنتريات والتشبيحات التي لم يعرف الحراس الإنكليز كيف يتعاملون معها. وأعترف هنا أنني في تلك اللحظة اشتهيت أن أرى قبعة شرطي من بلادنا. حزامه، هراوته، عقب بندقيته، بل وجزمته حتى... إذ إنه الوحيد القادر على معالجة الرؤوس المعاندة وإقناعها بالأساليب "الديموقراطية" التي لا تفهم سواها!
هكذا هي الحرية عندما يمارسها نسل العبيد، كما يسميهم الشاعر الراحل خليل حاوي.
ونسل العبيد هؤلاء لم يعرفوا الحرية الحقة، ولم يفهموها، ولم يمارسوها، ولم يتأثروا بها في المجتمعات التي تقوم على أساسها كما في بريطانيا. أوليس حقاً القول: "إن لم تكونوا أحراراً من أمة حرة فحريات الأمم عار عليكم"؟
بعض جماعات "الشعب العنيد" يمارس الحرية وهو يرفل بقيود العبيد. يحمل سلاسله جيلاً بعد جيل، ومن منطقة إلى أخرى. يتعبه رنينها مرات فلا يتخلص منها بل يغيّر نوع المعدن المصنوعة منه.... فيألف أنغامها الجديدة. إنهم عبيد يتناسلون عبيداً، سواء كانت الولادة طبيعية أو قيصرية أو في الأنابيب. دائماً هناك نسل عبيد باتت حياة الذل تحميه من أمراض الحرية المعدية!
أثار المقال ضجة يومها، وتلقيت تعليقات تراوحت بين التأييد والتنديد. قارئة من باريس شكرتني على النقد الساخر لكن الواقعي. وقارئ من لندن فسّر موقفي السلبي من اللبنانيين بكوني "إيراني" كما يكشف اسمي!!
*
قصة لص لا يستحي
اعتمدت غالبية الصحف العربية الصادرة في أوروبا طريقة الاستكتاب بالقطعة، أي الاتفاق مع كتاب وصحافيين من بلدان مختلفة لتزويدها بمقالات تغطي مواضيع متنوعة مقابل مبالغ متفق عليها تُدفع ثمن كل مقال. وهكذا يكون الشخص المُستكتَب حراً في التعامل مع أية جهة أخرى، وربما يكون موظفاً في عمل آخر. أما المطبوعة فتحصل على مساهمات متعددة من دون أن تلتزم بالتوظيف الذي يستوجب نفقات باهظة. ويوجد صنفان من المساهمين المستقلين: الأول هو الذي يكتب زاوية دورية كل أسبوع. والثاني يتمثل بالمُساهم العرضي الذي تُقبل مقالاته حسب نوعيتها وحاجة المطبوعة لها، ولكن ليست له زاوية دورية ثابتة.
وإذا أخذنا جريدة "الحياة" مثالاً، فإن غالبية صفحاتها تقوم على الاستكتابات الخارجية، خصوصاً في الأقسام غير الحدثية التي لا تتأثر كثيراً بعامل الوقت. بل أن صفحات الثقافة والرأي والأفكار والتراث والمنوعات... وغيرها تعتمد كلياً على المساهمات من خارج أسرة التحرير. وفي مرحلة لاحقة، أضيفت إلى الجريدة ملاحق أسبوعية متخصصة، كل يوم ملحق مختلف مثل "آفاق" للثقافة، و"تيارات" للتحليل السياسي، و"مجتمع" للأسرة والمرأة... إلخ. وكنت حينذاك مشرفاً على القسم الثاني غير السياسي، وتعاونت مع الرفيق مصطفى زين في تحرير ملحق "آفاق". وهذا ما جعلني على تماس يومي بعشرات المستكتبين. وتوجب عليّ في أحيان كثيرة معالجة المشاكل والإشكالات مع هؤلاء الزملاء ابتداء من الاتفاق على مواضيع مقبولة للنشر... وانتهاء بملاحقة تأخر الإدارة في لندن أو بيروت بدفع المستحقات في أوقاتها المقررة.
ولكي ندرك حجم المسؤولية التحريرية الملقاة عليَ وتعقيداتها، أشير إلى أن الصفحات غير الحدثية في "الحياة" تحتاج إلى أكثر من ثلاثين مقالاً في اليوم. بعضها يأتينا بمبادرة خاصة من صاحبها، ويُترك لنا قرار القبول أو الرفض. وبعضها الآخر يكون بموجب اتفاق مسبق مع الكاتب. وفي جميع الأحوال، علينا أن نحرر المادة الصحافية لجعلها صالحة للنشر، ومتناسقة مع أسلوب الجريدة في الكتابة، ومنسجمة مع سياسات أصحاب "الحياة"... وهذا هو الأهم! أما الصعوبة الكبرى فهي كيفية التأكد من أن المادة أصلية، أي أنها من إنتاج الشخص الذي أرسلها وليست "مستعارة" من مصادر أخرى نجهلها. وكم من مرّة نشرنا مقالاً لأحدهم، فيأتينا من يقول إن النص "مسروق". وعندما نعاتب الجاني، يكون الرد جاهزاً: "مجرد تناص"!
من المستحيل على أي محرر أن يتأكد من مصداقية المُستكتبين، خصوصاً في زمن الإنترنت الذي جعل الثقافة والفكر مشاعاً لكل الناس. ضمانتنا تأتي من معرفتنا وعلاقتنا بالذين نتعامل معهم، وكذلك من عوامل الثقة المهنية. يُضاف إلى ذلك طبعاً دراية رئيس القسم ودقة نظره في تقييم الأساليب المتبعة... ومع ذلك، وقعنا في العديد من المطبات: لم تكن فاقعة إلى حد إثارة الفضيحة، ولم تكن مقبولة بحيث نسكت عليها. فكنا نوقف التعاون مع "المرتكبين" من دون ضجيج أو تشهير.
وما كنتُ أتوقع، من موقعي كمسؤول عن التحرير، أن أصبح أنا ضحية لعملية سرقة موصوفة أقدم عليها شخص كانت تربطنا به معرفة سطحية عابرة في بيروت خلال عقد السبعينات من القرن الماضي. فقد "استعار" هذا "الكاتب" دراسة لي صادرة قبل سنوات، وأعاد نشرها في مجلة "الناقد" اللندنية الشهرية تحت اسمه. وعندما فاتحت زميلنا رياض نجيب الريّس رئيس تحرير "الناقد" بالأمر، ووضعت أمامه النص الأصلي والنص المسروق، انفجر بسلسلة شتائم من النوع الثقيل. ثم طلب مني، بعد هدوء عاصفة الغضب، أن أفضح السارق بمقال يُنشر في العدد التالي من المجلة. فكتبتُ صفحة واحدة بعنوان "قصة لص"، نشرتها "الناقد" في عددها الخامس عشر، تاريخ أيلول 1989.
"قصة لص"
"إنه صباح رائع". هكذا هتف الكهل الإنكليزي وهو يحادث جارته الحسناء التي ارتدت في ذلك الصباح البديع الصيف البريطاني كله: قصيراً وحاراً. كانت أنظار الجميع تتراقص بين ساعة محطة القطار وبين فصل الصيف النادر الذي يتخايل الآن على أجساد المنتظرات في المحطة.
ومن حسن حظي، ربما، أن زحمة الركاب لم تترك لي مجالاً لحشر نفسي في العربة التي احتضنت تلك الحسناء الربيعية. وفي خضم الصحف الصباحية المتنوعة بين أيدي الناس وقوفاً وجلوساً، كان لا بد لي من مجاراة الجميع في القراءة... كالعادة في كل صباح.
كان العدد العاشر من "الناقد" الصادر في نيسان الماضي، يسكن في حقيبتي إلى جانب التفاحة الذهبية التي تشكل جانباً من الريجيم اليومي بعدما بدأت السمنة تتسلل إلى الجسم. فزوجتي حريصة على نوعي الغذاء: "الناقد" للفكر والتفاحة للرشاقة.
يصعب على المسافر في القطار أن يستكمل، في خلال الدقائق الأربعين التي تستغرقها رحلتي من البيت إلى المكتب، قراءة كل مواضيع "الناقد". بل المطلوب أولاً التصفح السريع، ثم العودة المتأنية إليها في هدأة الليل أو في أيام العطل. غير أن شيئاً ما في العدد العاشر جعلني أقف عنده وأعيد قراءته مرة واثنتين... إلخ.
في الصفحة 69، ورد مقال بقلم هشام عزيزات، وهو "كاتب من الأردن سيصدر له قريباً كتاب بعنوان (حنا مينة: الرواية والمرأة والقضية القومية)". وما استوقفني فيه، أولاً، عنوانه "بيان سياسي لتحرير النقد". للحظات هيئ إليّ أنني أعرف هذا العنوان من قبل. لكنني سرعان ما استبعدت هذه الفكرة على اعتبار أن ألوفاً وعشرات الألوف من المقالات والدراسات والأبحاث مرّت عليّ خلال عملي الصحافي الذي بلغ تسع عشرة سنة بالتمام والكمال. ولعل هذا العنوان ـ وهو أمر جائز الحصول في الكتابة الصحافية ـ قد مرّ عليّ من قبل!
غير أن الفضول دفعني إلى القراءة المتأنية، ولو في القطار! وشيئاً فشيئاً، أخذ يتولد عندي شعور بأنني أعرف هذا المقال. والذاكرة، عندما تتحرك، تنطلق في العمل ضمن ميكانيكيتها الخاصة من دون أي فعل إرادي منا. فالمقال يبدو مألوفاً جداً: هذه العبارة كان يمكن أن أكتبها بنفسي. وتلك الفكرة صحيحة، ولطالما عبّرت عنها كتابة وشفاهاً. وذاك الأسلوب قريب إلى حد التطابق من أسلوبي الشخصي... ومع ذلك، ظل الاعتقاد بالمصادفة وتوارد الأفكار مسيطراً على تفكيري.
وفجأة، بينما كان القطار يتهادى ببطء إلى محطته الأخيرة والركاب يسرعون للخروج منه، انفتحت في جدار ذاكرتي بوابة مشرعة أعادتني على الفور إلى مطلع العام 1979 في بيروت، وبالتحديد في شارع الحمراء حيث كانت توجد مجلة "فكر"، الفكرية، العلمية، الثقافية.
أجل، المقال الذي نشرته "الناقد" في عددها العاشر للمدعو هشام عزيزات "الكاتب من الأردن"، هو نفسه المقال المنشور في العدد المزدوج 27 و28 من مجلة "فكر" تاريخ كانون الأول وكانون الثاني 1979 تحت اسم أحمد أصفهاني.
طبعاً هناك فروقات بين المقالين: نسخة عزيزات غيّرت العنوان إلى "بيان سياسي لتحرير النقد"، بينما نسخة أصفهاني كانت "بيان سياسي لتحرير الأدب". نسخة عزيزات حذفت حوالي ستة أو سبعة مقاطع من النص حسب نسخة أصفهاني لضرورات الحجم فقط، غير أنها أضافت مقطعين جديدين ضمنتهما إشارات إلى الشأن الإسلامي على اعتبار أنه من متطلبات المرحلة. وفي حين أن نسخة أصفهاني تقول: "إن الناقدين يعتمدان المنهجية الماركسية في التحليل والنقد"، فإن نسخة عزيزات "طوّرت" النص إلى "أن الناقدين يدعيان أنهما يعتمدان...".
والطريف أن عزيزات حافظ في "نصه" على تعابير لا يستعملها إلا المؤمنون بالفكر القومي الاجتماعي مثال: سورية (الشام) تفريقاً لها عن الأمة السورية، أو "أدب الحياة" مقارنة بتعبير "أدب الكتب"... إلخ. لكن يجب الاعتراف بأن عزيزات "أحسن" إلى نسخة أصفهاني عندما صحح العبارة التالية: "... قصصه التي بمعظمها طلاب وموظفين ومثقفين"، فجعلها ـ مُحقاً ـ على الشكل التالي: "شخصيات قصصه التي هي في معظمها طلاب وموظفون ومثقفون".
وبين حين وآخر، كان عزيزات يزرع "النص الأصفهاني" بعبارات إضافية مثال "بطل الهزيمة العربية بامتياز"، و"مكتسبات المرحلة القومية بامتياز"، و"نظرية نقدية جديدة ويائسة أيضاً، ولكن بامتياز".
لست أدري في أية محطة ترجلت تلك الإنكليزية الحسناء ذات الرداء الصيفي الحار. لعل ركاب القطار راقبوها إلى أن غابت في أحد الأنفاق الثعبانية التي تربط شوارع لندن بعضها بعضاً. أما أنا فكنت أتأمل كيف تقع مجلات راقية محترمة كـ"الناقد" ـ كونها تؤمن بالثقة المهنية وتمارسها ـ ضحية لصوص الفكر والأدب القادرين على السرقة والقنص، كما هشام عزيزات، "بامتياز ممتاز جداً جداً جداً...". (انتهى المقال).
بعد أيام على صدور هذا العدد من "الناقد"، تلقى رياض الريّس اتصالاً هاتفياً من عزيزات. كان يريد أن يوضح "حقيقة سوء الفهم"! بدأ بالقول إنه كان يدرس في بيروت مطلع السبعينات، حيث تعرّف إلى أحمد أصفهاني عن طريق أحد الأصدقاء الأردنيين. وسرعان ما تشكلت "شلة" من المثقفين والإعلاميين ذوي التوجه القومي الاجتماعي، كانت تلتقي يومياً في مقهى "الهورس شو" بشارع الحمراء. وغالباً ما كانت تدور بين هؤلاء "الأصدقاء" نقاشات سياسية وأدبية وفكرية على مستوى رفيع يشارك فيها جميع الحاضرين على قدم المساواة. وحدث ذات مرّة أن دار الحوار دار حول المنهج الماركسي في النقد الأدبي، حيث أدلى كل واحد منا بأفكاره. وتجسّدت حصيلة تلك الجلسة بالموضوع الذي وجد طريقه إلى النشر في مجلة "فكر" سنة 1979 وكتبه أحمد أصفهاني، ثم في مجلة "الناقد" سنة 1989 وكتبه هشام عزيزات! وختم صاحبنا "الكاتب من الأردن" توضيحاته وتبريراته بالإصرار على أنه لم يسرق النص، وإنما كان يسترجع مناقشات مقهى "الهورس شو" التي يعتبرها "ملكاً عاماً"!
كان رياض الريس ينقل إليّ هذا الكلام وهو يلوك بعصبية سيجاراً كوبياً فاخراً. ولمّا وصل إلى عبارة "ملكاً عاماً"، أطلق ضحكة ساخرة وقال لي: "عند هذا الحد لم أستطع التحمل أكثر. كنت حتى ذلك الوقت متمالكاً أعصابي، أحاول جاهداً تجنّب الانفعال ريثما أعرف إلى أين سيصل هذا الرجل. لكن أن يعطيني مبررات لا يقبلها عقل فأمر مرفوض تماماً. لذلك قلت له: هل يُعقل أن تكون قادراً على "تذكر" ما دار في "الهورس شو"، فتنشر مقالاً بعد عشر سنوات على مقال أصفهاني؟ وهل يمكن أن يأتي "الملك العام" في أكثر من عشر صفحات، فتسترجعه حرفياً بعد مرور عقد كامل على المقال الأول؟ أنت تريد أن تستغبيني بمثل هذه الأعذار... وتعليقي الوحيد على ما قرأت وسمعت هو أنك لص"!
الغريب أن هشام عزيزات لم يتصل بي، ولم يُرسل لي أية ملاحظة مع المعارف المشتركين. كما أنه لم يعتذر، لا من مجلة "الناقد"... ولا مني أنا!
وقد تبيّن لي بعد سنوات من الخبرة المهنية أن "السرقات الأدبية"، التي يسمونها "التناص"، منتشرة على نطاق واسع في الغرب كما في الشرق. ويبدو لي أن "لصوص الأدب" أقنعوا أنفسهم بأن ما يقومون به ليس جريمة طالما أن أحداً معنياً لا يكشف الغطاء عن المواد المسروقة! وزادت نسبة الصفاقة والجرأة عشرات الأضعاف عند هؤلاء بعدما فتحت شبكة الإنترنت الفضاء المعرفي على كل الأصعدة، وبكل اللغات التي يمكن ترجمتها بكبسة زر بسيطة.
كنت قد أشرت في الفصل الثالث إلى دراسة عن الأرقام العربية نشرتُها في مجلة "البناء" على سبع حلقات بين 3 أيلول و29 تشرين الأول سنة 1977. ولقيتْ الدراسة على بساطتها قبولاً لدى القراء، فقررت جمع المواد اللازمة وقراءة المراجع المختلفة من أجل تطوير النص في المستقبل. ومع أن المعلومات التي تضمها الدراسة باتت قديمة نسبياً، إلا أن هذا لم يردع أحد "الزملاء" عن وضع يده على الحلقات السبع ليستخرج منها مقالاً مشذباً مختصراً مليئاً بالهفوات والأخطاء، نشره في مجلة "البناء" العدد 818، تاريخ 19 نيسان سنة 1997.
لم أنزعج كثيراً عندما وقفتُ على هذه السرقة الموصوفة، فهذه عادة منتشرة باتت مقبولة تحت شعار "التناص"! لكنني لم أستطع السكوت عن مسألة أخرى مرتبطة بعلاقتي مع "البناء". ذلك أنني كنت أقدم من لندن مقالات أسبوعية للمجلة، كما لو أنني أحد أفراد أسرة التحرير. وتوقعت من إدارة التحرير أن تتصل بي لوضعي في الصورة قبل نشر النص المشوه، ففي تلك الحالة كنت سأزود "الزميل السارق" بكثير من المصادر والمعلومات التي جمعتها خلال العشرين سنة الفاصلة بين سلسلة مقالاتي سنة 1977 والنص الممسوخ سنة 1997. ولكن رب ضارة نافعة، إذ واصلت جمع المراجع لتأليف كتاب "الأرقام في مهب الإيديولوجيا".
*
كتاب جديد للرفيق سليم مجاعص
عن سعاده والمسألة الدينية
صدر للرفيق الدكتور سليم مجاعص كتاب جديد بعنوان "أنطون سعاده والمسألة الدينية ـ وضوح القصد وتهافت التأويل"، عن "دار الفرات للتوزيع والنشر" في بيروت. ولهذا العمل أهمية خاصة على مستويين: أولاً، أسلوب ومنهج جمع تراث سعاده في المرحلة الأولى. وثانياً، التدخل في مضمون مقالات ما أصبح يُعرف في كتابات سعاده بـ"الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية".
يبحر هذا الكتاب في رحلة نقدية وتوثيقية لاستكشاف جوهر النظرة العلمانية السعادية بعيداً عن التشوهات التي طالت تراثه الفكري، وخاصة كتاب "الإسلام في رسالتيه". ويكشف الدكتور مجاعص، من خلال مراجعة تاريخية دقيقة لنصوص "الزوبعة" الأصلية المقارنة بالطبعات المعدلة التي صدرت بعد اغتيال الزعيم، كيف أن تلك التعديلات قد بترت السياق التاريخي والجدلي لبحوث سعاده، وأفقدت موقفه من المسألة الدينية الكثير من عمقه الفلسفي وجذريته النقدية، محولة إياه من مشروع علماني تكاملي إلى ما يشبه الاجتهاد التوفيقي بين الأديان.
وإذ يصحح الكتاب السياق التأويلي لبحوث "جنون الخلود" الأصلية، فإنه يعيد بناء خصائص "العلمانية القومية" كمنظومة متكاملة ومتضافرة لا تكتفي بالفصل الإداري بين الدين والدولة، بل تمتد لتشمل وحدة الشرع المدني، وإخضاع المحتوى التربوي لرقابة الدولة، وتحرير المرأة كبعد بنيوي، وحماية السيادة القومية من "الأممية الدينية" والاستغلال الجيوسياسي للولاءات الطائفية. ويضع الكتاب هذا الطرح السعادي في ميزان المقارنة مع أبرز التجارب العلمانية العالمية مبيناً أصالتها الفكرية وشمولها الذي يسبق عصره.
يُبرز الكتاب كيف أن تشخيص سعاده للمسألة الدينية يحمل قوة تفسيرية وعلاجية فائقة الراهنية أمام واقع المشرق العربي المعاصر الذي يزداد تشرذماً طائفياً وسياسياً. إن العلمانية القومية تفرض نفسها ليس فقط كتشخيص تاريخي أصيل لعلة الفتنة الطائفية، بل كشرط لا غنى عنه لبناء مواطنة مدنية كاملة وتحصين الدولة القومية من اختراقات "الأممية الدينية" ونماذجها النقيضة التي تحول الطوائف إلى أدوات لصالح قوى عابرة للحدود.
|