إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

حدود القوة الأميركية وإحتمال تراجعها في العقد المقبل

أحمد اصفهاني

نسخة للطباعة 2010-08-25

إقرأ ايضاً


محاضرة بدعوة من الملتقى الثقافي العربي في بريطانيا بتاريخ 7 أيار 2010

عشر سنوات مرّت على إحتفال العالم كله بالألفية الثانية. عشر سنوات مليئة بالمتغيرات الجذرية في السياسة والإقتصاد والأفكار. يومها كانت الولايات المتحدة الأميركية الأقوى سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً، واعتماداً على ذلك شعر قادتها بأن نمط التفكير الأميركي ومنظومة القيم الأميركية يجب ان تسود المجتمعات كافة. كيف لا، وقد كان النموذج الإشتراكي الشيوعي ممثلاُ بالإتحاد السوفياتي قد إنتقل إلى ذمة التاريخ مع إنهيار جدار برلين سنة 1989 وتفكك الكتلة الإشتراكية في أوروبا الشرقية بعد نصف قرن من الحرب الباردة بين المعسكرين.

بعض مرتكز الأبحاث النافذة في واشنطن وصل الى حد الحديث عن ان القرن الحادي والعشرين هو بالفعل "القرن الأميركي". وكان المروجون لهذا المفهوم الجديد يعتقدون بأن العالم دخل مرحلة الأحادية القطبية مقارنة بالثنائية القطبية التي سادت النصف الثاني من القرن العشرين، أي منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية سنة 1945 وصولاً الى إنهيار الإتحاد السوفياتي سنة 1991. أما إذا احتاجت الولايات المتحدة الى حليف يساندها في ترسيخ أحاديتها، فهناك الإتحاد الأوروبي المتوسع شرقاً الى حدود روسيا، وهناك أيضاً الحلف الأطلسي القادر على وضع بنيته العسكرية في خدمة الأهداف الأميركية.

ولست أدري إذا كان هذا المفهوم الجديد هو الذي أوصل "المحافظين الجدد" في الولايات المتحدة الى القيادة، أم ان "المحافظين الجدد" هؤلاء هم الذين روجوا لهذا المفهوم وجعلوه عقيدة أساسية لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الإبن الذي فاز في إنتخابات العام 2000 وتولى منصبه مطلع العام 2001. ومهما يكن، فإن منهجاً أميركياً مختلفاً أطل على الناس يقوم على إيمان هذه الإدارة بحق واشنطن في إعادة صياغة العالم وفق رؤيتها الذاتية المتناغمة مع مصالحها.

وجاءت الفرصة الذهبية في 11 أيلول 2001 عندما تعرضت نيويورك وواشنطن لعمليات إرهابية مختلفة تماماً عما عهدناه سابقاً. علماً بأن عملاً إرهابياً آخر على مستوى كبير ضرب مدينة أوكلاهوما الأميركية في نيسان سنة 1995 وأدى الى مصرع 168 شخصاً وجرح 680 آخرين. ومع ان أصابع الإتهام الأولى وُجهت الى عناصر من الشرق الأوسط، إلا انه سرعان ما تبين ان الفاعلين هم أعضاء في ميليشيا يمينية محلية.

ولنترك هذه الحادثة الآن، ولنعد الى أيلول 2001. فجأت راجت مقولات إقصائية نهائية: معسكر الخير في مواجهة معسكر الشر، إما معنا أو ضدنا... ولم تعد هناك أي مساحة وسطية، وبات على شعوب العالم ان تعلن وبالصوت العالي الواضح وقوفها الى جانب الولايات المتحدة في ما هي مقدمة عليه، وإلا فإن الدول التي ترفض ستصبح هدفاً شرعياً للغضب الأميركي الصاعق كما تجلى في ضرب أفغانستان وإحتلالها إبتداء من تشرين الأول 2001.

ما كان لقوات طالبان وحلفائها في "القاعدة" أن تصمد في وجه الغزو الأميركي المدعوم أطلسياً وأوروبياً. وما كان لدول العالم، بما فيها روسيا والصين والدول الإسلامية، ان تعارض هذه الحملة العسكرية في ظل الصدمة التي خلفتها هجمات أيلول الإرهابية. والظاهر ان "المحافظين الجدد" المسيطرين على مقاليد الأمور في البيت الأبيض شعروا بأن الظروف باتت مؤاتية تماماً للمضي قدماً في مخطط تطويع العالم للإدارة الأميركية. فكان مشروع غزو العراق الذي بدأ في آذار سنة 2003، أي بعد سنتين فقط على إحتلال أفغانستان وإجبار باكستان على الإنخراط في المخططات الأميركية، مرّة بواسطة التهديد ومرّة بالإغراءات المالية.

كان الرهان الأميركي آنذاك ان إحتلال أفغانستان والعراق سيؤشر إلى بداية تحقيق ديموقراطية على النمط الأميركي في هذين البلدين، ومن ثم التحرك لإسقاط كل من سورية وإيران ولبنان إما بالضغط السياسي والإقتصادي أو بالتدخل العسكري الأميركي المباشر. غير ان حساب الحقل، كما يقولون، لم يتناسب مع حساب البيدر. فغرقت الولايات المتحدة وحلفاؤها في مستنقعين بدلاً من مستنقع واحد. وها نحن ننهي العقد الأول من "القرن الأميركي" بينما الولايات المتحدة الأميركية تتخبط في كيفية الخروج من أفغانستان والعراق بالحد الأدنى من الخسائر.

وفي حين كانت الولايات المتحدة طيلة السنوات العشر الماضية منهمكة في حربين لا تلوح في أفق أي منهما تباشير النصر، في حربين تستنزفان موارد مالية تقدر نفقاتها بمليون دولار سنوياً لكل جندي، في حربين أخذتا شيئاً فشيئاً تشددان الخناق على الإجماع السياسي الداخلي عند حلفاء واشنطن العسكريين... في خضم كل ذلك كان العالم يتغير، وموازين القوى تتبدل، والحراك الإقتصادي الفاعل ينتقل من مكان إلى آخر. دول أميركا اللاتينية أخذت تلقي عن كاهلها القيد الأميركي الذي أرهقها لعقود متتالية. أوروبا راحت تنشغل بمشاكلها الداخلية الناجمة عن توسعها شرقاً مع كل ما حمله هذا التوسع من أعباء. الحلف الأطلسي بات مثقلاً بمسؤوليات لم يكن مؤهلاً لها بعد إنهيار حلف وارسو السوفياتي، فسعى إلى دور جديد لم تتضح معالمه تماماً بعد. لكن العنصر الأهم يتمثل في تحولات روسيا والصين بوصفهما الدولتين الأكثر قدرة على تحدي الأحادية الأميركية المطلقة.

وليس من الضروري هنا إسترجاع ما جرى في روسيا والصين، بل وفي الهند والبرازيل ودول أميركا اللاتينية أيضاً، خلال السنوات العشر الماضية. فهذا جزء من التاريخ المعاصر الذي نعيشه اليوم. المفيد هو إستشراف المستقبل المنظور، أي السنوات العشر القادمات، في علاقة هذه الدول في ما بينها ومن ثم في تأثير تلك العلاقات على إمتنا وعالمنا العربي. وبمعنى آخر أكثر وضوحاً: أين نقف نحن في إطار تلك المتغيرات؟ وما الذي نستطيع القيام به كي نؤثر في إتجاهات تلك المتغيرات التي ستكون سريعة وعاصفة في الوقت نفسه؟

لنبدأ من مكان قريب إلينا جغرافياً.

الهند:

دولة صاعدة، تمتلك قاعدة إقتصادية قوية وخزاناً بشرياً هائلاً. عندها سلاح نووي وقوات مسلحة مزودة بأحدث الأسلحة والمعدات. تتمركز في موقع إستراتيجي يجعلها محط إهتمام القوى الأخرى الفاعلة مثل الولايات المتحدة وروسيا والصين. إهتمامها الإستراتيجي يتمحور حول مسألتين مصيريتين: الصين التي خاضت معها حرباً قاسية سنة 1962، والمد الإسلامي الذي يجد في باكستان حاضناً له والذي تعتبره الهند تهديداً لنسيجها الإجتماعي الداخلي ليس فقط في كشمير المتنازع عليها بل وفي المقاطعات الهندية الأخرى حيث يعيش المسلمون الذين يقدر عددهم بأكثر من 120 مليون نسمة.

لذلك كانت الهند، تاريخياً، الحليف التقليدي للإتحاد السوفياتي عندما كانت بكين تنافس موسكو على زعامة العالم الإشتراكي، وفي المقابل كان هناك الدعم الصيني المستمر لباكستان كنوع من التوازن الإستراتيجي. الأمور تغيرت الآن. الهند تتجه أكثر فأكثر نحو الولايات المتحدة التي تجد في نيودلهي شريكاً إستراتيجياً أشد صدقية من باكستان لمواجهة الخطرين: الصيني والإسلامي في منطقة جنوب آسيا. وسوف نرى في السنوات المقبلة مزيداً من هذا التقارب، وتوسعاً هندياً دؤوباً في مناطق كانت تعتبر تقليدياً دائرة نفوذ باكستاني مثل أفغانستان وبنغلادش، وربما بعض دول الخليج العربية حيث للهند مصالح إقتصادية حيوية تدعمها جاليات كبيرة مستوطنة هناك منذ عشرات السنين. وسيكون ذلك بتشجيع أميركي على مختلف المستويات.

أميركا اللاتينية:

غالبية الدول هناك تحولت الى أنظمة ديموقراطية إجتماعية، ميالة الى اليسار. وهذا يعني تراجع النفوذ الأميركي المباشر. غير أننا نخطيء إذا إعتقدنا بأن واشنطن ستقف مكتوفة الأيدي أزاء هذا التغيير. ولعلنا نلمح في إنقلاب هندوراس الذي أطاح بالرئيس المنتخب مانويل زيلايا في صيف العام الماضي نموذجاً يجب أخذه في الإعتبار عندما ننظر في إحتمالات تطور الأوضاع في أميركا اللاتينية. لكن التدخل العسكري الأميركي المباشر سيكون مستبعداً إلا في الحالات القصوى، فواشنطن تفضل الإنقلابات الداخلية أو التغيير "الديموقراطي" المدعوم بتمويل سخي للقوى المحلية اليمينية المرتبطة مصلحياً مع الولايات المتحدة.

روسيا:

روسيا تغيرت مع فلاديمير بوتين. وهي كانت ستتغير حتى لو لم يكن بوتين رئيساً لدورتين ثم رئيساً للوزراء في ظل الرئيس الجديد ديمتري ميدفيديف. في العام 1991 وما بعده، عندما كان بوريس يلتسين رئيساً لروسيا الخارجة من ركام الإتحاد السوفياتي، وقفت موسكو تراقب عاجزة هجمة الإتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي لقضم الجمهوريات السوفياتية السابقة، ما يعني إحكام الطوق حولها من بحر البلطيق في الشمال الى البحر الأسود في الجنوب. وكذلك في جمهوريات آسيا الوسطى حيث أُكتشف النفط والغاز بكميات هائلة. وإكتمل الطوق بالوجود الأميركي الأطلسي في أفغانستان، مع قواعد عسكرية في قرغيزستان وأوزبكستان.

تضافرت عناصر عدة لتمكين روسيا من إستعادة المبادرة، على الأقل في محيطها الإستراتيجي المباشر سواء في شرق أوروبا أو في القوقاز أو في آسيا الوسطى. كان الإنتصار في حرب الشيشان سنة 2000 مقدمة لإسترجاع هيبة الدولة الروسية. وساعدت عائدات النفط والغاز في تمويل مشاريع بوتين العسكرية والسياسية. لكن الحرب ضد جورجيا في صيف العام 2008 هي التي أعادت رسم خطوط التماس الروسية – الأطلسية، إذ إنتقلت موسكو من التراجع والإستيعاب الى الإحتواء والمبادرة. ونحن نرى في إنتخابات أوكرانيا الأخيرة حيث فاز المرشح الموالي لموسكو، وكذلك في إنتفاضة قرغيزستان التي أطاحت بالرئيس كرمان بك باكييف لصالح قيادة موالية للروس، خطوتين إضافيتين في الإستراتيجية الروسية المرسومة للسنوات المقبلة.

الصين:

الدولة الأكثر كثافة سكانية في العالم، والأكثر إزدهاراً على المستوى الإقتصادي، وذات الإحتياطات المالية الضخمة، وأكبر مشتر للسندات الأميركية الحكومية، بمعنى انها أكبر مدين للولايات المتحدة الأميركية. ما تزال محافظة على نظامها الشيوعي لكن بنكهة رأسمالية طاغية. إستفادت من إحتياطاتها المالية الهائلة كي تدخل أسواقاً كانت حكراً على الأميركيين والأوروبيين لعقود طويلة. وهي تدرك الآن، بعد إختراقاتها لأسواق أفريقيا وآسيا بحثاً عن مصادر الطاقة والمواد الأولية، أنها بحاجة لقوة عسكرية تحمي مصالحها الإقتصادية والإستثمارية النامية وخطوط إمدادات الطاقة التي هي بأمس الحاجة إليها. وهكذا عكفت على تعزيز أسطولها البحري مع السعي للحصول على قواعد بحرية صديقة حول العالم. بل وصل الأمر الى حد ان ضابطاً صينياً رفيع الرتبة، يتولى التدريس في كلية القيادة العسكرية، أصدر قبل أشهر كتاباً أعلن فيه من دون أدنى مواربة ان على الصين ان تعمل وتستعد كي تكون هي القوة العظمى في العالم وليس الولايات المتحدة الأميركية... في غضون السنوات العشرين المقبلة!

لكن ماذا نرى في المعسكر الغربي الذي يضم الإتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي والولايات المتحدة الأميركية؟

الإتحاد الأوروبي مصاب الآن بعسر هضم مؤلم. إستغل فرصة إنشغال الدب الروسي بهمومه الداخلية ليقفز على المجال الحيوي من بحر البلطيق في الشمال الى تخوم القوقاز في الجنوب، وإبتلع على عجل دول أوروبا الشرقية كلها ومعها دول البلقان بحيث انه عندما يستيقظ الدب الروسي من بياته الشتوي يكون قد قضي الأمر.

غير ان هذه السياسة أعطت نتائج عكسية الى حد بعيد. فالإتحاد الأوروبي يجد نفسه عاجزاً عن هضم عضوية دول أوروبا الشرقية بكل ما تحمله من ميراث ثقيل يعود الى سنوات السيطرة الروسية. وجاءت الأزمة الإقتصادية العالمية لترهق كاهل ميزانيات الدول الغربية الكبرى التي تتحمل القسم الأكبر من الدعم المخصص لجاراتها الشرقية. كما وأن بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا لم تعد قادرة على إستقبال ملايين العمال الأوروبيين الشرقيين في أسواقها الداخلية الراكدة. وأخيراً جاءت أزمة ديون اليونان التي كادت ان تجر مجموعة العملة النقدية الأوروبية الى الهاوية.

ونحن نرى ان الإتحاد الأوروبي لن يكون بإستطاعته لعب أدوار حاسمة على صعيد السياسة الخارجية العالمية إلا بوصفه تابعاً محدود النفوذ للولايات المتحدة الأميركية.

يختلف الحلف الأطلسي عن الإتحاد الأوروبي في انه يخضع، بطريقة أو بأخرى، للإستراتيجية الأميركية العامة. ومع ذلك فهو يعاني من بعض عوارض عسر الهضم نتيجة إنضمام عدد من دول أوروبا الشرقية إليه في ضوء المعارضة الروسية المستمرة لهذا التوسع أو لأي مشاريع توسعية أخرى في المجال الحيوي لروسيا. ولذلك يعكف قادة الحلف السياسيون والعسكريون على دراسة طبيعة مستقبل الحلف، وكيفية تطوير الأهداف الإستراتيجية التي لأجلها نشأ في الأساس لمواجهة حلف وارسو الذي إنتقل الى ذاكرة التاريخ مع آخر معقل شيوعي في أوروبا. ومن المقرر ان تعلن الإستراتيجية الجديدة في أواخر العام الحالي على أبعد تقدير.

لكننا نستطيع تلمس ملامح من تلك الإستراتيجية إعتماداً على السياسات الأطلسية خلال الأعوام الماضية. أولاً، لم تعد أوروبا ساحة المواجهة الأساسية بسبب تغير الوضع فيها كما نعلم جميعاً. ثانياً، روسيا تبقى خطراً راهناً خصوصاً بعد أن أعلنت موسكو في عقيدتها العسكرية المنشورة قبل شهرين ان الأطلسي يعتبر التحدي الأساسي للمصالح الإستراتيجية الروسية. ثالثاً، يدرك قادة الأطلسي ان عليهم البحث عن مجالات أخرى خارج أوروبا لأن العلاقات الأوروبية – الروسية تتم معالجتها من خلال منظمة الأمن والتعاون في أوروبا وليس من خلال الأطلسي.

إلى أين يتجه الأطلسي في مثل هذه الحالة؟

إلى البحر الأبيض المتوسط تحت شعار مكافحة الإرهاب وتهريب السلاح. إلى المحيط الهندي وباب المندب لمواجهة القراصنة الصوماليين. إلى أفغانستان وبعض دول آسيا الوسطى لملاحقة "القاعدة" وملحقاتها. إلى العراق لدعم القوات الأميركية والمساعدة في تريب الجيش وأجهزة الأمن العراقية. إلى الخليج العربي تحسباً لتحركات إيرانية محتملة قد تقطع إمدادات النفط عبر مضيق هرمز. إلى سواحل لبنان لمنع وصول السلاح الى "حزب الله". إلى الضفة الغربية لمساندة السلطة الفلسطينية أمنياً. إلى إسرائيل لإدماجها في منظومة الدفاع الصاروخي... وهكذا!

وهذه كلها أدوار جديدة لم تكن في شرعة الأطلسي الذي أنيطت به في بداية الأمر مهمة إحتواء الإتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الإشتراكية.

وأخيراً نصل الى الولايات المتحدة الأميركية. من بين كل عناصر القدرة المتمثلة في الإقتصاد والسياسة والدفاع، نجد ان واشنطن اليوم أكثر ما تكون إعتماداً على قواتها العسكرية لتحقيق غاياتها الإستراتيجية. موازنة الدفاع للعام 2011 ستصل الى 700 مليار دولار، أي ما يبلغ 40 في المئة من مجموع إنفاق كل دول العالم على القضايا الدفاعية. وتأتي في المرتبة الثانية الصين بميزانية 78 مليار دولار، أي عشرة في المئة فقط مما تنفقه الولايات المتحدة دفاعياً. مع العلم ان العجز في الموازنة الأميركية للعام الحالي 2010 يبلغ 1.5 تريليون دولار.

التركيبة الداخلية الإجتماعية والسياسية والإقتصادية للولايات المتحدة تمنعها من أن تخلي موقعها القيادي لصالح أية دولة أخرى في العالم. إن أي تراجع في البحبوحة الإقتصادية للشعب الأميركي سيؤدي الى توتر إجتماعي في بلد تشكل مجموعاته العرقية المتباينة فسيفساء تجتمع لكن لا تتحد، ولحمتها الوحيدة ذلك الحلم الأميركي الذي يقوم على إزدهار ينتج عن السيطرة على المقدرات الإقتصادية العالمية. وستفعل واشنطن ما في وسعها لمنع أي سيناريو قد يطيح بأحاديتها القطبية على المسرح الدولي.

ونحن نرى ان الصين ستكون، خلال السنوات القليلة المقبلة، في عين العاصفة الأميركية... لكن بصورة غير مباشرة.

أميركا ستعزز قدرات الهند العسكرية وترسانتها النووية كثقل موازٍ للصين في عقر دارها. مشروع نصب درع صاروخية تشارك فيه اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية سيمضي قدماً بغض النظر عن إمتعاض بكين وقلقها. الوجود الأميركي في الخليج العربي وآسيا الوسطى وبعض مناطق أفريقيا سيتكثف بهدف حرمان الصين من إمدادات الطاقة والمواد الأولية (هل ندرك الآن خلفيات الحملة على إيران؟). ضغط إقتصادي لتضييق الخناق على الصادرات الصينية التي هي العنصر الأساسي في تفوق الإقتصاد الصيني. وفوق هذا كله، إستغلال مسألة حقوق الإنسان والأقليات في الصين من أجل خلق أجواء من البلبلة الداخلية كما حدث قبل مدة في التيبت وكذلك مع أقلية الإيغور الإسلامية في غربي الصين. ولنتذكر فقط ان من العوامل الجذرية التي أدت الى إنهاك الإتحاد السوفياتي ومن ثم سقوطه كان مشروع الرئيس رونالد ريغان لعسكرة الفضاء في ما عُرف آنذاك بإسم "حروب الفضاء". ذلك ان لهاث موسكو المحموم للحاق بالمشروع الأميركي، الذي تبين في ما بعد انه مجرد وهم، أدى الى دق آخر مسمار في نعش التجربة السوفياتية.

فهل تنجح واشنطن في سيناريو مماثل مع الصين؟ وكيف سيكون رد بكين إذا أدركت ان وجودها الشيوعي – الرأسمالي بات على أعتاب خطر مصيري؟

هذا ما نتركه للمستقبل. لكنني أختم بحادثة رواها لي صديق صحافي يعمل بين واشنطن ونيويورك، وقد غطى أخيراً الدورة العمومية للجمعية العامة للأمم المتحدة. قال لي انه إلتقى في أعقاب إحدى الجلسات ديبلوماسياً رفيعاً من إحدى دول أميركا اللاتينية، وهو خبير مخضرم ومحنك في السياسة الأميركية. وبعد حديث متشعب حول سياسة واشنطن في الشرق الأوسط، فاجأ الديبلوماسي اللاتيني صديقي بهذه العبارة: "لقد خسرت أميركا معظم نفوذها في أميركا اللاتينية، ولم تعد تتمتع بأي ثقة في أوروبا، وغالبية دول أفريقيا وآسيا تنظر الى السياسات الأميركية بعين الشك. فلماذا أنتم وحدكم في العالم العربي ما زلتم تسلمون كل شؤونكم وشجونكم للإرادة الأميركية المطلقة؟"

إنه السؤال – اللغز الذي لو إستطعنا الإجابة عليه لما كنا اليوم بحاجة للبحث في القوة العسكرية الأميركية وتأثيراتها في السياسة الدولية للسنوات العشر المقبلة!


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2019