إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الابتزاز التركي إلى متى... وإلى أين؟

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2015-11-27

الارشيف

ليس مهماً كثيراً أن تكون الطائرة الروسية الحربية من طراز "سوخوي ــ 24" قد حلقت فوق الأراضي التركية أو فوق الأراضي السورية عندما أسقطها صاروخ جو ــ جو أطلقته طائرة حربية تركية. وليس مهماً قط أن تكون الطائرتان الحربيتان التركيتان المعترضتان قد وجهتا إنذارات عدة للطائرتين الحربيتين الروسيتين، أو أن يكون الطياران الروسيان لم يتلقيا قط مثل هذه الإنذارات. وليس مهماً كذلك أن تعتذر أنقرة أو لا تعتذر. وبالتالي، ليس من المهم الوقوف طويلاً عند المساعي الديبلوماسية المبذولة حالياً لاحتواء تداعيات هذه الحادثة الخطيرة التي تحمل العديد من المؤشرات الإستراتيجية.

الأكيد والمهم أن القيادة التركية قصدت إسقاط طائرة روسية حربية، داخل الأجواء التركية أو خارجها. والقرار لا بد وأن يكون قد أتخذ على أعلى المستويات، وليس فقط بناء على تعليمات عسكرية روتينية تحكم قواعد الاشتباك في حالة وقوع اختراق للأجواء الوطنية. كان باستطاعة الطيارين التركيين أن يتابعا مسار الطائرتين الروسيتين إلى أن تغادرا الأجواء التركية، ثم تقدم الخارجية التركية احتجاجاً "شديد اللهجة" ضد هذا الخرق. ومثل هذا الأمر حدث مرات عدة خلال الأسابيع القليلة الماضية في أوروبا بالذات عندما اقتربت طائرات حربية روسية من الأجواء الأطلسية... ولم يتم إسقاط أي منها!

ومن الأكيد أيضاً أن القيادة التركية كانت مدركة سلفاً لخطورة الإقدام على إسقاط طائرة حربية روسية، من زاويتين متكاملتين: طبيعة الرد الروسي المتوقع من قبل دولة عادت بقوة إلى الساحة العالمية بوصفها قوة عظمى مؤثرة. وكون تركيا عضواً في الحلف الأطلسي الذي تنص المادة الخامسة من ميثاقه على التزام كل الدول الأعضاء بالدفاع عن أي عضو فيه في حال تعرضه لاعتداء خارجي، وأي صدام مع روسيا يمكن أن يعتبر "اعتداء خارجياً"!

إذن، ما الذي أرادته القيادة التركية من هذه الخطوة غير المبررة؟

علينا أن نوضح أولاً أن الولايات المتحدة الأميركية، من خلال القيادة السياسية للحلف الأطلسي، ليست غريبة عن المناورات التركية التي تستهدف عرقلة الانخراط الروسي العسكري والسياسي في سوريا. لكننا نعتقد أن الأطلسيين، على الرغم من أنهم بصدد وضع العصي في عجلات المشروع الروسي الذي فرض نفسه في "فيينا ــ 1" و"فيينا ــ 2" وفي قمة العشرين في أنطاليا، إلا أنهم غير راغبين في أية مواجهة قد توصل الأطلسي وروسيا إلى حافة الصدام العسكري الكبير. ولذلك نعتقد أيضاً أن الخطوة التصعيدية التركية أرادت، في الدرجة الأولى، أن توّلع المسألة العسكرية بالتحديد لغايات في نفس أردوغان.

الذين يتابعون مجريات السياسة التركية، في عهودها الجمهورية والعسكرية والديكتاتورية والإسلامية منذ سقوط الخلافة سنة 1924، يلاحظون أن لعبة الابتزاز السياسي والأمني والعسكري تشكل واحدة من أبرز أدوات الديبلوماسية التركية. ففي سنة 1938 تمكنت تركيا الأتاتوركية من اغتصاب لواء الإسكندرون بالتواطؤ مع الاستعمار الفرنسي المهيمن على سوريا، بعد التلويح بورقة "التحالف" مع ألمانيا النازية عشية اندلاع الحرب العالمية الثانية. وفي تشرين الأول سنة 1998 حشدت قواتها العسكرية على الحدود السورية مهددة باحتلال الشمال السوري كله ما لم تقدم القيادة السورية آنذاك على طرد القيادي الكردي عبدالله أوجلان وإغلاق قواعد حزب العمال الكردستاني في سوريا ولبنان.

كما عمدت أنقرة بين الحين والآخر، وعلى مدى سنوات عدة، إلى ابتزاز كل من سوريا والعراق ببناء سدود ضخمة على نهر الفرات الذي يعتبر نهراً عابراً للحدود، ما يعني أنه لا يحق لدولة المنبع أن تتخذ إجراءات للحد من تدفق المياه إلا بالاتفاق مع الدول الأخرى الشاطئية على النهر. ولم تكتف تركيا بحجز المياه والسيطرة على وتيرة تدفقها، بل أقدمت في السنوات 2005 و2007 و2009 و2013 على وقف التدفق كلياً لأيام عدة دفعة واحدة.

وآخر الخطوات الابتزازية كانت فتح أبواب تدفق اللاجئين من شواطئها إلى الجزر اليونانية المجاورة ومنها إلى البر الأوروبي، ما أوقع الاتحاد الأوروبي في مشاكل داخلية صعبة. ولا شك في أن فتح أبواب الهجرة من تركيا ما كان ليتم لولا التواطؤ الحكومي الرسمي. إذ كيف يمكن تفسير حركة مئات الألوف من المهاجرين، الذين كانوا على الأراضي التركية لمدة أربع سنوات، في نفس الوقت الذي كانت القيادة التركية تروّج لإقامة ملاذات آمنة داخل الأراضي السورية، في حين كانت أوروبا ترفض هذه الفكرة بشدة. ومع أن الابتزاز الأردوغاني فشل في مشروع المناطق العازلة، إلا أنه نجح في نقطتين: الحصول على مساعدات مالية تقدر بثلاثة مليارات يورو بحجة "إيواء اللاجئين"، وإعادة تفعيل مفاوضات عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي التي كانت قد وصلت إلى طريق مسدود خلال السنتين الماضيتين.

نحن نعتقد أن قرار القيادة التركية بإسقاط الطائرة الحربية الروسية جاء في سياق هذا النهج الابتزازي. فمن جهة كانت تريد أن تورط الحلف الأطلسي في أي تصعيد محتمل قد ينشأ عن الحادث، ومن جهة أخرى أرادت أن توصل رسالة "دموية قوية" إلى موسكو كي يتوقف القصف الجوي الروسي عن استهداف المناطق التي تعتبرها أنقرة "خاضعة" لنفوذها داخل الأراضي السورية. وكانت بوادر هذه الرسالة قد برزت قبل أيام من إسقاط الطائرة عندما أعلنت الحكومة التركية أنها ستطلب عقد اجتماع لمجلس الأمن الدولي للنظر في ما أسمته "تعرض تركمان سورية للقصف الروسي"!

لكن حساب الحقل التركي لم ينطبق هذه المرة على حساب البيدر السوري. فالرد الروسي كان سريعاً وموجعاً، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب بل أيضاً على المستوى الميداني... إذ بات من الواضح أن كل "الخطوط الحمر" التي رسمها أردوغان على الخريطة السورية قد محتها إلى الأبد غارات الطيران الروسي الذي أخذ ينفذ ما يمكن أن نسميه ضربات "تحجيم تركيا" سواء على الصعيد السياسي المتوقع في "فيينا ــ 3" أو على صعيد القوى المسلحة المرتبطة ميدانياً بالمشروع التركي في سوريا.

أما بالنسبة إلى الموقف الأطلسي، فعلى الرغم من أن اجتماع بروكسيل الطارئ خرج ببيان "يدعم" الموقف التركي وفق مبدأ "أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"... إلا أن معلوماتنا من مصادر موثوقة تؤكد أن الاجتماع شهد مداخلات نقدية لعدد من المندوبين الذي اعتبروا أن أردوغان "يلعب بالنار" في تعرضه للعملية الروسية في سوريا. وكان واضحاً لدى المجتمعين، وهذا ما استوعبه المندوب التركي، أن أية مواجهة بين تركيا وروسيا من جراء هذا الحادث لن تؤدي تلقائياً إلى التدخل الأطلسي. وقد أسقط بيد أنقرة بعد الاجتماع، ما دفعها لاحقاً إلى تخفيف حدة لهجتها حيال موسكو، بل وأوقفت طلعاتها الجوية فوق الأراضي السورية في نطاق "الحملة الدولية" لضرب "تنظيم الدولة الإسلامية" (داعش).

غير أن فشل محاولة الابتزاز الأخيرة هذه لا يعني أن أردوغان، إنطلاقاً من خلفية الإسلام السياسي لحزب "العدالة والتنمية"، لن يعاود الكرة مجدداً بدعم من بعض الأطراف الخليجية المتورطة في الأزمة السورية. لكن ليست كل مرة تسلم الجرة، كما تقول أمثالنا الشعبية. وربما تركز الخطوات المضادة على الداخل التركي المشرذم والمتوتر حالياً.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017