إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

النبت الصالح 1949 الانضباط والالتزام 2

أياد موصللي - البناء

نسخة للطباعة 2017-02-11

الارشيف

يمكن ان تستعرض في ذهنك ما أعطته هذه المدرسة وما كوّنته من مفاهيم إلا وان تدهش، فليس التجانس القومي والانصهار الروحي في هذه البوتقة الرائعة هو ما يلفتك بل هنالك أيضاً النظام والانضباط… فبعد انتقالنا من مغارة الضبع إلى طاحون مهجور في واد قريب من يحمر بدأ الصدر الشهيد عساف كرم تحضير القوة لتنفيذ المرحلة المتعلقة به وهي احتلال مشغرة والسيطرة على فصيلة الدرك فيها والمخفر التابع لها. اختار مجموعة من القوميين لمرافقته، أما الباقون فتمركزنا في الطاحون لانتظار عودته بعد تنفيذ المهمة لمتابعة بقية المراحل… هنا تبرز عظمة هذا البناء النفسي العظيم وهذا النظام النادر، ناداني الشهيد الصدر وقال: رفيق إياد تبقى أنت هنا بسلاحك وتكون مسؤولاً عن الرفقاء الذين معك، فإن لم نعد واستشهدنا أو أسرنا فأنت الآمر ولك أن تقرّر بعدها ما تفعل. قال: كلّ هذا أمام جميع الرفقاء، وغادرَنا إلى أداء مهمته.

رفيق قومي اجتماعي عمره ستة عشرة عاماً وبضعة أشهر، ولم يمض على انتمائه للحزب سوى تسعة أشهر يعيَّن مسؤولاً على مجموعة من القوميين أصغرهم لا يقلّ عمره عن ثلاثين عاماً، وجميعهم مضى على انتمائهم إلى الحزب سنوات، وبينهم أيضاً الأمين عساف أبو مراد، والأمين نائل نديم، فلماذا اختارني أنا، لأنني مدرّب عسكرياً وخائض حرب فلسطين، ولأنني مسلح، وبكلّ انضباط وبكلّ طاعة تقبّل الجميع هذا الأمر وبدأتُ توزيع الحراسة حول الطاحون وبأطرافها والتلال المحيطة بانتظار عودة المجموعة من مهمتها… أداء وتنفيذ دقيق وطاعة مثلى، لن تجد مثل هذا حتى في الجيوش والتنظيمات. الأداء يكون أمراً خارج النفس ينفذ لأنه جزء من شروط الانتظام والتراتبية الوظيفية… وعدم التنفيذ والاعتراض يعتبر تمرّداً وعصياناً… ولكن في المدرسة القومية هنالك أصحاب رسالة تغيير وتكوين جديد… أداؤهم جزء من إيمانهم بأنهم يمثلون الانتصارات الكبرى لأمة أبت أن يكون قبر التاريخ مكاناً لها في الحياة… إيمانهم الجديد بالحياة الجديدة دفعهم لتقديم النفس والنفيس في معركة الحياة الكبرى…

سعاده، ماذا فعلت…؟ أي جيل رائع لهذه الأمة كوّنت فأعطيت جيلاً إيمانه بالحياة هو قدرته على العطاء، وانّ الحياة وقفة عز فقط… علّمتنا اننا قوم لا نلين للبغاة الطامعين، أرضنا فيها معين للأباة الميامين… كيف اجتمع كلّ هذا النسيج المتناقض المتنافر المتباعد المتناحر عند الآخرين وكوّن في المفهوم القومي الوحدة القومية الاجتماعية الصحيحة التي تتكفل بإنهاض الأمة، من يصدّق ان قواويش السجون وكلّ منها تضمّ العشرات من السجناء القوميين يقضون أحكاما بالسجن لسنوات يعيشون حياة عائلية متجذّرة في نفوسهم لأنها وليدة تربية فكرية رسمت أمامهم طريق الوطن وطريق السماء. طريق الوطن هو طريق الحياة وطريق الحياة واحد لا يسلكه إلا الأحياء وطالبو الحياة، ونحن منهم… طريق السماء مسالكه عديدة وكثيرة ولكلّ إنسان في المجتمع الحق في الاختيار وسلوك درب السماء بحرية وقناعة نحن لا نقتتل على السماء لأنّ اقتتالنا على السماء يفقدنا الأرض ومن لا أرض له لا وطن يرتكز عليه وجوده ولا سماء له يتوجه اليها…

من هنا كان هذا المتحد المتجانس المتماسك… في السجون وعلى مرّ السنين كانت حياتهم هي نفس حياتهم في الخارج، ولا يفرّق بين هذه وتلك إلا حرية الحركة والأداء… متحابون منظمون ثابتو العقيدة والإيمان يتناوبون الخدمات بكلّ تساوٍ حتى المسؤولين والأمناء يشملهم الدور، ولكن المناقبية تأبى على الأعضاء إلا استثناءهم تقديراً واحتراماً… في السجن هنالك نظام وانتظام، مسؤول حزبي إداري، مدرّب، نؤدّي صباحا تدريباً مستمراً على النظام المنضمّ ونهيّئ مأكلنا كعائلة واحدة نتعاون، ثم تبدأ المحاضرات، وبعض الأحيان إعطاء دروس لمن يحتاج… وعندما تأتي ساعات المرح تتنوّع برامجها، رياضة، تسلية إلخ… هذه الحياة تمارس يومياً ولعدة سنوات من مجموعة جاءت من تجانسات عرقية ودينية ومذهبية متعدّدة ولكنها انصهرت في هذه العقيدة وكانت صورة عن الحياة الجديدة للمجتمع الجديد الذي دعا إليه سعاده… مرة أخرى سعادة ماذا فعلت…؟

استشهاد سعاده، حقيقة تقبّلناها بإيمان، وتحمّلناها بشجاعة، ولكن هل هي عملية تنحصر في الموقف البطولي، ونكران الذات. استشهاد سعاده هو في حدّ ذاته شهادة الميلاد والاستمرارية لحياة الحزب وعقيدته ومبادئه ولصمود أبنائه ورسوخ قواعده… موت الرسل يختلف عن موت الدعاة، فكثير من أصحاب الدعوات يذهبون وتذهب دعواتهم معهم…

ما أشدّ اعتزازي بكم وما أروع النصر الذي أسير بكم إليه…

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017