إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

هل تصل «الكنتنة» المناطقية إلى لبنان؟

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2017-04-13

الارشيف

النظام السياسي اللبناني عجيب في خصائصه، يجمع بين اللبنانيين تعليمياً واقتصادياً وتاريخياً، لكنّه يفرّق بينهم على مستوى «التحاصص الطائفي الدقيق» في الحكومة ومجلس النواب والإدارة. الأمر الذي ينتج «رجلاً لبنانياً» يحتوي على شكلين متناقضين يتصارعان في داخله: «الطائفي» لحاجته إلى الحماية السياسية والإدارية، و»المواطن» للزوم التجارة والعلم والثقافة ومختلف جوانب الحياة المدنية.

لذلك ما زلنا نجد بعد سبعة عقود تقريباً على استقلال لبنان بدستور طائفي في 1948، ونحو سبع وعشرين سنة على اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الداخلية في 1990، أنّ المعادلة لا تزال على حالها.. هناك دستور للتحاصص الطائفي والمذهبي يحمل وعوداً دستورية بإلغاء الطائفية، لكنّه لا يفعل لأنّ حراس الهيكل الطائفي يقمعون أيّ محاولة نحو المدنية الدستورية، والسبب نفسه، وهو ارتباط مصالح هؤلاء الحراس بالنظام الطائفي المستولَد لطبقة السياسيين من أصحاب الرساميل المخيفة.

ما يجري في هذه المرحلة شبيه بسالف الأيام.. هناك «تقاتل أصلي» بين فئات النظام السياسي على شكل قانون جديد للانتخاب، وكلّ فريق يريد قانوناً جديداً يؤمّن له مسألتين: العدد الأكبر من نواب مذهبه وطائفته مع حقه بالاعتداء على حصص الآخرين، إذا كان ذلك متيسّراً، والهدف نفسه: توفير حصة وازنة في مجلس النوّاب لتحصيل عدد وزراء في الحكومة يتيح السيطرة على إدارة المال العام بالطريقة العلنية التي يُدار بها منذ اتفاق الطائف و»على عينك يا تاجر».

لكن ما يختلف الآن عن المرحلة السابقة يتعلّق بالصراعات الدائرة في المشرق العربي التي ترمي بأوزارها على كاهل لبنان، فيخضع لحركاتها: صراع سنّي شيعي، وإرهابي ومسيحي وأقلياتي وقبلي… بإيقاع من التدخلات الأميركية والغربية ومحاولات «إسرائيل» لتقديم صورة الدولة الإنسانية الصديقة للعرب، هذا مقابل حلف روسي سوري إيراني مع حزب الله والتنظيمات المحلية والإقليمية يحاول إيقاف الغزو الجديد.

وهكذا يستفيد حراس الهيكل الطائفي في لبنان من الأجواء المشحونة في الإقليم، فيزدادون شراسة في مطالبهم بالمحاصصة الطائفية والمذهبية، ولا يعبأون بانتهاء المهل الدستورية لإنتاج القوانين والقرارات، ولعلّهم يضحكون في سرّهم على من يذكّرهم بها، لأنهم كالرئيسة السابقة لحكومة بريطانيا الراحلة مارغريت تاتشر، التي غزت في القرن الماضي جزر المالوين قبالة الأرجنتين من دون إذن أممي. وعندما انتقدتها وسائل الإعلام قالت لهم إنّ القوانين الدولية لا تطبق إلا على بلدان العالم الثالث.

وبتغيير بسيط يقول أبطال الطوائف عندنا لمن يتجرّأ على انتقادهم إنّ الدستور والقانون في لبنان لزوم ضبط الناس العاديين فقط.

فهل تستفيد الطبقة السياسية اللبنانية من أوضاع الإقليم والخطة الأميركية الدائمة للذهاب من تحاصص دستوري غير جغرافي إلى كنتنة كاملة على أساس فدرالي أو كونفدرالي؟

هناك مستجدّات في العالم العربي تمنح دفعاً لأصحاب هذه التيارات، فالسياسة الأميركية تعمل الآن على تقسيم ليبيا إلى ثلاثة كانتونات تستند إلى التقسيم العثماني القديم. وهجوم الإرهاب على الأقباط في مصر خطير جداً. والعراق ذاهب بسرعة إلى ثلاثة كانتونات قد تصبح دولاً مستقلة. ولا ننسى اليمن حيث تتقدّم قوات الاحتلال السعودية والغربية على خطوط تقسيم هذا البلد إلى دويلات مستقلة عدة.. السودان بدوره أصبح دولتين ومرشّحاً ليصبح أربعة كانتونات. أمّا ما يجري في سورية فأمر رهيب جداً ويندرج في إطار إصرار أميركي سعودي تركي على تقسيمها إلى ستة كانتونات مقابل إصرار الدولة السورية على استرجاع كامل مناطقها بدعم من حلفائها الدوليين والإقليميين واللبنانيين.

إزاء هذه الصورة المأساوية، ينبثق تخوّف من محاولات بعض القوى الداخلية إلى المطالبة بكانتونات تجمع بين التحاصص السياسي مع شيء من الاستقلالية الجغرافية، وإلا فكيف يمكن تفسير مطالبات زعماء مذاهب بوحدات انتخابية لهم، يشكّل أبناء مذاهبهم الكتل الديمغرافية الأكبر فيها، وقد يقول البعض إنّ هذا أمر طبيعي، لأنّه يؤمّن سيطرتهم على الانتخابات، وهناك من يجيبهم أنّ المستعمر الفرنسي نفسه لم يصل إلى حدود هذا الغلوّ الطائفي عندما كان منتدباً على لبنان في مطلع القرن الماضي، بل اكتفى بتأسيس دوائر انتخابية فيها غلبة لمذهب معيّن، إنّما مع وجود ناخبين من مذاهب أخرى لهم درجات معيّنة من القوة.

ولا تزال المناقشات بين فئات النظام على حالها: الطرفان الكبيران ديموغرافياً بانتشار جغرافي وازن، أي السنّة والشيعة يريدان نظاماً نسبياً، إنّما بخلاف على أشكال الدوائر فهناك مَن يريد لبنان دائرة انتخابية واحدة مقابل طرح آخر يرغب بالنسبية، إنّما على قاعدة دوائر متوسطة، ما يتسبّب بشيء من القلق لأنّ تطبيق النسبية يحتاج إلى تغيير في الأنظمة التعليمية والدينية لتواكب التغيير السياسي نحو المواطنة، وتعمّقه فيصبح أصيلاًً وليس «مركّباً» للزوم هيمنة المذاهب الكبرى فقط.

أمّا ما تبقّى من طروحات، فإنها جديرة بأخذ البلد نحو «كنتنة» كاملة تختبئ خلف شعارات وطنية غير حقيقية، وتشبه مرحلة «تقديس شجرة الأرز ولبنان الخمسة آلاف عام»، لتمرير هيمنة بعض المذاهب على أخرى، مع تحويل زعماء عصابات وآخرين مرتبطين بالمستعمرين إلى زعماء وطنيين في كتاب تاريخ مشبوه جرى إعداده للزوم الهيمنة الطائفية واستمرارها.

لبنان إلى اين؟ هناك خشية حقيقية من التقاطعات الإقليمية الحادّة مع الوضع اللبناني، وما الاشتباكات في مخيم عين الحلوة إلا عيّنة بسيطة ممّا يجري تحضيره للبنان، والدليل أنّ محاولات التسوية بين مجموعات إرهابية وإسلاموية يقودها بلال بدر مع منظمة فتح وآخرين إسلامويين أيضاً، ما هي إلا الدليل على النمط المفضوح في تركيب الأزمات وإيجاد حلول لها. فمن يصدّق أنّ لجان فتح الأمنية تعرِض على بلال بدر الخروج السرّي الآمن من المخيم؟! والسؤال إلى أين؟ أيّ إلى منطقة لبنانية أخرى ليبني هناك بؤراً إرهابية جديدة، والمؤسف أنّ هذا المشروع تتبنّاه أيضاً حركة حماس الحريصة على مجموعات «بدر»، لأنها اختلاط لعناصر من «داعش» و»النصرة» و»القاعدة» في إطار تنظيم واحد.

فمتى يندلع قتال جديد في منطقة لبنانية جديدة، وبسلاح يزعَم أنّه لتحرير فلسطين، ولا يفعل سوى قتل المدنيين وتدمير المدن ومحاربة الجيوش العربية وتفجير انتحاريين على بعد آلاف الأميال عن فلسطين المحتلة!!

هذه هي الظروف التي تعمل القيادات اللبنانية فيها على إعداد قانون جديد للانتخابات النيابية، الذي يشكّل المدماك الأساسي لبناء مؤسسات السلطة في لبنان. لذلك يبرّر بعض الباحثين لمؤيّدي «الكنتنة الطائفية» اتجاهاتهم التقسيمية، بسبب بروز هذا الإرهاب المدمّر، معتقدين أنّ تأسيسهم وحدات أمنية خاصة بمناطقهم تمنع عنهم هذا الخطر المبين. غير أنّ المدقق بحالة الإقليم، يكتشف هزالة هذه الاتجاهات، متسائلاً إذا كان باستطاعتها وهي منفردة أن تتصدّى لإرهاب تمكّن من الوصول إلى الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وأستراليا وكندا، بعد انتشاره في كامل العالم العربي والإسلامي، ولأنّه على هذه الدرجة من الخطورة والتدمير، فإنّ المنطق يفرض على اللبنانيين مسألتين: الوحدة الداخلية لأقصى درجة ممكنة على المستوى الدستوري للدفع باتجاه لبنان واحد موحّد، أمّا الثانية فهي الانخراط في تحالفات عربية وإقليمية ودولية تحارب الإرهاب فعلاً، وليس فقط على المستوى الخطابي.

فهل تدافع فئات الطبقة السياسية عن لبنان؟

يبدو أنّها بدأت تستشعر حجم اللعبة الأميركية التي تجتاح الإقليم، لكنّ قسماً منها لا يزال يتمسّك بالرعاية الغربية القديمة، والأمل أن يعود هذا التيار عن غيّه قبل فوات الأوان، لأنّه لن يكون إلا أول الخاسرين.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017