إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

«الترقيات» و«التعيينات» رأس الفساد على الطريقة اللبنانية

د. وفيق إبراهيم - البناء

نسخة للطباعة 2019-04-09

إقرأ ايضاً


يسيطر السياسيون اللبنانيون على التعيينات في إدارات الدولة من أعلى المواقع الى درجة حاجب.

فلا يمرُ اسم قبل حصوله على موافقة الزعيم الأقوى في طائفته، أو المنتمي الى المعادلة المسيطرة على الحكم بين قوى النظام الطائفي.

هناك ملاحظة أساسية لا يمكن تجاوزها إلا بمقايضات متفق عليها مسبقاً، وتتعلق بالحرص على التقاسمات المذهبية والطائفية في التعيينات والترقيات حتى وصل الأمر في التوغل الطائفي الى مستوى توريث المواقع الإدارية ضمن الموظفين في المذهب الواحد، وحسب أهميّاتها، فيتمسكُ بعض السياسيين بمواقع إدارية معينة لطوائفهم لأسباب ترتبط باستفادتهم منها أكثر من غيرهم او تتقاطع مع اهتماماتها المناطقية والمالية.

هذا السياق المنحرف هو الذي يلغي الكفاءات لمصلحة الولاء المطلق للزعيم ويؤدي الى تجذير الفساد في الإدارة اللبنانية وتحويله نمطاً طبيعياً لا يدفع إلا الى الاشمئزاز والاستغراب متمتعاً بحماية وحصانة من الطبقة الحاكمة وبكامل أجزائها.

فكيف يجري تعيين الموظفين وترقيتهم من موقع إلى أعلى؟ وما العلاقة بين هذا الفساد وفشل الإدارة اللبنانية عموماً؟

اتسمت العقود الثلاثة الأخيرة بهيمنة كاملة لسياسيي لبنان على الإدارة العامة والاتصالات والقضاء ومصرف لبنان والجيش والتعليم بكل مستوياته الجامعيّة والمدرسيّة.

فتحوّلت المباريات في مجالس الخدمة وامتحانات الدخول الأخرى أساليب لتغطية أكبر عملية سطو سياسي واستحواذ إقطاعي على الإدارات.

وإذا اجتاز مواطن نزيه بالصدفة هذه الحواجز فتحاصره فوراً قوى الفساد الطائفي داخل الإدارة، فإما أن ينتمي إليها أو تعزله في مواقع لا قيمة فعلية لها، فلا يؤثر ولا يتأثر.

للإشارة فقط فإن هذا الفساد الإداري كان موجوداً قبل تسعينيات القرن الماضي، وبدرجات أقل. فالتعيين كان طائفياً إنما من أفضل الموجود داخل المذاهب وكانت معدلات «المستقلين» الموجودين في الإدارات أعلى بكثير، بالإضافة الى القوانين والأنظمة الداخلية الإدارية كانت نافذة ومحترمة أكثر من الوقت الحاضر، باعتبار أن السيطرة المارونية على الدولة في مرحلة 1948 1990 كانت تؤدّي إلى تطبيق القانون على 80 في المئة من الموظفين الإداريين وهم من المعارضة المسيحية غير المرتبطة بالحكم السائد في حينه ومجمل الموظفين من الطوائف الأخرى، لذلك كان المشهد الإداري على هشاشته يوحي بالثقة أكثر من المرحلة الحالية، انما ما هو دور التعيينات وترقية الموظفين في الفساد في لبنان؟

التوظيف في القطاع العام لا يستند في لبنان الى حاجات الإدارات، وإذا ارتكز عليها فإنه لا يستجيب للشروط المطلوبة في الاختصاص الحصري للوظيفة.

بمعنى أنه مجرد حشو لفئات شعبية تتقاضى رواتب تؤمن لها العيش على حساب الدولة، من دون بذل جهد مقابل وتصبح بالتالي ضمن ولاءات «الزعيم» الذي وظفها مواصلاً تغطيتها.

إن هذه الحماية تجعل حتى من صاحب الكفاءة الوظيفية يجنحُ لعدم استعمال مهاراته في المواقع التي يشغلها مقابل استغلالها في الانخراط في فسادَيْن اثنين: سياسي لصالح الزعامة التي تحصّنه، ومالي لجهة تقاسم رشى لتلبية مطالب الناس، وهذا يجعله «عيناً» لزعيمه في حركة الإدارة التي يعمل فيها، ومُيسراً لكل أنواع الفساد الداخلي التي يستفيد منها شخصياً.

هذا النوع من الفساد الإداري المغطى سياسياً لا يشمل تقاسم المال العام ضمن فئات الطبقة السياسية مباشرة وبواسطة الصفقات الكبرى والتلزيمات والسطو على القروض والمساعدات.

لذلك يرتبط فقط بحركة الفساد داخل الإدارات الرسمية، بمختلف أنواعها المدنية والأمنية والعسكرية.

وهذا يتعلق بنحو 355 ألف موظف من أصل أربعة ملايين نسمة هم عدد سكان لبنان، فيتبين أن هؤلاء الموظفين مع عائلاتهم قد يزيد عددهم عن ربع الشعب اللبناني، بما يفسّر مدى اهتمام السياسيين بهم على مستوى الانتخابات النيابية من جهة وتأثيرهم الإداري على المواطنين المتعاملين معهم من جهة ثانية، خصوصاً من أبناء مناطقهم مؤدين دور واضع «الزعماء» في الصورة الدقيقة للحركة الإدارية العامة في لبنان بما يتعلق بدور مذهبهم فيها، والتنافس مع المواقع المذهبية الأخرى.

فأي تطاول على صلاحيات أحد المذاهب في الإدارات تؤدي الى استنفار زعاماته ومطالبتها بعدم التعدّي على حقوق الطائفة.

فأين يوجد بلد في العالم يستقبل الإقطاعيون فيه قادة عسكريين في مواقع وطنية كبيرة، يأتون مع عائلاتهم لشكر هذا السياسي أو ذاك على ترقيتهم له، والطريف أن هذا «البيك» لا يخجل من إلقاء خطاب فصيح يقول فيها إنه «خدم» هذا العميد لأن عائلته وفية لدارته السياسية منذ أكثر من … قرن ونيّف.

فهذا يدفع الى التساؤل عن ولاء هذا «المسؤول العسكري» الذي نال ترقيته وكان جرى تعيينه سابقاً في الجيش بوساطة من والد هذا الزعيم الذي كان زعيماً بدوره، فلِمن يمنح هذا القائد الهمام ولاءه؟ أللمؤسسة العسكرية التي ينتمي إليها أم للزعامة التي عيّنته ورقته؟ وهل بوسعه تلبية الاثنتين معاً؟

هذا ما يحدث في إدارات الدولة دافعاً نحو فسادها الكامل لجهة التهاون في تلبية حاجات الناس، وغرقها في أساليب الرشى، وانصياع موظفيها لمطالب الزعماء فقط.

وهذا ينسحب على كل «زعماء» لبنان الذين يخنقون الإدارات العامة بتعيينات وترقيات تستجيب فقط لمصالحهم السياسية أولاً وأخيراً.

لذلك، فهذا النمط من التعيين جزء أساسي من الفساد السياسي الذي يستعمل المال العام وسيلة لتأمين طبقة إدارية موالية لزعاماتهم السياسية والانتخابية على حساب متطلبات المواطنين.

بما يؤدي الى سيطرة تشاؤم كبير من إمكانية الاعتماد على تحقيق فساد سياسي لإصلاح إداري ومالي في بنية الدولة.

فهذا مستحيل، أفلا يحتاج الإصلاح الى مصلحين ليسوا موجودين في إطار هذه الطبقة السياسيّة الشديدة الفساد؟

أما هذه المناكفات بين السياسيين فلا تعني ولادة اتجاهات إصلاحية بقدر ما هي محاولة لبعض الفئات السياسيّة الضعيفة للدخول بقوة الى نادي التحاصص.

ما الحل إذاً؟ موجود في حركتين: ارتفاع حدة الصدامات بين فئات الطبقة السياسية وتصاعد الغضب الشعبي على الطريقة الجزائرية.

ما يجعل من موعد لبنان مع التغيير الجذري مسألة أساسية لإبعاد هذا النظام المتسلّط على مصالح اللبنانيين وبلدهم.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2024