إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

سورية بين المناطق «الآمنة» ومناطق «تخفيف التصعيد»

عامر نعيم الياس - البناء

نسخة للطباعة 2017-05-05

الارشيف

دخلت الحرب السورية مرحلةً جديدة بوصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. الرجل الذي فاجأ الحلفاء والخصوم على حدٍّ سواء، استطاع إعادة تصويب القدرة الردعية للولايات المتّحدة في المنطقة، ورسم خطوطاً لكافة الأفرقاء بإمكانها أن تتحرك وفقها. الجميع فهم الرسالة وعلى رأس القائمة الكرملين، الذي قدّر حرص البيت الأبيض على عدم الصدام المباشر مع القوات الروسية في سورية، وقدّر تعهّدات الأميركيين بعدم تكرار الضربات العسكرية الأميركية على مواقع للجيش السوري مرةً أخرى، في الوقت الذي أدرك فيه أيضاً قدرة واشنطن وحلفائها على إعادة خلط الأوراق في المشهد السوري، وإعادة الأمور إلى نقطة الصفر أقلّه سياسياً وإعلامياً في ضوء الإمكانات التي يحوز عليها المحور المعادي لسورية.

في ضوء ما سبق اقترحت روسيا إنشاء «مناطق لتخفيف التصعيد في محافظة إدلب، وإلى الشمال من حمص، وفي الغوطة الشرقية، وفي جنوب سورية التي ينشئها الضامنون ». وتتضمّن الرؤية إنشاء ما يسمّى «المناطق الأمنية التي تشمل: نقاط تفتيش لضمان حرية تنقل المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية، فضلاً عن الأنشطة الاقتصادية. وتشمل مراكز مراقبة لتنفيذ أحكام نظام وقف إطلاق النار».

المقترح الروسي يستثني النصرة وداعش في داخل مناطق تخفيف التصعيد وخارجها من أيّ وقف للعمليات القتالية في سورية، ويحوّل المناطق الأمنية بطريقة غير مباشرة إلى مناطق فصل جغرافي، تحقق الهدف الذي تعمل عليه روسيا منذ القرار 2254 وهو الفصل بين المجموعات المسلحة «المعتدلة وغير المعتدلة»، كما أنّ روسيا تعمل من وراء الاتفاق على زيادة الالتزامات الدولية والإقليمية عبر ما يسمّى «الضامنين» بنظام وقف إطلاق النار، وضمان عدم انهياره بسرعة كما في المرات السابقة والتي كان آخرها قبل شهرين في الهجوم الذي شنّته المجموعات المسلحة في محيط دمشق وفي ريفي حماة واللاذقية، هنا دور الضامنين من الممكن أن يترسّخ بقرار من مجلس الأمن الدولي بدعم أميركي يهدف إلى نشر قوات فصل في المناطق الأمنية، وهو ما يمهّد في المدى المتوسط إلى «وضع حدٍّ فوري للعنف، وتهيئة الظرف المواتية للنهوض بالتسوية للنزاع المسلح».

سياسة الأمر الواقع والتعامل مع التطورات التي أتت بوصول ترامب بهدوء وواقعية، ومحاولة الاقتراب من رؤية الرئيس الأميركي في الشكل على أقلّ تقدير، تشكّل محاور السياسة الروسية في سورية حالياً، لكن وعلى الرغم مما سبق فإنّ تقييماً آخر لملف مناطق «تخفيف التصعيد» لا بدّ من ذكره، حيث يطرح التساؤل التالي: هل من فروق جوهرية وأساسية بين المناطق «الآمنة» ومناطق «تخفيف التصعيد»؟

تحدّد المسودة الروسية تاريخ 22 أيار الحالي «لاستكمال تعريف مناطق تخفيف التصعيد والمناطق الأمنية»، وهذا يعني أنّ العمل العسكري في هذه المناطق مقيّد بضوابط جغرافية وميدانية وحتى سياسية تتعلق بآليات وقف إطلاق النار، كلّ ذلك قبل التوصل إلى فصل الجماعات التي توافق عن الهدنة عن تلك التي لا توافق، والتي يرى المقترح الروسي أنّ على المجموعات المنضوية في الهدنة أن تلجأ إلى المناطق «الأمنية»، لكن طريقة توزّع هذه المناطق جغرافياً، مضافاً إليها التحرك الأميركي في منطقة الحدود العراقية السورية من التنف إلى دير الزور والبوكمال، والتدخل العسكري الأميركي المباشر في القامشلي وعامودا ومناطق نفوذ الأكراد، كلّ ذلك يقود إلى فرض أمر واقع على كامل الخارطة السورية، تلغي ما كان يحكى قبلها عن شرق وغرب الفرات، أو حتى غرب البلاد وشرقها، إلى مناطق تقابل لنفوذ القوى المختلفة على الأرض السورية أساسها تقاسم النفوذ داخلياً، والعمل على كسر التواصل الجغرافي حدودياً وخاصةً على الحدود الدولية السورية مع العراق، ومع فلسطين المحتلة. كما أنّ هذه الخطة وإنْ كانت تخفف الاستنزاف العسكري، وتسعى إلى التهدئة التي ينشدها المدنيون السوريون، إلا أنها تُدخل الأزمة في مرحلة جديدة تطيل من أمدها، وتحوّل البلاد فعلياً إلى «دولة حرب» مع وقف التنفيذ، تنتظر استئناف العسكر لتحركاتهم مع أيّ خلل في موازين القوى المحلية، وحتى الدولية الإقليمية، بمعنى أنّ أيّ استقرار ناتج عن هدن من هذا النوع هو استقرار قلق لا يمكن أن يؤدي إلى النتائج المأمولة اقتصادياً واجتماعياً.

من ناحية أخرى فإنّ المقترح الحالي الذي من المتوقع أن يتحوّل إلى أساس العمل الدولي في سورية في المرحلة المقبلة، هذا المقترح يصبّ في خانة توجّهات الاتحاد الأوروبي الرافضة لذكر وحدة أراضي سورية سياسياً، والتوجّه نحو دعم مناطق تسيطر عليها المعارضة عبر تنشيط تجربة «الحوكمة» في سياق ما يسمّى مجالس «الحكم المحلي»، وهذه النقطة تشكل حالياً أحد محاور الاستراتيجية الأميركية في سورية.

«المناطق العازلة»، «المناطق الآمنة»، «المناطق الأمنية»، «مناطق تخفيف التصعيد»، مسمّيات متعدّدة وفق هوامش اختلاف ضيّقة تسمح للقوى بضبط الإيقاع على الأرض السورية على قاعدة لا غالب ولا مغلوب.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017