إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الأزمة الألمانية التركية تعزّز عشوائية أردوغان في السياسة الخارجية

د. هدى رزق - البناء

نسخة للطباعة 2017-07-22

الارشيف

لم تكن الاحتفالات بذكرى الانقلاب الفاشل في تركيا نذير خير بالنسبة الى العلاقات التركية الغربية. تصاعد التوتر بين تركيا وألمانيا على خلفية اعتقال ناشطين في حقوق الإنسان ومنهم ناشط ألماني الجنسية إضافة الى اعتقال دنيز يوجال وألماني آخر من أصول تركية بحجة مساعدة الإرهابيين.. تسير العلاقات التركية الألمانية الى الأسوأ في ما يعتقد الرئيس التركي أنه يردّ الصاع صاعين للمستشارة الألمانية انجيلا ميركل التي سمحت بقبول اللجوء السياسي لكبار الضباط العاملين في الناتو ويطالب ألمانيا بتسليمهم، إذ يعتبرهم مشاركين في الانقلاب ضدّه وينتمون الى جماعة غولن.

لم يعدم الرئيس التركي فرصة من دون أن يذكر دول الاتحاد الاوروبي بأنهم لم يستنكروا الانقلاب بل انتظروا نتائجه قبل أن يأخذوا موقفاً ويقول بأنهم كانوا يراهنون على نجاح الانقلاب للتخلص منه.

توتّرت العلاقات التركية الألمانية منذ أشهر ليس فقط، بسبب هذه القضية بل أيضاً بسبب قضايا أخرى، منها رفض السلطات المحلية الألمانية منح أردوغان ووزرائه الإذن لعقد تجمّعات مع الجالية التركية المكونة من 3 ملايين تركي يقيمون في ألمانيا للتحضير للاستفتاء الرئاسي في نيسان الماضي. ردّت تركيا على برلين من خلال منع زيارات النواب الألمان للجنود المتمركزين في قواعد انجرليك وكونيا الجوية، حيث يشاركون في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد داعش. ولم تسمح ميركل لأردوغان بلقاء الجالية التركية أثناء قمة هامبورغ، لا سيما انّ الانتخابات الألمانية في 23 ايلول قد تودي بالأصوات المؤيدة لها، لكون منافسها يتهمها بتشجيع أردوغان على الاستهانة بألمانيا واتهام الألمان بالنازية بعد ان دلّ الاستفتاء على انّ الاتراك في اوروبا قد صوّتوا مع العدالة والتنمية بمعظمهم، ما يوحي بأنّ سياسة اوروبا المحابية للعدالة والتنمية منذ 14 عاماً شجّعت هذه الجالية على اعتبار أردوغان ممثلها، إلا انّ الخلافات قبل الانقلاب وابتزاز أردوغان لأوروبا في مسألة اللاجئين والتخلي عن المعايير الأوروبية ومنها حقوق الاقليات الاثنية والمذهبية والالتزام بدولة القانون احدث زلزالاً وتصدّعاً في هذه العلاقة.

وكان أردوغان في خطابة في البرلمان بمناسبة ذكرى الانقلاب قد اتهم الغرب علناً بمحاولة التخلص منه. واضاف «اذا بدأنا في تسمية كلّ منهم على حدة، فاننا نواجه أزمة دولية خطيرة جداً».

الواضح أنّ أردوغان يرغب في انتصار قوي، في انتخابات 2019 وهو يستمرّ في صبّ الزيت على النار مع اوروبا. وفي مقابلة مع «بي بي سي» قال إنه يتوجب على الاتحاد الاوروبي أن يقول صراحة انه ليس قادراً على قبول تركيا في الاتحاد. وهذا سيكون مريحاً بالنسبة لنا.

تعتبر ألمانيا من بين الدول التي تعارض وجود تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي على أساس ثقافي وديني. ومع ذلك، تعتقد وهي العضو الرئيسي في الاتحاد أنّ إنهاء محادثات العضوية مع تركيا بشكل مفاجئ، سيؤدي إلى نتائج عكسية بالنسبة للمصالح الأوروبية. لكن وزير الخارجية الألماني سيغمار غابرييل أعلن مؤخراً أنّ تصرفات انقرة تظهر أنها «تخرج عن أسس القيم الأوروبية» وهي تتهم معارضيها بالإرهاب لزجّهم في السجون. وقال لا يمكن للمرء أن ينصح احداً بالاستثمار في بلد لا وجود فيه لدولة القانون، حيث يتمّ اتهام الشركات بأنها إرهابية للاستيلاء عليها. وأضاف أنه لا يرى كيف أنّ الحكومة الألمانية لا تزال قادرة على ضمان استثمارات الشركات الألمانية في تركيا بعد عمليات الاستيلاء التعسّفي لأسباب سياسية. وقال وزير المال الألماني إنّ تركيا باتت تشبه ألمانيا الشرقية قبل سقوط جدار برلين. تأتي تصريحات غابرييل في الوقت الذي رأت فيه رابطة المصدّرين الألمان أنّ «التهديد بالعلاقات الاقتصادية بين البلدين لا يأتي من فراغ، وأنه لا يمكن تقديم النصح للشركات بالاستثمارات في هذا المناخ»ز يأتي هذا التهديد بعدم تشجيع الاستثمارات في تركيا ليضيف مشكلة جديدة الى تركيا التي تخشى مواقف دول الخليج اتجاهها بعد الأزمة مع قطر وإرسالها الجنود الى القاعدة التركية هناك. وفيما اعلن أردوغان أنه سيقوم بزيارة وساطة الى بلدان الخليج تشير المعلومات من دولة الإمارات العربية المتحدة إلى انّ هذه الزيارة لن تنجح في ظلّ اتخاذ تركيا موقفاً محابياً لقطر فيما تخشى أنقرة خسارة الاستثمارات الخليجية التي تعمل من أجل كسبها لا سيما إذا سحبت ألمانيا والشركات الأجنبية الثقة منها ايضاً.

ألمانيا هي أكبر شريك تجاري لتركيا، اذ بلغ حجم التبادل 36 مليار دولار في السنة الماضية، وهي أكبر سوق للصادرات. لكن السياح الألمان الذين كانوا يتوافدون إلى تركيا قد هجروها منذ سنتين تقريباً. ألمانيا قد تعوق فتح مفاوضات حول رفع مستوى الاتحاد الجمركي التركي مع الكتلة الأوروبية. ومن المقرّر أن يعقد حوار سياسي رفيع المستوى بين الاتحاد الأوروبي والمسؤولين الأتراك في 25 تموز، بعد يوم واحد من محاكمة 15 صحافياً. اثنا عشر منهم من صحيفة «جمهوريت» والكاتب قدري غورسيل، واذا لم يتمّ الإفراج عنهم، فستكون هناك إجراءات ستنعكس على هذه المحادثات.

يصرّ أردوغان على اعتماد الخطاب التحريضي فهو منذ الانقلاب يحرّض على الولايات المتحدة ويعتبر «سي أي آيه» شريكاً في محاولة الانقلاب عليه، ويشير الى انّ وجود قوات التحالف في قاعدة انجرليك يمنع طائرات «أف 16» التركية من الانطلاق من دون معرفتها. لذلك قام المؤيدون للرئيس للمرة الثانية بتظاهرة حول قاعدة انجرليك مكان تواجد قوات التحالف تعبيراً عن اقتناعهم بمشاركة واشنطن في انقلاب.

يحاول أردوغان توجيه رسالة غاضبة الى الولايات المتحدة لأنها لا تريد تسليمه الداعية الاسلامي محمد فتح الله غولن، لكن المسألة ليست لدى الحكومة الأميركية إنما لدى القضاء الأميركي. وهو يعي ذلك لكنه يُمعن في التحريض. يحمّل واشنطن مسؤولية التحالف مع قوات الحماية الكردية في معركة الرقة واستبعاد أنقرة ويرى أنّ حزب الاتحاد الديمقراطي هو جزء من حزب العمال الكردستاني المدرج على لائحة الإرهاب والذي يشكل الخطر الأكبر على وحدة تركيا اذا حصل على حكم ذاتي في سورية.

استبدال تركيا الشريك في الناتو بالتحالف مع وحدات الحماية الكردية وقوات سورية الديمقراطية حجم دور تركيا في سورية التي طرحت خطة على القوات المركزية الأميركية واجتمع رئيس أركانها مع جوزيف دانفورد لطرح الخطة التي لم تلاق قبولاً لكونها طرحت إشراك الجيش الأميركي في المعركة إلى جانب قوات عربية والجيش الحر. لم تثق وزارة الدفاع الأميركية بهذه الخطة، لا سيما انّ تعثر القوات التركية وحلفائها في درع الفرات في معركة الباب شجّع الأميركيين على التمسك بوحدات الحماية.

لوّح أردوغان للأميركيين بالعلاقات مع روسيا، لكن الاتفاق الاميركي الروسي الأخير في قمة هامبورغ حدّ من امكانية لعبه على تناقضات الدولتين، فيما أتى انتشار خبر قرار «سي أي آيه» إنهاء برنامجها لدعم المجموعات المسلحة السورية واتخاذ ترامب هذا القرار منذ شهر كضربة قاصمة لفصائل الجيش الحرّ كجزء من هذه المعارضة، لتعكس توافقاً مع روسيا.

في هذه الأثناء كانت أنقرة تقابل دعم واشنطن لوحدات الحماية الكردية بنشر معلومات حساسة عن مواقع القوات الأميركية في سورية، اعتبرت واشنطن أنّ الضربة قاسية من دولة حليفة في الناتو في ما رأى فيه خبراء عسكريين انتقاماً عسكرياً تركياً يخدم داعش الذي يخوض حرباً مع الأكراد في الرقة ما يعرّض القوات الأميركية للخطر. هي المرة الثانية التي يتعرّض فيها الجيش الأميركي للخطر على يد الأتراك بعد قصف الطائرات التركية في نيسان الماضي وحدات الحماية الكردية. لم يؤدّ نفي الحكومة التركية صلتها بنشر الخبر من قبل وكالة الاناضول الحكومية الى اقتناع واشنطن التي ضغطت على تركيا منذ أسبوعين لوقف حملتها ضدّ عفرين وضدّ القصف الذي تمارسه هناك. الأكراد في سورية يؤرقون أردوغان فيما تركيا تقف ضدّ استقلال الإقليم العراقي وترى الخطر آتياً على تركيا من جراء هذه السياسة.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017