إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

قراءة في << مذكرات الأمينة الأولى جولييت المير سعادة >>

سليمان بختي

نسخة للطباعة 2005-01-29

الارشيف

الصادرة حديثاً سـيرة الإفتتان بالزعـيم والعقيدة وسـرد لوقـائع النضال والسـجن والمعـاناة قدرٌ على حدّي الحلم والواقع، الرؤية والفاجعة، البطولة والمأسـاة


كتاب "مذكرات الامينة الاولى جولييت المير سعادة" الصادر عن دار "كتب" [في 256 صفحة مع صور] لمناسبة مئوية انطون سعادة، يشهد لكاتبة مثلما يشهد على الزمن والايام والمأساة. واذا كان الكتاب يثير اسئلة كثيرة اهمها، ربما، لماذا تأخر صدوره الى اليوم؟ ولعل الجواب ان الامينة الاولى وبناتها لم يردن اضافة جرح على الجروح، وخاصة الادانة التي تسوقها الامينة في وضوح ضد جورج عبد المسيح وتآمراته. والكتاب، ابعد من ذلك، وثيقة انسانية وسياسية وتاريخية حول الظلم الذي تعرضت له امرأة من الشرق بسبب النضال من اجل قضية، ونتائج الصراع على السلطة. لكن كيف تصبح الحياة وماذا يبقى من الانسان بعد معاناة صعبة وقاسية؟ كيف يأخذ السجن العمر؟ وكيف تنكسر الاحلام امام الهجرة والاقتلاع والانكسار؟ وكيف يحفر الظلم عميقاً في اثلام الوجود ويصبغ مشوار العمر والحب والنضال؟


حكاية جولييت المير سعادة تسرد تلك الوقائع: الحب والحزب والاسرة والوفاء لغائب ظلت تناديه "الزعيم" في الخاص والعام.

لذا فان ارتباطها بكل ذلك هو ارتباط وجودي كياني وليس مرحلياً عابراً. ولذا ايضا مذكراتها من صميم الحياة ومن قلب الحقيقة. كأن قدر جولييت المير سعادة مثل الاقدار في المأساة الاغريقية فيسير المرء في قدره الى آخر سطر. كانت تتمنى ان تقص هذه الحكاية وتستعيد الايام وترويها لاولادها "وهو جالس معنا يتابع حديثي" (ص 19)، لكن دون ذلك اهوال، اذ اصطبغت الحياة والذكريات بخطوط حمراء، وتلك فاجعة الابطال، في تعبيرها. وهذا الحديث يستدعي ان تعود سعادة وتروي لنا البدايات وكيف التقت "الزعيم الذي لبى دعوة لتناول فنجان شاي في بيتنا" وماذا ترك سعادة لها حين غادر المنزل "ابتسامة وشيئاً غريبا في جو البيت وفي نفس كل فرد من افراد العائلة" (ص 40). وتمضي في حكايات البدايات في الجالية في الارجنتين، وكيف كان في نزهات الطبيعة يترك لصوته العنان اوبرالياً يملأ صداه الوديان. كانت متعته في الموسيقى، وخاصة الكلاسيكية منها. وكانت تعرف حجم الصعاب ومبلغ العذابات التي تعرض لها سعادة مع الجالية ومن الاقرباء وسواهم، وشعورها بأنه كان دائماً وحيداً واحياناً متعبا ومع آلامه، لكنه "ينسى آلامه ولا يتألم الا من اجل امته التي احبها اكثر من حياته" (ص 46).


تنجح جولييت المير سعادة في مذكراتها هذه في رسم الصورة القريبة لانطون سعادة رب اسرة مكافحاً ضد الفقر وفي قلبه وعقله تعيش القضية. ويعاني احياناً من الحزب والمحازبين ومشاكلهم واحيانا من استغلال اسمه كما حصل مع ناموسه خالد اديب الذي قرر اخيرا فصله. وتحكي عن المعركة التي يخوضها بينه وبين نفسه قبل ان يقرر فصل عضو من اعضاء الحزب. تثري جولييت سعادة نصها بالتفاصيل الانسانية الحقيقية الجميلة: معاناتهما ومشاكلهما في العمل او حين ينهض سعادة ليلا ليضرب الخفافيش بعصاه ليتمكنا من النوم. غير ان الحب ظل ينبض في البيت الصغير وتكتب في لقطة شعرية: "هذا البيت الصغير الجميل كان له فيه قدسية / كان فيه قلبان يخفقان معا / كان فيه حب يتدفق على الامة / كان فيه صفاء الربيع وانشودته / هذا البيت الصغير الجميل كان فيه قضية عظيمة" (ص 65).


عن هذا الحب تكتب جولييت سعادة، وتصف محبته للاولاد "وتفرح لمرآهم في صحتهم حتى الدموع: "ما الذ هذه السعادة وتلك الدموع" (ص 68). وبعد اجتماع العائلة في الوطن من جديد تتأمله رغم الاحداث والانشغالات يرافق ابنتيه في العابهما ونزهاتهما كأن لا مشاكل خطيرة تدور حوله. يُسمع صفية قصة او يُجلس اليسار على ركبتيه ويستمع اليها تغني قصيدة او يسرّح لها شعرها بكل حنان ولطف، او يذهب مع زوجته في نزهات نحو العرزال او قرب الوادي في الليل الهادىء. وحين ينصرف الى ابنتيه تلمس السرور المتبادل في ما بينهم وتقرأ في عينيه اللطف واللذة اللتين يحدثهما هذا العمل في نفسه "وتلتقي اعيننا ونفهم معنى اطفالنا لنا" (ص 89). هذه اللحظات والمشاهد تقطفها جولييت المير سعادة من الحياة وتزرعها في الكتاب ليدوم عبيرها طويلا. تتذكر ابنتها راغدة، ولم تتجاوز الستة اشهر، كيف تبدأ الرقص في سريرها حين تسمع خطوات ابيها وقبل ان تراه، وتحدثه اليسار عن العابها واترابها في الصف، وصفية كأنها صديقته ترافقه وتسمعه القصائد والخطب. وفي البيت السهر والكتابة والعناء، وكيف ينام الزعيم على سرير وفراش هو "بالاسم سرير وفراش" (ص 92) ومدى معاناته في سبيل قضيته ولا يأبه للتعب والحرمان قائلا لها: "من يحمل قضية كبرى كقضيتنا الا يستطيع ان يحمل هذا الحرمان" (ص 92). وتذكر من كانت تراهم كثيراً في مكتب الزعيم منكبين على العمل "هشام شرابي واميل رعد وجورج عطية" (ص 100). وتروي ان كمال جنبلاط ناقش الزعيم في المبادىء والتنظيم وحدد جلسة للقسم لتعرف بعد يومين من الصحف انه اسس الحزب التقدمي الاشتراكي. ومع مرحلة الثورة القومية والتحضير لها بدأت الامور تتعقد والخطورة تزداد.

وفي حدس عجيب تستشعر الاحداث وتقول: "ارى حاجبيه مقطبين دائماً ويفكر ويكتب دون انقطاع ويردد والالم يحز نفسه ان المسؤولين لم يقوموا بأعباء المسؤولية الملقاة على عاتقهم" (ص 103). ويزداد خوفها وتسأله: هل وضعت خطة لسلامتك في حال فشلت الثورة، فيجيب: "ومتى كان الزعيم يفكر بنفسه" (ص 110). وفي دمشق تحاول المستحيل لرؤية زوجها وقد عرفت انه على موعد مع حسني الزعيم في الساعة العاشرة مساء في القصر الجمهوري: "نزل هذاالخبر كالصاعقة على رأسي" (ص 112). ادركت بحدسها ان الثمن باهظ وحسني الزعيم متقلب ويحنث في وعوده. واستشعرت الكارثة المحققة.

يتم اعدام انطون سعادة وتبدأ سلسلة العذابات والاحزان فتناضل اولا من اجل بقائها في مكان القضية رغم الضغوط والمناورات والعلاقات بين الدول واجهزتها. ومع الاسى والحزن هناك مرحلة اقامة جورج عبد المسيح في منزل عائلة سعادة، ويصير البيت مكتباً للحزب. تطلب السكن في غرفة خاصة تنعزل فيها مع بناتها. لكن الحزن لا يقعدها اذ تقوم بزيارات لقرية عمار وقلعة الحصن وتجد هناك كلمة كتبها سعادة في سجل القلعة وبخط يده: "لقد مشى الفاتحون على آثار اجدادنا اما نحن فسنضع حدا للفتوحات" (ص 142).


تعرض الامينة الاولى في هذه الفصول لوقائع الحياة الحزبية والاجتماعية والمادية والمعنوية في الشام ومصاعبها والعجز المالي والانقسامات الحزبية وقانونية استقالة عبد المسيح وعودته الى رئاسة الحزب ونقمته على الامينة الاولى ومحاولته معرفة مكانتها بين القوميين. وما عادت ترغب في البقاء في البيت نفسه الذي يسكنه كي لا يفسر انها تقف الى جانبه. الى هنا والصعاب تدور في رحاها، ولكن بعد اغتيال عدنان المالكي عام 1955 اخذت الامور منحى اشد مأسوية ومضاضة في مختلف جوانبها. يُتهم الحزب بالعملية ويتم القبض على الامينة الاولى مع عشرات المحازبين وتبدأ مرحلة اقسى وادهى في سجن المزّة وفي ظروف وشروط غير انسانية وظالمة. وفي مثل مضبطة اتهام تضع جولييت سعادة البينات والادلة في اتهام عبد المسيح بالتآمر عليها وعلى الحزب وتوريطهم فيها. وتبدأ من مراجعة مواقفه وعلاقته مع الزعيم سعادة وتقديمه معلومات مضللة عن عدد الثوار وانهم اكثر من سبعين والوقاع انهم كانوا اثني عشر.


ومن اتهاماتها الاخرى لجورج عبد المسيح:


"لم يجب الزعيم حول اثاث البيت وشحنه من الارجنتين الى بيروت معتبراً انه، اي الزعيم، محاط بمؤامرات قد لا ينجو منها.

"يؤمن لها سيارة بلا فرامل لتأتي بها مع بناتها من دمشق الى بيروت مؤكداً انه فحص السيارة وكل شيء على ما يرام.

"يجبرها على توقيع سندات لشراء آلات للطباعة وايهامها بأن الحزب يريد توقيعها لتكتشف في ما بعد ان مجلس العمد لم يوافق على توسيع المطبعة وشراء آلات جديدة.


"يترك اوراقاً سرية للغاية في حقيبة الاطفال وفي شكل ظاهر لتوريط العائلة.


"تأتي الشرطة الى المنزل وتسأل عن جورج عبد المسيح وهو موجود في المنزل ولا تفتشه خلافاً للعادة.


"مشاهدتها لابن اخت عبد المسيح يمر قرب المنزل قبل اعتقالها بنصف ساعة والشرطة تحاصر المكان (...)". هذا عدا فوضى المنزل وخصوصية البنات وكم من الظلم تعرضت له البنات بوجود عبد المسيح في البيت اذ كان يقاصصهن ويعاقبهن سواء كنت انا غائبة او حاضرة" (ص 158).


تعيش جولييت المير سعادة صدمة الخيانة والغدر وترى الرفقاء يذهبون الى الاعدام وجورج عبد المسيح يمعن في بهلوانياته ومآربه الخاصة. وتتأكد في ما بعد من اشتراكه مع عبد الحميد السراج بتدبير عملية قتل المالكي. تُصاب بنوبات عصبية وهي تفكر في وجود عبد المسيح على رأس الحزب ولا احد يعلم بمؤامراته ومخططاته، وتخاف على بناتها وتربيتهن على ايد غريبة وهي في السجن الانفرادي. وفي سجن المزّة كادت تموت من التسمم مرتين، ومن اتهام بمؤامرة تجسس مما يعرضها للاعدام. وامام هذه الآلام التي لا تنتهي تستعيد ما قاله الزعيم: "ان آلاماً عظيمة، آلاماً لم يسبق لها مثيل، تنتظر كل ذي نفس كبيرة منا" (ص 202).


وتسأل نفسها: "لماذا هذا الغدر وهذه الخيانة؟ ومن المستفيد؟ والمال الذي يقبض لبيع الوطن والقضية المقدسة هل سيفيد ابناءهم في المستقبل"؟ (ص 206). ولا تعليق امام هذا الكلام الذي يحمل نضارته الى كل زمان واوان. وبعد معاناة وضغط نفسي رهيبين تنتهي مأساة سجن المزة بالانتقال الى سجن القلعة وهو سجن مدني، وهناك ترتاح قليلا من الضغط والتوتر والعزلة والارهاب والضيق والتعذيب الذي تعرضت له. لكن الشوق الى بناتها يهيمن عليها في الليل والنهار. "خيّم اليتم في بيتنا واستوطن الحزن - تقول - ولكن لا احد يشعر". تسمع اصوات بناتها في الليل: "امي تعالي نامي قربي... امي احكي لي حكاية حتى انام" (ص 214). وتسأل نفسها: كيف يذقن الحرمان من عاطفة الابوة ثم من الامومة؟ وتحاول البحث عن شيء يهون قسوة الجدران فتجدها في اغصان الحور ومواكب العصافير: "اتأمل مواكب العصافير واحلق معها في عالم بعيد، في عالم احلامي، وكنتم دوما معي ومع الزعيم في ذلك العالم" (ص 216). واخيراً ترى بناتها بعد انقطاع ومن خلف القضبان ومعهما والدتها وشقيقتها ديانا ولا تصدق: "نجونا جميعاً في هذه المعارك العصيبة" (ص 224).


وماذا بعد هذا الماراتون والنفق الذي لا ينتهي؟ تُصاب جولييت المير سعادة بورم في رقبتها ومن هنا تبدأ اجراءات الافراج.


فالسجن السياسي في بلادنا يخرج الى المنفى او ليموت. وفي صبيحة احد ايام كانون الاول 1963 وبعد ثماني سنين من العذاب المرير تركض السجّانة وتصرخ في صوت متهدج: "مدام سعادة... العفو، العفو". تفرح، لكن اين اصبحت المشاعر والغياب والزمن "وكيف ستجد البنات وماذا تعير فيهن؟ والبنات كبرن وتعلمن وتربين فهل ما زلن بحاجة اليّ الآن" (ص 243). وبعد يومين تغادر الى باريس وتترك "البلاد التي احببتها اكثر من نفسي" (ص 245). كأن كل العذاب يهون في سبيل البلد، الحب والقضية.


"مذكرات الامينة الاولى جولييت المير سعادة" كتاب لا بد منه لتوثيق مرحلة اكتنفها الغموض والاوهام، وإضافة اساسية على سيرة انطون سعادة ونضاله وتاريخ الحزب في دقائق تحولاته، وعلى عذابات امرأة كانت دوماً على الحد الفاصل بين النقائض، الحلم والواقع، الرؤية والفاجعة، البطولة والمأساة. وكل ذلك بلغة بسيطة تنفذ الى القلب بقدر تداخلها مع الحقيقة والألم.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017