إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

اللـه، العروبة والزعيم بحث ليوسف حميد معوّض الـدين والإيمان والأعراب في نظرة أنـطون سـعـادة

سليمان بختي

نسخة للطباعة 2005-07-21

الارشيف

ينطلق الدكتور يوسف معوض في كتابه "الله، العروبة والزعيم"() (مراجعة في الدعوة القومية الاجتماعية) من حافزين ووزن. أما الحافزين فأولهما تحسس الكاتب بتألم سعادة في كل زاوية من إنتاجه الفكري بهذا السؤال: "ما الذي جلب على شعبي هذا الويل؟" وثانيهما هو حضّ هشام شرابي للكاتب أن يكتب شيئاً حراً طليقاً عن سعادة بعيداً عن الايديولوجيا الحزبية المقوننة. أما الوزن فهو على غرار الشعار الكتائبي المشهور "الله، الوطن والعائلة"، فيصبح هنا "الله، العروبة والزعيم". لكن معوض تستهويه أبعد من ذلك ايضاً الحدود والتداخلات العمودية التي رسمها الزعيم مع الإله والأفقية التي رسمها مع العروبة، وفي الامر ضمناً اشارة الى إشكاليتين لم يتم الحسم فيهما بعد هما موقف سعادة من الدين وعلاقته به، ونظرته الى العروبة وموقفه منها، ولا تزال السجالات حول ذلك موضع تجاذب وتساؤلات. يحاول معوض أخذ خلفية الموقف بظاهره، كقوله مثلاً "إن انخراط سعادة في محافل الفرماصوفية كان له تأثيره على موقفه المشكك في العبادات والخوارق والطقوس الكنسية" (ص16)، ويربط احياناً بين نقيضين او نقائض لتقريب الموقف من جوهره. ويسأل بأصوات سواه هل سعادة مفكر سوري وثني بحسب حازم صاغية؟ أم هو مفكر ذميّ "أقلوي" بحسب حبيب مالك؟ أم هو صاحب كتابات أرثوذكسية بحسب ميشال سبع؟ أم هو مؤمن بدين حركي بحسب نديم محسن؟ ويذهب معوض الى أن أدبيات الحزب أسدلت الستار أو اغفلت موضوع القناعات الدينية الشخصية مع اعتبار الدعوة القومية الاجتماعية دعوة انقاذية تنافس الديانات. وما علاقة فكرة سورية الكبرى ونشأة سعادة في جو ارثوذكسي منفتح على المحيط الاسلامي؟ هذا جانب أحادي. أما الجانب الثاني الذي يطرح فهو سؤال الوحدة السورية "مدينة الله انطاكية العظمى" لجمع شمل أبناء الطائفة؟ هل كان سعادة في النهاية مؤمناً أم ملحداً؟


يتدرج معوض في هذا الامر بدءاً من جد سعادة (انطون) الذي كان يسخر من المصلين كلما مرّ قرب الكنيسة. ثم الى والده خليل الذي تبنى نظريات داروين وترجم انجيل برنابا الى العربية. هذا الجو المنفتح وفّر لأنطون سعادة نظرة علمية نقدية الى الدين. لكن اين تظهر نظرة سعادة الى الدين؟ في كتابه "نشوء الأمم" يرى سعادة أن الدين فكرة نشأت من رعب الانسان وخوفه من الطبيعة واتقاء شرها. في الفكرة، ضمناً، موقف دهري مفاده ان العالم لا صانع له. ساجل سعادة مع الشاعر القروي وحاور فخري المعلوف في موضوع الدين. والافكار التي أوردها في الحالتين شكلت أكثر فأكثر تطور نظرته الى الدين. مع الشاعر القروي قال إن الوحي ليس أمراً حصرياً بل مرهون بالزمان والمكان نازعاً بذلك عن الدين الصفة الجوهرية أي الحقيقة المطلقة. بينما تختلف القصة مع فخري المعلوف فهنا يمتزج الذاتي بالموضوعي. يتخلى المعلوف، ويتألم سعادة، كأن الامر هزيمة شخصية له أمام خصم عنيد هو الدين. ويسأل معوض هل أحسّ سعادة ان المعركة غير متكافئة مع الموروث الديني. هذا ما يظهر في رسالة سعادة لغسان تويني: "لا خلاف مطلقاً بين ان يكون المرء محمدياً او مسيحياً في الدين... وأن يكون قومياً اجتماعياً في الدنيا". ونرى سعادة يذهب في رسالته الى المعلوف نحو الأبعد: "يمكنكم أن تنشروا أفكاركم واستنتاجاتكم في الخلق والنشر والحشر والحساب وليوافقكم على ذلك من شاء وليخالفكم من شاء". هل حاول سعادة تقويض مبادئ الديانات السموية أم سعى الى التوفيق بين عقائد متضاربة أم تفادى الغوص في المشاكل الدينية الطائفية؟ وهذا سؤال مفتوح للبحث، وللاقتراب منه سبل وزوايا وحيثيات. يقيم معوض المقارنة التاريخية مع ما حل بموسوليني قبله عندما حاول تثبيت ايديولوجيته مكان الايمان الكاثوليكي.


لا يكتفي معوض باقتباس سعادة وتحليل كتاباته ومواقفه وظروفها بل يرمي سؤاله الى القوميين ومفاده هل حاول القوميون الوصول الى ديانة توفيقية؟ ينقل معوض عن عبدالله سعادة هذا الحديث مع البطريرك الماروني في بكركي: "مذهبياً وايمانياً أنا على سنّة الرسول العربي، فهو رسول الله، وناقل كلمته اليّ. ولكنني حضارياً وقومياً أنا مع عيسى ابن مريم، الذي أحيا في رسالته تراثنا الحضاري السوري في شكل جامع ومتألق وبخاصة في نقض اليهودية ومقوماتها الاساسية، وأنا معه بأن أعطي ما لقيصر لقيصر، وما لله لله". وينقل معوض عن شرابي اختبار حالة الخوف على متن الباخرة واتجاه أفكاره نحو موضوعات دينية. ويؤكد شرابي: "لست أدري حتى اليوم ما مكنني من مقاومة هذا الجذب السلفي ورفض أوهام الطفولة والسير في طريق العقل الموضوعي". هل يختار معوض هذه النماذج ليعمم من خلالها أم ليترصد موقف الانسان القومي الملتزم؟ بين تقديس السياسة وتسييس الدين، أين وقف سعادة؟ يترك معوض المجال لهشام شرابي أن يجيب: "لم يصل الى السلطة ولكنه كان من دعاة الديانة السياسية". وهذا يفسر ربما تبشير سعادة بالانسان الجديد والحياة الجديدة وعلى طريقة الدعوة الدينية. لكن سعادة نفسه يعلن في وضوح عام 1937 "أن العالم قد شهد في هذه البلاد أدياناً تهبط الى الارض من السماء أما اليوم فنرى ديناً جديداً من الارض رافعاً النفوس بزوبعة حمراء الى السماء". لا يترك معوض نصه قبل ان يصعد فيه الى رتبة الوضوح والمعلومية.


يتضح المضمون، فماذا عن الشكل؟ ماذا عن الطقوس؟ يحلل معوض الطقوس الحزبية ويقارنها مع الطقوس الدينية المسيحية، فعودة سعادة الى لبنان في آذار 1947 اشبه بأحد الشعانين، والقسم الحزبي هو سر المعمودية، ويذكر مراسم الزواج وكلمة الحزب التأبينية في الوفاة. هذه الطقوس ليست سوى تجليات المخيلة الجماعية للقوميين السوريين. لم تنجح دعوة سعادة الى اقامة الديانة العلمانية لاصطدامها بحاجزين اثنين بحسب معوض: 1- الهوة بين سعادة وقومه في ما خص القومية الدينية، -2 خطاب سعادة نفسه الذي لم يتحرر في الشكل ولا في المضمون من طابعه الديني. وأرى أن ثمة حاجزاً ثالثاً موضوعياً لم يذكره معوض وهو العامل الخارجي المتعلق بقمع إمكان التغيير الحاسم في الشعوب أو الكيانات في المنطقة.


يرى معوض استكمالاً للخطاب الديني الذي استخدمه سعادة أنه ظل يغرف من لغة المرسلين وينهل من المصادر المقدسة والصرخات الانجيلية، أي من خطاب ديني، لتأسيس ديانة علمانية. كيف؟ خطاب تبشيري يقول فيه سعادة: "أتت تعاليمنا القومية ديناً واحداً موحداً ليرفع هذه الأمة" بين الهدف والغاية، الدنيا والآخرة، الانسان والخالق، ليبقى السؤال: أيعمل المرء من أجل انقاذ مجتمعه أم يعمل من أجل جنة الخلود؟


يختم معوض بحثه بأن همّ الزعيم كحامل فكرة النهضة أن ينزع عن سوريا تلك الطبائع الشرقية الخمولة، الا انه في صراعه مع الآلهة لم ينج من التركة الدينية ورواسبها. جاء دهرياً ينطق بلغة الرسل، وأطل نبياً يتنكر للآخرة. عند هذه النقطة يلتقط معوض الصورة المطابقة للواقع. لكن في أي حال إن الكلمة المفتاح في حياة سعادة وعبرته هي الصراع وما يضعه المرء صادقاً من ذاته في قضيته في هذا الصراع والى الرمق الاخير.


في مبحثه الثاني "الزعيم واليعربي" يلقي معوض الضوء على علاقة سعادة ونظرته إجمالاً الى العرب والى بيئته "العربة" حيث لا عمران ولا تمدن. لم يعرفوا العلم، وفنونهم مقصورة على الغزو والسلب والاحتيال ونظم الشعر. وينتقي سعادة آية من القرآن تلائم الطرح "الاعراب أشد كفراً ونفاقاً". وهل من تمييز دقيق وثاقب بين العرب والاعراب؟ يلاحظ معوض أن سعادة لم يفخر بالماضي العربي ولم يلبس العقال ولا تمنطق بالسلاح. وأبعد، يعتبر ان الفتح العربي من الحوادث الطارئة العابرة الاهمية. والسؤال: الى أي حد يثبت التاريخ والواقع ذلك؟ واجه سعادة "خطي نار" اللبناني الضيق واليعربي بامتداداته، وحجبته نظرته العلمية. اعلى سعادة المزيج السلالي السوري مقابل العرق الصافي، والنموذج الاتيني المزدهر على النموذج الإسبرطي المنضبط، والبيئة الجغرافية في مواجهة رابطة القربى.


يلتفت معوض الى الناحية الادبية ليحدد النموذج المنسجم مع المفهوم لدى سعادة. لا يذكر عنترة والمهلهل، والمتنبي يأتي عرضاً، أما أبو نواس فهو الشاعر الفارسي، السوري البيئة والحضارة وذو الاسلوب المجوني البديع. ماذا جمع بينهما؟ ليس رفض التقليد والتمرد والسخرية بل رفض النموذج/ المرجع ورفض النموذج البدوي المنتج لأدب جامد متحجر وليس لأدب نهضة. رفض للصحراء وتهليل للمدينة. أما في العمران الحضاري والعمران البدوي فوجهة سعادة هي ابن خلدون والتمييز بين النموذج البدوي القادم من الصحراء والنموذج المتقدم المتمدن القاطن في بلاد الشام. لك البادية والصحراء ولنا سوريا والحضارة. يقدم معوض تفسيراً لتحليل سعادة مستنداً الى ما قاله شرابي عن تأثر سعادة بالفكر الالماني الذي كوّن عقيدته السورية الاجتماعية، او ما قاله تويني عن تأثر سعادة بالأب لامنس وهوية سوريا المتميزة. لكن كما في المبحث المتعلق بسعادة وديانته العلمانية، يتراجع ليستقطب، نراه في محاضرته الرابعة يحاول استمالة العروبيين بقوله إن الأمة السورية احدى أمم العالم العربي، او احدى الأمم العربية. وفي السطر الاخير أن الزعيم ما رسم هذا السور الايديولوجي الا خشية من الربع الخالي على الهلال الخصيب.


كتاب "الله، العروبة والزعيم" محاولة بحثية متمكنة ومراجعة ثاقبة في الدعوة القومية الاجتماعية. واذا كانت الشروط المتكاملة يشوبها الحذر فإنها تثير اسئلة جديرة بأضواء جديدة وتعيد الاعتبار الى فكر سعادة من خارج القوننة الحزبية بل بكونه مفكراً نهضوياً حراً طليقاً قادراً على المقابسة والبناء والانعكاس. ولعل ما يجترحه يوسف معوض هنا هو خلط الاوراق وتمهيد الطريق وفتح الآفاق لرؤية جديدة بعيداً عن الأسطرة والأوهام.


( ) صدر لدى "دار نلسن"، 2005.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017