إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

السياسة التركية والفخّ الاستراتيجي

د. هدى رزق - البناء

نسخة للطباعة 2016-02-27

إقرأ ايضاً


هي رسائل متعدّدة المسارات أرسلتها الولايات المتحدة بعد الاتفاق الأميركي ـ الروسي بشأن سورية. تحفظت تركيا على هذا الاتفاق، وصرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أنه يجب التعامل مع حزب الاتحاد الديمقراطي كإرهابي تماماً كداعش. وأكد رئيس وزرائه أحمد داود أوغلو أن تركيا لن تحتاج الإذن من أي شخص للقيام بعمليات واتخاذ تدابير أمنية عندما يكون الأمن في تركيا على المحك.

لم يستطع أردوغان إقناع الرئيس الأميركي أوباما في اتصال هاتفي بوضع حزب الاتحاد الديمقراطي على لائحة الإرهاب بعد تفجير أنقرة كذلك لم ينفع تأكيد داود أوغلو لجو بايدن بأنّ من قام بالتفجير قد نسق مع حزب الاتحاد الديمقراطي وحزب العمال الكردستاني. ورداً على الموقف الأميركي صرح وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو أن جون كيري قد أسرّ له بأن الأميركيين لا يثقون بوحدات الحماية الكردية ولا يفرّقون بينها وبين حزب العمال الكردستاني، لكنهم لا يصرّحون بذلك علناً بسبب سياسة إدارة أوباما.

إلا أن مسؤولاً أميركياً ردّ على التصريحات قائلاً أن واشنطن يمكن أن تعيد تقييم المساعدة التي تقدّمها لحزب الاتحاد الديمقراطي في حال قدّمت تركيا معلومات مفصلة عن الدعم المباشر الذي يجرى بين الحزبين، وأعرب عن قلقه إزاء التعاون بين الطرفين أن كان صحيحاً. كما أكد أن الفيديو الذي بثته وسائل الإعلام التركية المقرّبة من النظام، والذي يظهر أسلحة أميركية بيد الأكراد، لم تسلمه الولايات المتحدة الى حزب الاتحاد الديمقراطي بل الى قوات سورية معارضة بالاضافة الى حزب الاتحاد الديمقراطي، لكن يمكنها إعادة النظر بعلاقتها مع الحزب الكردي السوري أن قدّمت لها تركيا أدلة ملموسة حول تورطه.

وضعت تركيا وحدات حماية الشعب الكردي على لائحة الإرهاب، بسبب محاولة توسعها في كانتون عفرين في شمال غرب مدينة حلب. وفيما كانت الوحدات تتقدم نحو الشرق صرح أوغلو أن تركيا لن تسمح بسقوط اعزاز لكن القوات الكردية احتلت تل رفعت جنوب اعزاز بدعم من القوات الروسية تقدمت وحدات الحماية الكردية بتحالف مع قوات سورية الديمقراطية نحو الغرب وأخذت مارع. ومع الاستيلاء على مارع تكون هذه القوات مع قوات الدفاع الذاتي قد تحكمت بخط جرابلس منبج الباب ومارست ضغطاً من الشرق والغرب على قوات داعش حول الرقة. قدمت القوات الأميركية المساعدة لقوات الحماية من الشرق أما القوات الروسية فساعدتها من الغرب.

أكدت أنقرة للولايات المتحدة أن وحدات الحماية الكردية ستتعاون مع روسيا دون أميركا وأنها تعمل لدى الروس هذا التعاون سيحملها على وصل عفرين بكوباني والجزيرة ما سيحقق الكوريدور الكردي الذي سيفصل بين تركيا والمناطق السنية في سورية، وهذا ما سيشكل كابوساً حقيقياً بالنسبة إليها وبالنسبة الى المحور السني الذي تقوده أنقرة والسعودية بتحالف مع قطر.

شعرت أنقرة أن الولايات المتحدة تجاهلت وجهة نظرها فهي كانت تعتقد أنه بمقدورها العودة الى سورية مع قوة جوية عربية سنية حيث توجد ست طائرات اف 15 سعودية في مركز التدريب على القتال الجوي في قونيا كما أن الطائرات القطرية موجودة في قاعدة انجرليك للتدخل.

طرح بعض المحللين إمكانية أن تكون القوة السنية هي الخطة ب في يد الأميركيين في تفاوضهم مع روسيا. أو أن تقوم السعودية بتزويد المعارضة بصواريخ تاو إذا لم ينجح الاتفاق الأميركي الروسي.

تشعر تركيا بأن دورها قد همّش من خلال هذا الاتفاق لذلك شدّدت على أنه سوف يكون قصير الأجل يمكن بيعه للجمهوريْن الأميركي والروسي، لكن لا يمكن أن يستمرّ طالما لتركيا حدود تبلغ 910 كلم مع سورية إذ لها مصالح اقتصادية واجتماعية، لذلك هي لا تتوقع هدنة أو صفقة سياسية يمكنها الاستمرار من دون أخذ مصالحها بعين الاعتبار.

وفيما أعلنت بعض الفصائل السورية المسلحة التزامها بوقف إطلاق النار كانت فصائل أخرى تبدي معارضتها، بينما تلوح أنقرة بوصول أربع طائرات سعودية الى قاعدة انجرليك، فيما تشكك بعض الصحف الأميركية بنجاح وقف إطلاق النار، بعد أن أعربت عن اعتقادها بأنّ موسكو لن تلتزم به بعدما أوحى جون كيري باستعمال المخطط ب ، في حال فشل الاتفاق.

إلا أن الرئيس الأميركي باراك أوباما صرّح في خطاب ألقاه بالأمس بعد اجتماع مع مجلس الأمن القومي الأميركي أن بلاده ستبذل وسعها لتعزيز فرص نجاح اتفاق وقف العمليات العدائية في سورية، مؤكداً الحرب على تنظيم «داعش» الذي تعني هزيمته إنهاء الفوضى والحرب في سورية. وأكد أن الحرب في سورية ليست حربا أهلية فحسب، بل هي حرب بالوكالة بين قوى إقليمية. وفيما تطالب تركيا بمنطقة آمنة من أجل اللاجئين السوريين لكي يبقوا داخل سورية مدعومة بموافقة المستشارة الألمانية ميركل التي تخشى تسرّب هؤلاء اللاجئين إلى أوروبا وتحاول عقد اتفاقات مع تركيا لمراقبة تسرّبهم، يبدو كل من موسكو وواشنطن في أجواء مختلفة تماماً.

تتعرّض تركيا لخسارة استراتيجية وهي اليوم في عين العاصفة حيث تهتز صورة سياستها الخارجية في مواجهة التهديدات على حدودها. فلا الولايات المتحدة ولا روسيا في وارد تغيير سياستهما. كذلك يساهم استمرار انقرة في المنهج نفسه في إضعافها.

يعتقد بعض المحللين الأتراك أن حزب العدالة والتنمية انتهج سياسة ايديولوجية إسلامية في الوقت الذي كانت تراهن فيه الولايات المتحدة على نجاحه الاقتصادي والسياسي كنموذج للإسلام المعتدل. فتركيا لا تستطيع أن تكون زعيمة سنية، وهذا ما وضحته الحرب في سورية حين أصرت على إسقاط النظام في غضون ستة أشهر، من دون أخذ موازين القوى الإقليمية ومصالح الدول المحيطة بها بعين الاعتبار، وحين انفك الغرب عن هذا المشروع اصرت هي على المضي به.

يعتقد المحللون الأتراك أن أردوغان يتحمّل المسؤولية أكثر من داوود أوغلو كونه حاول فرض نظرته الشخصية على الآخرين. ويرون أن مشكلة تركيا تكمن في تدخلها لمصلحة محور في المنطقة في حين أن السياسية الخارجية التركية تقتضي أن الأخذ يعين الاعتبار المصالح الجغرافية السياسية لبلادها وهذا الأمر يحتم عليها لعب دور الوساطة وليس الوقوع في فخ السياسات المتطرفة لكنها وقعت أسيرة الأحادية، انحازت الى الغرب في بداية عهد أتاتورك مما اعتبر خطأ، واليوم تقف الى جانب فريق في الشرق الأوسط وهذا خطأ أكبر وهو استراتيجي. لا يمكن إصلاحه بتصرفات تكتيكية لذلك لا بد لها من تغيير هذه السياسة الخاطئة.

ضاقت خيارات أنقرة في هذا الوقت المضطرب في المنطقة حيث تجد نفسها معزولة وغير قادرة على التأثير في الأحداث الإقليمية.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018