إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

تركيا تستعدّ للقضاء على حزب العمّال الكردستاني

د. هدى رزق - البناء

نسخة للطباعة 2016-12-17

الارشيف

يتزايد الغضب الشعبي في تركيا ضدّ الأكراد، لا سيما بعد تفجير 10 كانون الأول والعملية الانتحارية في اسطنبول، بعد إعلان صقور حرية كردستان مسؤوليتهم. أدّى هذا التفجير إلى زيادة قبضة النظام التركي على حزب الشعوب الديمقراطي، إذ ألقي القبض على مئات من أعضاء هذا الحزب وغيرهم، في حملة وطنية ضدّ النشطاء الأكراد والمؤيدين لهم.

تمّ اعتقال نحو 600 شخص، حتى الأسبوع الماضي. ويتوقع المزيد من الاعتقالات في النصف الثاني من الشهر الحالي، ضدّ أعضاء حزب الشعوب. ومع أنّ رئيس الحزب المسجون صلاح الدين دميرطاش، أدان من زنزانته، في السجن، الهجوم، إلا أنّ ذلك لم يكن كافياً لتبديد الغضب الذي تعمل الحكومة على تغذيته، لأسباب تعود إلى أهمية إثارة الشعور القومي ضدّ الآخر الاثني، من أجل الحصول على إجماع حول الدستور الجديد، الذي تنوي حكومة العدالة والتنمية طرحه على الاستفتاء الشعبي.

لا يفرّق الشارع التركي، بين صقور حرية كردستان وحزب العمال الكردستاني والأكراد عموماً. إذ سرعان ما أصبح الغضب وطنياً متمظهراً في موجة جنون معادية للأكراد، يعتقد الأتراك أنّ صقور الحرية هم فرع من حزب العمال الكردستاني، أنشأه الحزب لتحميله مسؤولية الأعمال المتطرفة والعنيفة، التي لا يريد هو أن يبدو مرتبطاً بها، كونها تسبّب له الحرج أمام القوى الدولية وتظهره إرهابياً. لم يكن الغضب مقتصراً على حزب العمال الكردستاني لوحده، بل تلقت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، جزءاً كبيراً من العدائية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام المقرّب من الحكومة. وعندما زار وفد من القناصل العامين الغربيين، في اسطنبول، مسرح الجريمة، برئاسة دبلوماسيين أميركيين وأوروبيين، تجمّع حشد كبير وأطلق صيحات مندّدة بالغرب، ما حمل سفير الاتحاد الأوروبي السابق، في أنقرة، على القول إنّ قادة تركيا يتّجهون نحو طلاق واضح مع الاتحاد الأوروبي، بسبب الأجواء المحلية الحالية في البلاد، مشيراً إلى أنّ البيئة المحلية غير المستقرة في تركيا وميل أنقرة للتنديد بمن تسمّيهم أعداءها، ينتشر في كلّ مكان، من أجل زيادة المشاعر القومية ضدّ الأكراد والغرب.

وسائل الإعلام الموالية للحكومة، بدت الأكثر ضراوة في هجومها، أدانت مارتن شولتز، رئيس البرلمان الأوروبي واتهمت وسائل التواصل الاجتماعي التركية، الصحافيين الغربيين، بمعرفة الهجوم مسبقاً. تسود الكراهية الأجواء في تركيا وتسمّمها، من دون أيّ منطق، في ظلّ ميل لتبنّي نظريات المؤامرة، التي أصبحت، في السنوات الأخيرة، عنصراً رئيسياً في الايديولوجية الرسمية، ضدّ حزب العمال الكردستاني وجماعة غولن.

تتهم الحكومة الغرب، بسبب دوافع ايديولوجية وطموحات خاصة بها، بأنه يريد وقف صعود الرئيس رجب أردوغان، الذي «يسعى لبناء تركيا الجديدة». أما حزب العمال الكردستاني، فهو يعتبر جزءاً من مؤامرة غربية لإنشاء دولة كردية. وهذا الاعتقاد ليس جديداً، فالحكومات التركية السابقة والنخب الحاكمة تعتقد الأمر نفسه.

سادت نظريات المؤامرة منذ تولى أردوغان الرئاسة، أيّ خلال السنوات الثلاث الماضية، في حملة لم يسبق لها مثيل. يصدّق ملايين من الأتراك، هذا الأمر. وبالتالي، تثار الضغائن ضدّ من يُعتبرون متآمرين، أيّ الغرب، الذي يتعاطف مع حزب العمال. هذا التعاطف هو أساساً نتاج الحرب السورية وصعود «داعش»، حيث تركز الاهتمام الغربي في السنوات الثلاث الماضية، على الأكراد وعلى الثناء على الحزب الديمقراطي ووحدات الحماية الكردية، المقاتلين ضدّ «داعش». يشترك هؤلاء في الفكر السياسي والايديولوجي الذي وضعه زعيم حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان. ويتلقى حزب العمال الكردستاني في بعض الأحيان، الثناء في وسائل الإعلام الغربية، لكونه «حركة تقدّمية جلبت المساواة بين الجنسين في المجتمع الكردي».

يعتبر المحللون الأتراك، أنّ حزب العمال الكردستاني ليس على استعداد لتبديد سمعته الدولية الإيجابية، بعد مشاركته في الحرب ضدّ «داعش». ولا يريد أن ينظر اليه على أنه جماعة إرهابية. لذلك، يعتمد على وكلاء لتنفيذ الهجمات. وهو يرفض، في الواقع، أن يعترف بوجود علاقة مع صقور كردستان. في الواقع، هذه ظاهرة جديدة لم تعتد عليها أنقرة.

أتى توقيت الهجمات، في الوقت الذي يتمّ فيه نقاش النظام الرئاسي في تركيا، بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية والاتفاق على التعديل الدستوري. وكأنه يقول إنّ هذا التحالف بين الحركة القومية وحزب العدالة والتنمية، من أجل تغيير الدستور، لن يغيّر الواقع في تركيا.

طرح الأتراك تساؤلات مبرّرة، حول الكيفية التي استطاع بها المفجرون التزوّد بالقنابل والقاذفات في اسطنبول وإطلاق مثل هذا الهجوم المخطط له جيداً، في بلد يعيش حالة الطوارئ والاستنفار الأمني منذ خمسة أشهر، لا سيما بعد أن نفّذ 50000 من الشرطة، عملية واسعة النطاق لفرض القانون والنظام في كامل البلد.

لا تلقى هذه التساؤلات العقلانية، إجابات أو آذاناً صاغية في الأوضاع الحالية، فالدولة التركية لا تملك إلا ردود فعل عاطفية غاضبة ومنتقمة وعنيفة. من المتوقع أن تتخذ أنقرة تدابير أكثر جذرية في الحرب ضدّ حزب العمال الكردستاني. أصبح مشروع القضاء على التنظيم واضحاً في آلياته، حيث لن يتمّ التسامح مع الكتّاب والصحافيين ووسائل التواصل الاجتماعي، إذا تعاطفت مع حزب العمال الكردستاني. وسيجبر حزب الشعب الديمقراطي ونوابه، بأن يقدّموا استقالاتهم. وعلى الجميع قطع الروابط مع الحزب الذي سيُعامل كإرهابي.

تسوق أنقرة اتهامات ضدّ أكراد سورية، تدّعي أنّ تدريب قوات صقور كردستان على استعمال العبوات الناسفة، تمّ في معسكرات خاصة في كوباني. كذلك، صنعت العبوات الناسفة المستخدمة في اسطنبول، من المتفجرات العسكرية المستعملة في شمال سورية. وبالتالي، يتنامى تفكير في أنقرة بضرورة التدخل العسكري في كوباني، شرق نهر الفرات وفي شمال الرقة. وهذا بدوره، يعني أنّ الخلاف مع واشنطن أصبح أكثر وضوحاً.

يقول أحد المقرّبين من حزب العمال الكردستاني، إنّ أردوغان وحكومة حزب العدالة والتنمية وقادته، عقدوا العزم على إبادة حزب العمال الكردستاني. وسيعملون على إحلال السكان العرب السنّة، مكان المدنيين الأكراد في شمال سورية. ويشدّد، على أنّ الكرد لم يدافعوا فقط عن حرية الأكراد، بل أنهم تجاوزوا تلك المهمة، حيث دافعوا وما زالوا، عن المجموعات في المنطقة.

ويؤكد حزب العمال، أنه من مصلحة إيران التعاون معه ومع وحدات الحماية الكردية، للمساعدة في إنهاء التهديد «الداعشي». وترى أوساط حزب العمال، أنه يتعيّن على إيران، من أجل الحفاظ على الطريق الآمن إلى البحر الأبيض المتوسط، عبر مدينة اللاذقية الساحلية في سورية، أن تتعاون مع الأكراد في المدن الكبرى، مثل كوباني والقامشلي، في شمال سورية وسنجار في العراق. وهي نقاط ربط حاسمة في هذا الممرّ الإيراني المتوقع. لكن إنْ تمكنت الحكومة التركية من السيطرة عسكرياً، على هذه البلدات الكردية، فهي لن تكون قادرة على إنشاء مجتمعات مستدامة وستغلق إمكانية وصول إيران إلى البحر المتوسط، لذلك، من المنطقي بالنسبة لإيران، أن تتعاون مع الأكراد. لا تزال استراتيجية أنقرة في سورية غامضة، باستثناء «إبادة حزب العمال الكردستاني». وعلى مدى العقود الأربعة الماضية، لم تكن الحلول العسكرية وحدها كافية لتحقيق ذلك.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018