إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

العشائر السورية «غذاء» الجمـيع

أيهم مرعي - الاخبار

نسخة للطباعة 2018-01-23

إقرأ ايضاً


تتفق على وحدة البلاد... وتتفرّق بين واشنطن و«داعش» ودمشق

حوّل ضعف الفعالية لأبناء الشمال والشرق السوري، أبناء العشائر إلى مطيّة لمَن تعاقب في السيطرة على مناطقهم من «داعش»، وصولاً إلى النفوذ الأميركي عليها، ومن خلفه «قوات سوريا الديموقراطية». هذا الواقع بدأ يتغيّر مع عودة الدولة إلى الشرق وسعيها لإعادة حضورها في كامل الجغرافيا السورية، لكنّه لا يلغي وجود عشائر مشتتة يغلب عليها تعدد الولاءات والتشظّي في عدد مشائخها ومرجعياتها

تبرزُ العشائر العربيّة في منطقتي الجزيرة والفرات السوريّة كأبرز مكونات تلك المناطق، بما تملكهُ من تاريخ قامت عبره بدور كبير في رسم أبرز مفاصل تاريخ سوريا، وخاصة بعد الاستقلال. ولربّما العديد من العرب لا يزالون يتفاخرون بردِّ أجدادهم على الفرنسيين بأنهم يرتضون بفصل رؤوسهم عن أجسادهم، ولا يرضون بإمارات تقسّم بلادهم، وذلك خلال محاولات الفرنسيين استرضاء الزعامات العشائرية في فترة احتلالهم لسوريا.

وأظهرت الحرب التي تعيشها البلاد ضياعاً وتشتتاً في صفوف أبناء القبائل والعشائر، دفعوا ثمنه من خلال سطوة تنظيمات مختلفة على مناطقهم، وفتكهم بالكثير من أبنائها. فتمكّنت المجموعات المسلحة، وخاصة «جبهة النصرة» و«داعش»، من اختراق البيئة العشائرية السورية مع انكفاء دمشق عن الشمال والشرق السوريين لانشغالها في معارك أساسية متعلّقة بأمن العاصمة مثلاً، واحتفاظ الجيش بالمدن الكبرى على حساب مناطق انتشار العشائر.

ورغم أداء معظم الزعامات العشائرية المعروفة بولائها للدولة السورية دوراً إيجابياً في بداية الأزمة، إلا أن انجرار العديد منهم في فترة ما قبل الحرب خلف مصالحهم الشخصية والسعي للوصول الى مقعد في البرلمان أو مجالس المحافظات، أحدث شرخاً مع أبناء القبيلة وأبعد الشيوخ عن «رعيتهم»، وأخرج الكثير من الأبناء عن عباءة القبيلة أو العشيرة.

ويرى البعض أنّ الحالة «المتمدنة» التي عاشتها سوريا خلال فترة ما قبل الحرب، هي السبب وراء الابتعاد عن العشيرة، إلا أن الواقع يظهر أمراً مختلفاً، من خلال استمرار سير الكثير من القوانين العشائرية، ولا سيما تلك المتعلقة بـ«الثأر، والديّة، والتقاضي العشائري، والتكافل الاجتماعي». وفي هذا السياق، يقول الباحث صالح هواش المسلط، إن «المدنيّة التي أتت مع مواكبة التطور العلمي والحضاري، لا تتعارض مع قيم القبيلة في الشهامة والمروءة». واعتبر أن «القبائل العربية عانت من التشتت خلال الحرب، رغم أنها أغلبية في منطقة الجزيرة السورية». ورأى أن «القبيلة تحتاج إلى مجالس خاصة بها في المدن والبلدات، تمنع تشتتها، وتظهر ثقل وحجم القبائل وبما ينسجم مع الانخراط بكل مؤسسات الدولة». ورغم انخراط عدد لا بأس به من أبناء العشائر إلى جانب الدولة السورية في حربها ضد الإرهاب، إلا أنها لم تكن «بالمستوى المأمول». والعشائر التي تشكل أكثرية من دون ثقل عسكري طالبت أكثر من مرة الدولة بتسليحها لتنضم إلى معركة الحفاظ على وحدة سوريا، لكنَّ دمشق كانت ترفض وجود سلاح خارج منظومة الجيش والقوات الرديفة له.

انخرط في المقابل عدد كبير من أبناء هذه العشائر في صفوف المجموعات المسلحة التي تعاقبت في سيطرتها على مناطقهم، حتى «داعش» انتزع بيعات من الكثير منهم. وحدها الشعيطات دفعت ثمن تمردها على التنظيم. أكثر من 1500 قتيل ذبحهم «داعش» حينها، ويبرر الكثير من أبناء تلك المناطق أن الانخراط في التنظيم سببه اقتصادي، بسبب الفقر الذي لحق بمناطقهم نتيجة الجفاف وعدم وجود مشاريع اقتصادية. فالعامل الاقتصادي برز حتى قبل الأزمة، من خلال هجرة العديد من أبناء جنوب الحسكة مثلاً، باتجاه أرياف درعا وريف دمشق وحماة للعمل في معامل ومداجن وأراضي تلك المناطق، ما خلق أرضية استغلتها تلك الجماعات لترغيب الشباب بالمال. يضاف إليها الخوف والرعب الذي خلّفته تلك الجماعات، ما أدى الى صمت الكثيرين والتزامهم الحياد، وهو ما برز بـ«البيعات» العشائرية.

بدورها، ذهبت بعض القبائل، كقبيلة شمّر مثلاً، الى تفضيل «الوحدات» الكردية على الانخراط مع أي فصيل آخر، فشكلت «قوات الصناديد»، بقيادة الشيخ حميدي الهادي شيخ القبيلة، والتي أصبحت في ما بعد أكبر القوات العربية ضمن تحالف «قوات سوريا الديموقراطية ــ قسد»، مع تردّد أنباء عن خلافات متكررة مع «الوحدات» نتيجة اتهامات بتفرد الأخيرة بالقرارات. كما أن الخلاف كان يبرز من خلال تصريحات متكررة للشيخ الهادي في اعتبار الرئيس بشار الأسد هو رئيس البلاد، وأن كل المناطق في النهاية لا بد من أن تتبع لسلطة دمشق. وهو ما فُسّر بأنها رسالة تقارب مع الحكومة السورية، وتأكيد دائم على وحدة تراب البلاد.

ولعلَّ حجم التنكيل والأذى الذي لحق بأبناء العشائر، أدى الى انقلاب المزاج بشكل كبير لمصلحة الدولة، وتضاعف أعداد القوات العشائرية المقاتلة إلى جانبها. وهنا يرى عضو مجلس الشعب، وشيخ قبيلة طي، الشيخ محمد فارس الطائي، في حديث إلى «الأخبار» أن «العشائر بداية الحرب كانت اتكالية، وكانت تنتظر الدولة لتأتي وتخلصها من الإرهاب، ولم يكن هناك ثقافة رد الاعتداء عن ممتلكاتهم وأرضهم، وهي ثقافة تطورت مع الحرب، وأدت أخيراً الى مشاركة الآلاف من أبناء العشائر في المعارك ضد الإرهاب».

وبعد القضاء شبه النهائي على «داعش» في الحسكة والرقة ودير الزور، لا تزال هذه العشائر تعيش تشتتاً وتعدداً في المرجعية (أكثر من شيخ للعشيرة ذاتها أو للقبيلة)، وهو ما انعكس على كل أبناء القبيلة والعشيرة، وجعل الأرضية خصبة لخلق جيوش ومجموعات بمشاريع متعددة من أبناء العشائر من خلال ترغيبهم بالمال، نتيجة ارتفاع نسبة الفقر. وهذا التشتت جعل إمكانية توحيد العشائر والقبائل مهمة صعبة، وخاصّة أن مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية، وخروج الدولة السورية من هذه المناطق منذ أكثر من خمس سنوات، يهدد تلك المناطق بمزيد من التشتت. وانطلقت منذ عامين مبادرات لتنظيم القبائل، بدأتها قبيلة طي، بالإعلان عن تشكيل «مجلس قبيلة»، عمله الأساسي توطيد العلاقات مع كل أبناء المجتمع، ودعم انضمام أبنائهم الى صفوف الجيش والقوات الرديفة. وأتت محاولة «قبيلة الجبور» (إحدى أكبر القبائل في الجزيرة السورية) لملمة العشيرة، وتأسيس مجلس لها، إلا أنها لاقت اعتراض البعض لناحية الهيكلية التنظيمية للمجلس. وفي هذا السياق، يقول الشيخ حسن محمد المسلط، شيخ قبيلة الجبور، إن ما قاموا به هو «محاولة للم شمل العشائر، كون المرحلة حساسة وتحتاج الى تكاتف جهود الجميع للحفاظ على السلم الأهلي، ووحدة البلاد واستقرارها». فيما يرى شيخ عشيرة البو خطاب، الشيخ محمد حسناوي الجدوع، أن «المرحلة تتطلب توحيد أبناء العشائر، ووقوفهم صفاً واحداً مع الجيش والقيادة، ضد كل المشاريع التي تستهدف المنطقة، وخاصّة الجزيرة والشرق السوري».

وتعوّل واشنطن على أبناء العشائر في المنطقة الشرقية، وصولاً الى منبج، لتشكيل «القوى الأمنية المحلية لحماية الحدود شمال سوريا»، لتطمين أنقرة بوجود عشائري عربي ضمن صفوف الكرد على حافة الأناضول الجنوبية، ولتجنب أي صدام عربي/ كردي مستقبلاً في حزام من القرى ذات أغلبية عربية في الشمال السوري، وذلك من خلال تنظيمهم بأفواج، وصرف رواتب بمقدار 200 دولار للفرد، في محاولة لتكرار تجربة «قسد» التي تقول الإحصاءات غير الرسمية إن أكثر من 75 في المئة منهم، هم من العرب. خطوة واشنطن قابلها حراك للدولة السورية، من خلال السعي لتأسيس كتائب الحماية الذاتية لتنظيم أبناء مناطق ريف دير الزور والرقة، وضمان وجود أعداد كبيرة تضمن أمن المناطق الحدودية، بالإضافة إلى فتح مراكز استقطاب لصفوف الجيش والقوات الرديفة في ست محافظات، من بينها المحافظات الشرقية الثلاث (الرقة، الحسكة ودير الزور). كما أن الدولة السوريّة ومع إعادة حضورها في الشرق، أرادت إيصال رسائل الى كل المنخرطين بالتعاون والتعامل مع واشنطن، أن ذلك لم يعد مقبولاً. وهذا ما برز في تصريحات للرئيس الأسد الذي وصف كل من يتعامل مع واشنطن بـ«الخائن»، تبعتها بيانات لوزارة الخارجية وتصريحات متكررة لدبلوماسيين سوريين في السياق ذاته. لذلك، في ظل غياب أي تقارب بين الحكومة و«الوحدات»، واستمرار تأليب واشنطن الكرد والعشائر ضد حكومتهم، ينذر بعدم استقرار تلك المناطق. وهذا ما برز أخيراً في الاحتجاجات التي شهدتها مدينة منبج، والتي قد تتكرر في مدن أخرى. ويعلّق مصدر حكومي سوري على ذلك بأن «ما يحصل هو طارئ، وما سينهيه بالدرجة الأولى هو إرادة أبناء تلك المناطق». وأضاف أن «ما حصل في منبج ويحصل في عفرين، سيثبت أن الدولة السورية هي الضامن الوحيد لكل أبنائها».

-----------------------------

الشعيطات وحرب «داعش»

قاتلت عشيرة الشعيطات، التي تُعَدّ إحدى أهم عشائر قبيلة العقيدات تنظيم «داعش»، ورفضت مبايعته عندما سيطر على معظم محافظة دير الزور في عام 2014، وهو ما أدى إلى فتك التنظيم بأبناء العشيرة وتشتيت معظم أبنائها. ونجح التنظيم من خلال جرائمه بحق الشعيطات، في فرض سطوته الكاملة على كل عشائر المنطقة، التي تخوفت من مواجهة ذات المصير. اليوم، ما زالت أبرز القرى على الضفة الشرقية لنهر الفرات، التي شهدت مجازر «داعش» بحق أبناء العشيرة، في يد التنظيم، حيث تدور محادثات بينه وبين «قوات سوريا الديموقراطية»، لترتيب اتفاق حول تلك المناطق من دون قتال.

ولم تتمكن المأساة التي تعرض لها أبناء الشعيطات، في توحيد بندقيتهم لمصلحة طرف واحد، فتوزع أبناء العشيرة على القوى التي قاتلت «داعش». إذ تطوع المئات من أبنائها للقتال مع الجيش السوري، فيما انضم آخرون إلى فصائل «الجيش الحر»، وخاصة «أسود الشرقية» الذي يقاتل حالياً ضمن فصائل «درع الفرات». وانضم العشرات منهم إلى «قوات النخبة» التي كان يديرها أحمد الجربا، قبل أن ينشقوا في آب الماضي إلى «قسد»، ويسهموا في السيطرة على بلدة أبو حمام، وباقي المعارك في تجمّع قرى الشعيطات وبلدة هجين في الريف الشرقي لدير الزور.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018