إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

في ميلاد الزعيم.. بلوغ الغايات النبيلة تضحية وصراع

معن حمية - البناء

نسخة للطباعة 2018-03-01

إقرأ ايضاً


لم يعش بيننا إلا قليلاً، لكنه عاش فينا، وما زال معنا هادياً وزعيماً ومعلماً، يثير بنا همّة العزّ كي لا يُقعدنا التواني، يمدّنا بالعزيمة فتنبض قلوبنا حياة متجدّدة، وإيماناً، يزول الكون ولا يزول.

لم يعش بيننا إلا قليلاً، لكنه حاضر بيننا ومعنا حتى في التفاصيل، لكأنّ الرصاصات التي اخترقت صدره قتلت موته، فصار ينبعث في كلّ موقف وعند كلّ محطة، في كلّ الآحايين.

ها هو في الأجيال الجديدة وفي أجيال الأمس يزداد حداثة وعراقة في آن، ونظرته هي هي المشدودة إلى المستقبل، نكتشف فيها كلّ تجدّد وراهنية، وتعاليمه كأنها قُدَّت اليوم تقدّم دلالاتها على عقود من التحوّلات والمبادئ التي أصبحت نبراساً في هذه العتمة الموحشة. وهي مشروع الحياة المستمرّ بإرادة الصراع من أجل رسالة الحق والخير والجمال. وهذه دلالة تؤكد ميزة شرعة العقل المحصّنة بالأصالة القومية، المتمسكة بالسيادة انطلاقاً من قدسية الحق.

هو أنطون سعاده الذي أدرك أنّ كلّ أمر خطير لا يستقيم إلا بالتضحية، ولذلك أقبل على الاستشهاد من دون تردّد، فسَنَّ لنا شريعة فريدة، هي شريعة الفداء لنحيا أحراراً، مثبتاً قاعدة جديدة، مفادها أنّ بلوغ الغايات النبيلة لا يتمّ من دون تضحية وصراع… وبإرادة الصراع قرّر أن يصون الحق ثقافياً، وحضارياً، وسياسياً، وتاريخياً، وحقوقياً انطلاقاً من المفهوم المعبّر عنه بالقول «مَنْ يسقط في العراك غير مستسلم يكون قد غُلب لكنه لم يُقهَر». وهو الذي لم يتوان، والأمة مجزّأة الأوصال، عن الدعوة إلى استعمال النفط كسلاح أنترنسيوني ضدّ المصالح الصهيونية والاستعمارية، مما اعتبر نداء مبكراً غير مسبوق للتسلّح بالقدرة التي تمتلكها أمتنا وعالمنا العربي في المواجهة.

سعاده رسم استراتيجية المواجهة القومية حقوقياً، بعد أن حسم بتثبيت أنّ الأرض تشكل عاملاً رئيساً لنشوء الأمة والقومية، وأنّ القضية القومية تتحصّن بالحياة الصاهرة على أساس التفاعل مع الأرض ومواردها. وعلى هذا الأساس أكد في مذكرة إلى الجمعية الأممية في 14 كانون الأوّل/ ديسمبر 1936: «أنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي يعدّ كلّ عمل يقصد منه بتر لواء الاسكندرونة عن جسم سورية أو وضع حدود لسيادة الأمة السورية على هذا اللواء، خرقاً لحرمة سيادة الأمة السورية».

ولذلك أكد: «ليس من حق جمعية الأمم المتحدة كلها أن تفرض على الأمة السورية مقرّرات تنزع سيادة الأمة السورية عن وطنها أو حقها في أرضها»، وأنه «ليس لجمعية الأمم المتحدة كلها أن تعتمد إلغاء حق الأمم في تقرير مصيرها بنفسها» 1937 .

وفي مذكرة أرسلها إلى العصبة الأممية في 14 تموز 1937 حول مشروع التقسيم، كان سعاده حاسماً في تأكيد أنّ هذا المشروع يتعارض مع مبدأ السيادة القومية، ومع المادة الثانية والعشرين من ميثاق العصبة الأممية، التي تمنع من الوجهة الحقوقية الإنترنسيونية أيّ تصرف حقوقي من الدول المنتدبة يمسّ سيادة الدول المنسلخة عن السلطنة العثمانية. وقد جاء قرار الأمم المتحدة الصادر في 14 كانون الأول/ ديسمبر 1960 مؤكداً حق الشعوب في تقرير مصيرها، واستقلال جميع البلدان المستعمرة، إذ قضى بـ»إبطال كلّ محاولة يكون الهدف منها التفكيك الجزئي أو الكلي للوحدة الإقليمية لأيّ بلد من البلاد» بمثابة إبطال لقرار التقسيم الذي قاومه أنطون سعاده بكلّ ما أوتي من عزم وعزيمة.

ويندرج رفض سعاده لمقرّرات اللورد بيل ومعاهدات «سان ريمو» و»سيفر» و»لوزان» في سياق استراتيجية الدفاع عن الحق، وهو أثبت أنه زعيم أمة صاحبة حق، وقد أنبرى لمحاكمة الهيئات الدولية لاعتدائها الآثم على سيادة الأمم الحرّة، وذلك من خلال قوانينها والمواثيق التي قامت على أساسها.

من هذا المنطلق، يتّضح أنّ إطلاقية الحق القومي عند سعاده، تنطلق من مفهوم مرتبط بحق الأمة في الحياة والسيادة على كامل التراب القومي. وهذا مفهوم قومي وإنساني للحق بامتياز، وهو التجسيد الفعلي لكوننا «سوريين والسوريون أمة تامة». وعلى هذه الإعتبارات القومية أسّس سعاده حزبه موضحاً في مقدّمة دستوره أنّ «غاية الحزب السوري القومي الاجتماعي بعث نهضة سورية قومية اجتماعية، تكفل تحقيق مبادئه وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوّتها، وتنظيم حركة تؤدّي إلى استقلال الأمة استقلالاً تاماً وتثبيت سيادتها…».

هذا المنحى الحقوقي في الصراع شدّد عليه سعاده في مجمل خطبه وكتاباته، خصوصاً في أدبياته التي أراد فيها التنبيه والتحذير من المخطط الاستعماري الرامي إلى تكريس واقع التجزئة القومية، وتثبيت مفاعيل الصكوك الاستعمارية التي قضت باغتصاب وسلخ واحتلال أجزاء من أمتنا، ماضياً وحاضراً، حيث أخذت القوى الاستعمارية على عاتقها دعم ومساعدة اليهود، ليؤسّسوا على أرض سورية الجنوبية فلسطين كياناً عنصرياً شكّل منذ نصف قرن ونيّف مركزاً متقدّماً للإرهاب والعنصرية والانغلاق، وقد حدّدت وظيفة لهذا الكيان العنصري هي إبادة أبناء فلسطين وتشريدهم، وتأمين السيطرة التامة على هذا الجزء من سورية الطبيعية، بغية تأمين بوابة العبور لفرض الهيمنة الكاملة على الأمة.

في ذكرى ميلاد أنطون سعاده، نرى أهمية قراءة أنطون سعاده من قبل أخصام فكره وحزبه، بعقلية متحرّرة من ماضوية اصطدمت بجدران سميكة من الصنمية والحتميات المغلقة على الحوار… من أجل مغادرة كهوف السلفية إلى رحاب مجتمعات متنوّرة تعيد صياغة المستقبل وفق حاجات الناس، وعندئذ يصبح قيام جبهة عربية متراصة، قاب قوسين أو أدنى، خصوصاً أنّ هذا التوجه هو في صلب العقيدة التي وضعها سعاده، وهو مكرّس في غاية الحزب الذي أسّسه سعاده، الأمر الذي ترجمه الحزب حين قدّم تصوّراً إلى المؤتمر التأسيسي للجامعة العربية في العام 1944 يدعو فيه إلى تضامن أمم العالم العربي الأربع لتشكّل معاً جبهة عربية تصون كيان العالم العربي الحضاري.

في ميلاد أنطون سعاده، نرى أهمية تدعيم كلّ فكرة أو مسعىً لقيام تكتل قومي يضمّ إلى لبنان والشام، كلاً من الأردن والعراق وفلسطين عبر البوابة الشامية لضمان الالتزام بموجبات الصراع، وهذا ما يشكّل رداً عملانياً على قيام الأحلاف المعادية، ومشاريع التفتيت ودعوات «الشرق الأوسط الكبير»، ومخطط تقسيم قسمة سايكس ـ بيكو.

في ميلاد أنطون سعاده، نرى مسؤولية في السعي الحثيث من أجل إقامة علاقات إقليمية وتنميتها على خلفية ما يتهدّد أمتنا وعالمنا العربي من أخطار. فمصلحة الأمة فوق كلّ مصلحة، ولأنّ هناك مصلحة في تصفية الخطر الصهيوني الاستعماري، علينا كأمة أن ندفع باتجاه الاستفادة من كلّ الظروف الإقليمية المتاحة، ومعرفة ضبط هذه الظروف وفق أولويات أجندة الصراع القومي وتركيز قوّتنا الفاعلة لتكون ذات وزن في مواجهة ما يتهدّد مصيرنا ووجودنا، شرط المحافظة على مبدأ الحق الذي كرّسه سعاده، وهو مبدأ حقوقي، يؤدّي التخلي عنه إلى الهلاك.

في المحاضرة العاشرة في الجامعة الأميركانية 1948 يقول سعاده: «ومن ناحية العالم العربي يرى الحزب سلوك طريق المؤتمرات والمحالفات التي هي الطريق العملية الوحيدة لحصول تعاون الأمم العربية وإنشاء جبهة عربية لها وزنها في السياسة الانترنسيونية».

كما يقول: «ولكن السيادة القومية مبدأ تجب المحافظة عليه في جميع المحالفات والعقود».

ويقول سعاده في 12 نسيان 1949 «حق الصراع هو حق التقدّم. فلسنا بمتنازلين عن هذا الحق لمن يبشروننا بالسلام ويهيّئون للحرب».

في ميلاد سعاده، نؤكد معه تمسكنا الحاسم بالحق، وإيماننا الصارم بالمبادئ، وبكلّ ذرّة من تراب الوطن السوري وهذا هو مضمون البعد الحقوقي والإنساني لحركة تحرّرنا القومي.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018