إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   ادب وشعر  
 

رفيقان مناضلان من بلدة "بتغرين" أديب طانيوس المر مخايل كريم المر بقلم الرفيق طنوس المر

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2020-07-29

إقرأ ايضاً


بتاريخ 03/07/2018 عمّمنا ما كان أعدّه الرفيق المربي طنوس المر عن الحزب السوري القومي الاجتماعي في بلدة "بتغرين". هنا نبذة تعريفية من إعداد الرفيق المرّ عن كلّ من الرفيقَين المناضلين أديب طانيوس المر ومخايل كريم المر(1)، ننشرهما مع كلّ تقديرنا للعمل الجيد الذي قام به الرفيق طنوس المر.

ل. ن.

*

الرفيق أديب طانيوس المر

1945 – 1991

ولد في بتغرين في العام 1945.

أبوه: طانيوس المر، عامل زراعي،

أمه: مريم عيد المر، ربة بيت،

رُزق الوالدان بأربعة صبيان وثلاث بنات: فيليب، حبيب، يوسف، أديب، وأليس وسلوى وعفيفة.

أوضاع الوالدين المعيشية والمادية لم تسمح لهما بإرسال أولادهما إلى المدارس، الرسمية أو الخاصة، ما عدا الصغير أديب الذي تكافلت العائلة جميعها فتمكنت من إدخاله ثانوية دير مار يوحنا للرهبانية الكاثوليكية الشويرية، هناك تمكن الطالب أديب من الحصول على شهادة بكالوريا القسم الثاني فرع الرياضيات.

بعد حصوله على الشهادة الثانوية، انصرف أديب إلى التعليم في المدارس الخاصة، إذ إنه فشل في الحصول على وظيفة حكومية لعدم توفر واسطة من زعيم سياسي أو وزير.

أول مدرسة مارس فيها رسالته كانت مدرسة البيت اللبناني لصاحبها الدكتور ميشال جميل سماحة في بتغرين، بعدها علّم في الكلية الشرقية في زحلة وانتهى به المطاف في ثانوية المغتربين في قرية ديك المحدي، والتي تبدل اسمها إلى ثانوية فينيقيا فيما بعد(1).

في فتوّته تعرّف أديب على رفقاء أعضاء في الحزب السوري القومي الاجتماعي، وصار يرافقهم إلى حضور حلقات إذاعية وطّدت في نفسه الروح والتعاليم القومية، تتوّجت بانتمائه رسمياً إلى صفوف الحزب في العام 1963.

كان الرفيق أديب من الناشطين على الصعيد الإذاعي، إذ حوّل بيته إلى منتدى يجمع فيه المواطنين من طلاب وطالبات وغيرهم، ويلقي عليهم دروساً وشروحاً في العقيدة القومية وتعاليمها، كما كان يقوم بما يُلقى على عاتقه من مهمات حزبية ضمن مديرية بتغرين ومنفذية المتن الشمالي.

اشترك الرفيق أديب في دورات تدريبية عدة في لبنان، وخاصة في الكيان الشامي.

عندما بدأت الأحداث اللبنانية، قامت عناصر كتائبية بالهجوم على مركز الحزب السوري القومي الاجتماعي في بلدة بكفيا، فما كان من الرفيق أديب المر إلا أن اتفق مع رفقاء له وهاجموا بيت حزب الكتائب اللبنانية في قرية عين التفاحة، وعملوا فيه تخريباً وتحطيماً، وذلك ردّاً على تحطيم عناصر حزب الكتائب لمركز الحزب القومي في بكفيا.

حماس الرفيق أديب لم يقتصر على العمل الإذاعي، بل تعداه إلى العمل العسكري، إذ إنه انخرط في صفوف المقاتلين أثناء الأحداث اللبنانية، واشترك في العمليات القتالية وكان مسؤولاً عسكرياً في قرية مشيخا المجاورة لبلدة المتين عندما دخلت قوات الحزب تلك المنطقة، ممّا حال دون حدوث مجزرة دموية رهيبة عندما حاولت ميليشيات طائفية الدخول إلى القرية والانتقام من أهلها، وجميعهم من المذهب الماروني، فعمد الرفيق أديب ومن معه من القوميين إلى جمع أهالي مشيخا في الكنيسة وحماهم من أي أذى ومن أي جهة كانت، مما ترك أثراً جيداً في نفوس أهالي مشيخا ما يزالون يتحدثون عنه إلى اليوم.

الرفيق أديب مشبع بالتعاليم القومية، مرتوياً من معين روحها الصافية الخالصة من كلّ أدران الطائفية وعصبيّاتها البغيضة، عافت نفسه ممّا صادف من تصرّفات بشعة فاعتزل القتال وسافر إلى الأردن بحثاً عن عمل يكسب فيه لقمة العيش.

الا انه، لم يجد هناك ما يريد، وبعد أن مكث بعض الوقت غادر إلى أوروبا وكانت وجهته الآن إلى فرنسا.

الرفيق أديب يتقن اللغة الفرنسية، لذلك وفّق إلى إيجاد عمل في معمل من المعامل التي يمتلكها مواطن لبناني، وهكذا اطمأن باله إلى معيشته فعمد إلى تأسيس عائلة مقترناً بفتاة فرنسية "أولغا" رُزق منها بطفلة سمّاها "سلوى".

خلال إقامته في فرنسا، التي امتدت من العام 1977 حتى وفاته 1991، انخرط في العمل الحزبي بنشاط ومثابرة، وعمل رفيقاً ومسؤولاً في صفوف أعضاء مديرية باريس، وبقي يجاهد ويناضل بالرغم من وقوعه في مخالب مرض عضال ظلّ يفتك بجسده حتى انهارت قواه وأسلم الروح، لكنه لم ينسَ أن تكون وصيّته الأخيرة أن يدفن في تربة بلاده وأن يختلط جسده بترابها، وتم ذلك في 25/3/1991.

عمل رفقاؤه في فرنسا والوطن مع أهله، وتم نقل جثمانه إلى البلدة التي كانت مسقط رأسه والتي فيها رأى النور وعاش طفولته وشبابه ودفن في أرجائها أحلامه ورؤاه، ليستريح من عناء هذا المشوار في ساحات النضال والقتال تاركاً وراءه نفوساً تغذّت بما بذره فيها من نفسه من بذور قومية اجتماعية بأنّ الحياة كلها تختصر بالقول المأثور: إنّ الحياة وقفة عز فقط.

*

مخايل كريم المر

17/02/1936 – 24/10/1994

والده: كريم شعيا المر

وأمه: نديمة داغر.

ولد في بيت بسيط ونشأ فيه وسط عائلة مكوّنة من ثلاث فتيان وفتاة.

دخل المدرسة الرسمية في بتغرين وحصّل علومه الابتدائية التي تسمح له بإتقان القراءة والتعبير إلى حدّ ما عن أفكاره.

ترك المدرسة فأحوال أبيه المادية لا تسمح له بمتابعة دراسته وتحصيله العلمي. لقد كان كريم شعيا المر أسطورة في بتغرين والجوار بقّوته الجسدية الهائلة. بُنيته جبارة، عضلات مفتولة، قفص صدري تكاد تكون أضلاعه صفيحة واحدة، ووجه لو وجد رسام فتان يرسمه لوجد خير مثال يظهر مكامن القوة والمهابة بتقاسيمه كما سترى.

سافر كريم إلى أميركا وهو فتى، ساعياً وراء رزقه، فالحياة ضاقت به في بتغرين. في الولايات المتحدة الأميركية حاول العمل عاملاُ في مصنع، هناك اكتشف زملاؤه ورؤساؤه قوّته الجسدية الهائلة التي لم يعرف كيف يستثمرها لما فيه من طيبة القلب والبعد عن الخبث والحسد، فأقنعه أحدهم بأن يستفيد من هذه العطية من الله، وذلك أن وعده بأنّ أجرة تفوق راتبه الذي يتقاضاه عن عمله في العمل بأضعاف وأضعاف.

لقد قبل كريم أن يكون مشهوراً في تلك الأيام، معروفاً بِاسم "دمبسي Dampsi"

كريم من أين له أن يعرف فنون هذه الرياضة، وقد نشأ في قرية، غاية ما عرفه فيها المعول والشوكة وحملة الحطب التي يعجز عن حملها ثلاث أو أربعة رجال على الأقل.

تمّت الموافقة وعُيّن الموعد لقاء شيء زهيد من المال، ولكنه في عين كريم كان مبلغاً لا بأس به إذا ما قيس بأجرته في العمل.

في الحلبة التقى الجباران، وكان أن فاجأ الأميركي "كريم" بضربة من قبضة يده الفولاذية، فكسر ضلعاً من أضلاعه، فما كان من بطلنا إلا أن سدّد إلى صدر خصمه ضربة واحدة بقضبة يده وكأنها من مطرقة حديدية لا قبضة من لحم ودم وعظم، كانت نتيجتها أن أخرجت الأميركي من الحلبة محمولاً على الأيدي لا يستطيع لا المصارعة ولا الحركة، فقد تحطّمت معظم أضلاعه ونقل إلى المستشفى .

حادثة ثانية

كان في الولايات المتحدة إنسان قد اقتنى دبّاً ضخماً ودرّبه على القتال، وبلغ من الشهرة أنّ أحداً من المصارعين حينذاك تجرأ لمنازلة الدب، فيما قبل كريم ودخل الحلبة، وبعد المقابلة الأولى مع الدب انزوى الدب جانباً ولم يعد يتحرك.

عاد من أميركا وبدلاً من أن يحمل ثروة، عاد يحمل لقباً اشتهر به في بتغرين. من لا يعرف "دمبسي"؟ يكفي أن تقول دمبسي ليعرف الجميع أنّه صارع المصارعين والدببة في أميركا، أما في بتغرين فإنه العامل الذي يستطيع بقوة ساعده وطريقته أن يكسر في يوم واحد ما يعجز عدة عمال عن تكسيره من الحجارة على الطرقات التي يعمل مع العمال لتعبيدها.

كان يعمل في دير مار يوحنا المجاور لبتغرين في تحضير الأرض للزراعة، وكان الكهنة والرهبان قد سمعوا عن قوة كريم ومقدرته الجسدية، فحاولوا اختباره فأتوا بحبل ثخين وطلبوا من كريم أن يمسك بطرف منه بينما يمسك بالطرف الأخر أكثر من عشر كهنة، وطلبوا من كريم أن يحاول جذبهم وكانت النتيجة أنه بكبسة واحدة صار الكهنة جميعهم إلى جانبه.

هذه هي الحالة والبيئة التي أبصر فيها النور في السابع عشر من شهر شباط من العام 1936

بعد تركه المدرسة دخل مخايل معترك العمل، فتعلم مهنة النجارة وعمل فيها مدة قصيرة، إذ تسنى له أن يتوظف في شركة مياه المتن، وكانت يومها ما تزال شركة خاصة مفصولة عن شركة مياه بيروت.

أثناء عمله في مصلحة مياه المتن بدأت تبرز شخصية مخايل وتتبلور وتتطور وتظهر مواهبه من شعور بالمسؤولية والأمانة في العمل ونظافة الكف وحسّه الاجتماعي، إذ انكبّ على العمل بجد ونشاط وحيوية، ونظّم كيفية توزيع المياه على القرى التي في عهدته ولم يلجأ إلى الرّشى والاستفادة من مركزه، فلم تبق بناية أو شقة في جميع هذه القرى لم تصلها حصتها من المياه.

عُرف مخايل في جميع هذه القرى بحسن علاقاته الاجتماعية، واستقامة أخلاقه فكثرت صداقاته وتوطّدت واستحق ثقة الناس ومحبتهم، فحبّه لعمله وإخلاصه له وحسن تدبيره جعلت جميع الأهالي يرتاحون له ويحترمونه.

في بدء عمل مخايل في مصلحة مياه المتن بدأت أولى اتصالاته بالحزب السوري القومي الاجتماعي. بلدة ديك المحدي تقع في نطاق منطقة عمله، وفي هذه البلدة يسكن الأمين أسد الأشقر وعائلته، وفيها الكثير من العائلات المنتمية إلى الحزب. في هذه التربة الصالحة وجد مخايل ضالّته والنبع الذي نهل منه أولى قطرات روت نفسه وبذرت أولى بذور المعرفة، وكان طرح على نفسه السؤال الأساسي: من نحن؟ من أنا؟

وجد مخايل في الحوارات والأحاديث التي جرت مع الأمين أسد الأشقر وغيره من الرفقاء الذين تعرّف إليهم، وأثمرت هذه اللقاءات عن بزوغ أنوار المعرفة في روحه وعقله وقلبه، تلك الأرض والتربة الصالحة التي كانت متعطّشة لتعاليم الحياة، و بين فجر وضحاه إذ بمخايل كريم المر يصبح الرفيق مخايل كريم المر.

انخرط الرفيق مخايل في العمل الحزبي قبلي بسنين عدة، لقد كان الرعيل الثاني في الحزب. عرفته مدرّباً في مديرية بتغرين من منفذية المتن الشمالي، عرفته عندما انتقلت أثناء العطلة الصيفية من العام 1956 في هذه السنة، وبعد أن دخلت صفوف الحزب في منفذية بيروت للطلاب الثانويين والجامعيين، وانتقلت لألتزم عضواً في مديرية بتغرين ومسؤولاً عن النشاط الإذاعي والثقافي فيها. لقد كنا ثلاثة في اللجنة المسؤولة عن مراكز الحزب في بتغرين: ميشال جبرايل سماحة وجريس رشيد المر وأنا طنوس كنعان المر، وبطبيعة عملنا هذا، وخاصة أنا، كنّا على اتصال وتنسيق كامل مع الرفيق مخايل كريم المر، كونه المدرّب في المديرية ومشتركاً في كلّ النشاطات التي كانت تتم في المركز من محاضرات ومكتبة ونشاطات ثقافية وفنية والاهتمام بفرق الأشبال فتياناً وفتيات.

إلى جانب مهمة التدريب في المديرية، كان الرفيق مخايل من أبرز المشتركين في النشاط الفني المسرحي. ففي العديد من المسرحيات التي قدّمتها الفرقة المسرحية في المديرية، كان الرفيق مخايل دائماً يقوم بدور البطل لما يتمتع به من بنية جسدية وشخصية رائعة ومقدرة فائقة في التلبس في الشخصية التي تقوم بتأدية دورها، فقد كان يملك النبرة الصوتية الرائعة والإلقاء الواضح والمتين والتواضع والمثابرة، فيتقبل ملاحظات المخرج ويعمل على تنفيذها بصبر ودقة، ولا يبدي أيّ تذمّر .

لقد قام بدور البطولة في جميع المسرحيات التي كتبها الأديب الكبير الرفيق سعيد تقي الدين:

في مسرحية المنبوذ: جواد الصحافي

في مسرحية لولا المحامي: خالد

في مسرحية نخب العدو: وسيم

في مسرحية حفنة ريح: وجيه

هذا على صعيد المديرية، أمّا في الخمسينات من القرن الماضي فقد عُيّن ناظراً للتدريب في منفذية المتن الشمالي، ولم يهمل مسؤوليته على صعيد المديرية، وراح يهتم بأمور التدريب على صعيد المتن.

كان القدوة الصالحة للرفقاء، قليل الكلام كثير الفعل، مثالاً لتحمل المسؤولية مستعداًّ لكلّ ما يكلّف به من مهام، ممّا دفعه إلى الصفوف الأولى في التضحية والاندفاع، لكن فشل المحاولة الانقلابية في نهاية العام 1961 كانت صدمة قوية في عمله الحزبي، فقد كلّف في تلك المحاولة بصفته ناظراً للتدريب في منفذية المتن الشمالي بحراسة الضباط الذين أوقفهم الرفقاء، ممّا جعله في قائمة المطلوبين وصدور الحكم عليه من المحكمة العسكرية بخمس سنين تنقّل فيها بين سجن الرمل في بيروت وسجن القبة في طرابلس.

خرج من السجن في العام 1966 أكثر اندفاعاً ونشاطاً وحماساً، وعاد يعمل في الصف الحزبي، لكن سنوات السجن أنهكت قواه ولم يعد يملك تلك القوة الجسدية التي كان يتمتع بها.

تزوّج من الرفيقة ماري إبراهيم باخوس، التي كانت شبه مخطوبة له وانتظرته مدة سنين الحبس، ورُزق منها بصبيّ وفتاتين: جورج، هتاف، جنان.

مع بداية العقد الأخير من القرن الماضي، أخذت صحته تتأخر وراح يصارع المرض بعناد وقوة، وواصل ولم تفارق البسمة وجهه ولا النكتة لسانه، وبقي محافظاً على قواه العقلية والفكرية حتى آخر لحظة، وعندما كان يعاني الألم في ساعات نزاعه الأخيرة وهو مسجّى على فراشه في مستشفى القديس جاورجيوس في بيروت كانت شفتاه تتمتمان: "لعينيك يا سوريا هذا القليل".

وأسلم الروح وانتقل إلى جوار ربه في 14/10/1994، وهكذا انقضت صفحة مشرقة من تاريخ النضال الحزبي على صعيد مديرية بتغرين في الحزب السوري القومي الاجتماعي.

ورحل ركن من أركانها بعد أن عمل وضحّى وجاهد في صفوفها، وبذل حتى آخر نفس على مذبح نشاطاتها وشعارها بقي دائماً: تحيا سورية ويحيا سعاده.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2020