إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   ادب وشعر  
 

سعاده الغائب الأكبر في حزبه (4): الأمناء قيمون على الحزب بإسم الأمة و لها.. لا عليها..!

طه غدار

نسخة للطباعة 2021-01-16

إقرأ ايضاً


عصفت في الحزب السوري القومي الإجتماعي منذ غياب سعاده عام 1949 سلسلة أزمات داخلية تكدست على مر الزمن، لنصل اليوم- بداية العام 2021- الى واقع أشد إيلاما، واقع مريض، غريب كل الغرابة عن كل ما علمنا وبشرنا به مؤسس الحزب الذي أرسى عقيدته على العلم. فكان كتابه العلمي نشوء الأمم الكتاب الثاني بعد مقدمة إبن خلدون في علم الإجتماع باللغة العربية.

نراه يشير في مقالته " العقيدة السورية القومية الإجتماعية وبحث الديمكراتيين عن عقيدة" (15.6.1942) الى السبق الذي أحرزه حزبه على سياسيي أوروبة والولايات المتحدة ".. فإن مايبحث عنه سياسيو بريطانية والولايات المتحدة اليوم قد وضع الحزب السوري القومي قواعده منذ بدء نشأته. والحزب السوري القومي الإجتماعي هو الوحيد من بين جميع الأحزاب السياسية والإجتماعية والإقتصادية التي نشأت في العقود الأخيرة في أوروبة وأمريكة الذي أوجد عقيدته الإجتماعية منذ أول تأسيسه...

إن الحزب السوري القومي الإجتماعي نشأ بتفكير الإبداع السوري المستقل، ومؤسسه لم يكتف بالنظرة الأولية، التي لم يتجاوزها حزب من الأحزاب في سورية والشرق الأدنى بل وفي أقسام وجماعات كثيرة في أوروبة عينها.. ."

ليختم مقالته بقوله، إن الفلسفة السورية القومية الإجتماعية تقدم نظرات جديدة في الإجتماع بأشكاله النفسية والإقتصادية والسياسية، جميعها.."

وقد جرت محاولات عديدة من قبل إدارات الحزب، لمركسته أو عربنته أو لبننته، أو إلباسه ثوب الإشتراكية.. وكلها لم تنجح بهمة قلة من المفكرين والمناضلين من أعضاء الحزب لتعود هذه الإدارات في آخر المطاف عن كل هذه التجارب الفاسدة.

وكتب سعاده منذ عشرينات القرن الماضي, عن أنظمة الدول المتقدمة: الولايات المتحدة، بريطانية، فرنسة، المانية وروسية وغيرها وانتقد بعضها لاسيما بريطانية وفرنسة في عدة مقالات مشيرا الى الثغرات فيهما, ولام اوروبة التي لم تتعلم دروسا مفيدة من الحرب العالمية الاولى لتعود وتقع في آتون حرب ثانية جرت الويلات على شعوبها. ودعا سعاده السوريين لدرس أنظمة "البلدان الراقية" ليتعرفوا على أنواع الأنظمة في العالم.

باشرسعاده بوضع المواد الدستورية للحزب عام 1932. وجرى حفل لمناسبة إبرام الدستور عام 1934. وعمل على تصنيفه بعد خروجه من السجن الأول عام 1937، فكان "دستور سورية"- "النظام الجديد"في غاية الحزب - كما أعلنه في خطابه في سانتياغو عام 1940".. الذي نعمل به لنجعل البلاد دائما كما تريد الأمة."

كان هذا الاعلان الواضح دليل الإفتراق عن كل الإنتاج الاوروبي والعالمي في الشأن الدستوري الذي حاولت المحكمة المختلطة عام 1936 التقليل من أهميته ورده إلى أصل فرنسي وخلوه من الإبتكار. و لإضعاف عمل سعاده وعدم إلتفاف الناس حوله.

لم تدر فرنسة إن سورية بقيادة سعاده تشق" طريقا جديدا نختاره نحن لأنفسنا ونعتمد عليه في تفكيرنا الخاص" ليعود ويشير الى انه سوف يكون هذا الطريق من "جملة الإنتاج الذي يأخذه الناس عنا" بعدما دخل "التفكير الحاضر في طور الشيخوخة في العالم كله" وان انقاذ البشرية عائد الى سورية- كما في سالف عهدها- التي تقدم" تفكيرا جديدا تنال به سعادتها وراحتها وحريتها". واضح إذن إن هذا الفكر الدستوري الذي أطلقه سعاده يؤمن السعادة والراحة والحرية لسورية وللبشرية.


ويضيف ان هذه" الفكرة الجديدة... هي الإكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد." وإن حزبه سيشيد بنيان هذا النموذج المتألق للنظام الجديد.!

أقام سعاده فكره الدستوري على أساس علمي وفلسفي في آن. فكان هذا "النظام الجديد" الذي هو" هبة سورية" الى البشرية جمعاء.

هذا النظام البديع قد جرى تخريبه من أول تعديل أجري عليه عام 1951 من قبل" أمناء" بعضهم أقسم اليمين على يد سعاده وبعضهم إستمع الى شروحاته المفصلة عن العقيدة والنظام والنهج و المؤسسات.

لم يعتمد " الأمناء "في اول تعديل على ما تركه سعاده من إرث دستوري، سواء كتاب الدستور، وشروحاته الدستورية في العديد من الرسائل، أو محادثاته الشفوية للمقربين منه قبيل استشهاده.!

واضح ان أعضاء اول مجلس أعلى كانوا من الأمناء الذين منحهم الزعيم الرتبة. وكلنا يذكر إنحراف هؤلاء خلال فتره غيابه القسرية. لذلك لم يعتمد عليهم لإنشاء مجلس أعلى اخر بعد حله المجلس المنحرف في 4 نيسان 1947. وهكذا استشهد سعاده دون ان يكون للحزب مجلس أعلى. وكان عدد الأمناء انذاك 17 أمينا.

حدد سعاده التعديل المطلوب بعد غيابه للمادتين 12 و13 من الدستور الأساسي مع ما يرافق ذلك من غياب لمصدر السلطتين التشريعية والتنفيذية (المادة 4) على ان يكون التعديل وفق النهج الدستوري السعادي.

وكان سعاده قد أوضح في عدد من رسائله انه وضع كل شيء. وانه أشار على "الأمناء" لفكره العقدي والدستوري الى الطريق الواجب سلكها لإجراء أول تعديل أعطي فقط للمجلس الأعلى في زمنه وفقا للمادة 10 من الدستور الأساسي.

خالف "الأمناء" سعاده خلال فتره غيابه القسرية في كل ما نسجه وشرحه لفكره ونظامه, ألغوا: الزعامة، المبادئ الأساسية، المبدأ الإصلاحي الخامس،المركزية، والرتب لا سيما الرتبة العليا الأمانة. فجرى تعيين رفقاء لا يحملون رتبة الأمانة أعضاء في المجلس الأعلى خلافا لتشريعاته. فتابعوا بعد غيابه عام 1949 على نفس النسق؟!

وعند تعيين أمناء جدد في بداية الخمسينات من قبل المجلس الأعلى، لم يجر اعتماد الشروط التي حددها سعاده في المرسوم السابع، فنراهم بعد خلافاتهم قد عمدوا لإجراء عملية منح لعدد من الأعضاء رتبة الأمانة لعقد تسوية داخلية لم تعمر طويلا حتى حدث إنشقاق عام 1957. فحاكم ما تبقى من أعضاء المجلس الأعلى جورج عبد المسيح في إهمال كلي لمرسوم المحكمة المركزية للزعيم عام 1949 ونص محكمة عام 1955 الذي كان المجلس الأعلى قد أنشأها آنذاك؟!

وبعد عمليه الإنقلاب الفاشلة، ودخول الإدارة الحزبية السجن, لم يعمل" الأمناء" وكان عددهم يربو على الثمانين الى اللقاء في الوطن أو المغترب لإنتقاء أعضاء مجلس أعلى وانتخاب رئيس للحزب. و بقي الحزب بلا قيادة شرعية طيلة فترة السجن. (مراجعة كتاب جوزف رزق الله-الذي أورد مجموعة رسائل بحق الأمناء و تهربهم من واجباتهم وجبن بعضهم الآخر) وبعد خروج القيادة من السجن عام 1969 نتيجه اتفاق مع السلطة اللبنانية. عقد مؤتمر ملكارت الذي أصدر قرارات منها إلغاء العمل بمرسوم الأمانة و استخدام المرسوم الرابع لإجراء عملية إنتخابية لما يسمى مجلس قومي خلافا للغاية المنشودة من هذا المرسوم وقرار بإشتراكية الحزب ويساريته وتعديل في قسم العضوية؟!


وأعيد العمل بمرسوم الأمانة في مؤتمر دوفيل عام 1974، لينقسم الحزب مجددا عام 1975. ومن ملكارت لغاية الإنقسام توالى على رئاسة الحزب 10 إدارات بين رئيس ولجان رئاسية, نتيجة خلافات بين "أمناء"على مواقع في السلطة؟..!

وقامت حركة الشهيد أبو واجب الذي أحال كل رؤساء الحزب السابقين الى المحاكمة، وكانت سبقتها حركة المنفذين العامين وانبثاق فجر منظمة الزوبعة التي قامت بأولى عملياتها في فلسطين المحتلة.

وكانت تمثيلية الوحدة عبر تسوية بين "الأمناء" عام 1978 أعقبها تعديلات دستورية منها إنتخاب لجنة الأمانة وقانون المؤتمر القومي العام!

وكان ان دعت منفذية الطلبة الدكتور عبد الله سعاده لإلقاء محاضرة له في مكتب الطلبة لمناسبة أول اذار عام 1987 جاء في مقدمتها:

".. لا يكفي ان نعالج الأعراض فى حزبنا يجب ان نعالج العلة، والعلة هي في القيادة، وأنا منها. لا أتهم غيري وأبرىء نفسي، نحن أخطانا، أحمل قسطي من هذا الخطأ. مرسوم الأمانة لو طبقناه كما نص عليه المعلم لطالبت أنا بإعفائي من شرف الأمانة. الحمد لله الذي أغنانا بكثرة الأمناء شرقا وغربا وشمالا وجنوبا لغايات إنتخابية أعينك أمينا تنتخبني. تنتخبني أسدي لك مصلحة في الحزب.. "عبر التعيين في وظيفة مركزية او إدارية.. وهكذا. ؟!

وجارى رئيس الحزب آنذاك ما جاء في محاضرة الدكتور سعاده، فألقى خطابا له بمناسبة أول اذار 1987- كتبه أحد مفكري الحزب- ومما جاء فيه: "يفترق الفكر الدستوري عندنا عن سواه لأنه عين، في مواد قانونية دستورية واضحة لا لبس فيها المعايير المعرفية والائتمانية والمناقبية والعملية التي يجب ألا يتدنى عنها مستوى الذين تناط بهم مسؤوليات السلطة السياسية العليا في الدولة.

و بهذه المعايير أمن الفكر القومي الإجتماعي للمؤسسات القيادية شروط فعاليتها في تحريك عوامل التقدم والتطور..

إن مؤسساتكم القيادية في حالة الحزب الحاضرة باتت عاجزة عن مواجهة عوامل الفساد والتناحر بسبب ما تراكم في دستور الحزب وفي بني مؤسساته العليا من حيث علاقاتها النظامية و من حيث تكوينها القيادي، من ممارسات لا دستورية باتت تقيد القيادة الحزبية، وتشلها بنظم غيرت دستور الحزب تحت شعار تعديله، فحولته الى نظام إختلاطي عاجز لا أصول له ولا قواعد، ولا معالم، ومن تطبيق فاسد للدستور كان بنتيجته جسم طويل عريض من الأمناء، في بعض حالاته ضحل المعرفة، متدني المسؤولية، مضطرب الإيمان، ضعيف الإنتماء.

لقد سقط الأساس الذي قام عليه نظام الديمقراطية التعبيرية بعامل فساد تطبيق القانون الدستوري عدد 7، او بالأصح بعامل تطبيقه لمصلحة الفئويات ومراكز النفوذ الفردية التي ما كان حرصها على تطبيق الدستور وصيانة النظام القومي الإجتماعي يساوي شيئا لها بالقياس الى حرصها على رسم الأنصار والمحازبين أمناء واكتساب الأنصار والمحازبين برسمهم أمناء..

.. ان جسم الأمناء في حالته الحاضرة لا يصلح أساسا لانبثاق سلطات قومية إجتماعية بمعناها العقيدي والدستوري والمناقبي. "واضح مما ورد أعلاه وجود إقطاع داخل الحزب يمسك بخناقه - منذ غياب الزعيم- يأتي بالأزلام والمحاسيب الى إدارة الحزب..لتحقيق مصالح فئوية و منافع شخصية؟!




الى ان كان التعديل الدستوري لجهة انتخاب لجنة لمنح رتبة الأمانة، مما أضاف على الجمل ما حمل، من وزر تعيينات لأمناء من أمثال ما سبق وصفه، حتى كان يقال ان الأمناء أضحوا اكثر عددا من أعضاء الحزب.!

والطريقة المعتمدة لمنح الرتبة تجري عبر توزيع الأسماء المرشحة على الأعضاء في المنفذيات والوحدات الحزبية ليكتب الأعضاء عن أي عمل سلبي او فاسد أتاه المرشح للرتبة، مما يدل انه لتاريخه لا يوجد ملفات فى مكتب الأحصاء المركزي لأعضاء الحزب و مؤهلاتهم العلمية والعملية. هذه الحقيقة تصفع كل عمل إدارات الحزب التي تركت الأمور تجري على غاربها ليتسنى لها فعل ما تشاء في هذا الشأن.

وقد روى لي بعض ممن حصلوا على الرتبة، الظروف والأسباب التي دفعت الإدارات الحزبية "لمنحهم" الرتبة، و كل ذلك كان مقابل خدمات متبادلة!

باختصار" أمناء" يعينون" أمناء"، مما أدى الى رفع درجة الأستزلام داخل الحزب كما جاء في الكلمات والإشارات السالفة الذكر. كل ذلك برهان ساطع على عدم أهلية من تحملوا مسؤوليات عليا، وعدم تمتع الادارات التي تمنحهم الأمانة بعقلية اخلاقية أو مسار مناقبي او تمسك بالقيم الجديدة التي أطلقها مؤسس النهضة.

ونشير في هذا المجال، إلى أنه كان يجري عملية "تطعيم" للممنوحين الرتبة العليا من أعضاء يستحوذون على كامل الشروط او بعضها الواردة في المرسوم السابع للزعيم.

لم يفت سعاده توضيح كل شيء - كما سبق الاشارة- في كل ما يخص الشأن الدستوري. ففي مسألة الرتب مثلا، واضح من المادة الخامسة من الدستور الأساسي ان كل وظيفة تقابلها رتبة موازية لها. فكان يمكن وضع سلسلة الرتب وصولا الى الرتبة العليا: الأمانة. وقد جرى إهمال هذا الشان طوال هذه الفترة لأسباب باتت معروفة. مع العلم ان أحد مفكري الحزب قد أشار مرارا و تكرارا في محاضراته ورسائله الى الإدارات الحزبية لهذا الموضوع دون ان يلقى أي إستجابة!

أما تنظيم "عبد المسيح" فقد أعفى نفسه من هذا الموضوع بعدما جرى "تعليق" العمل بالمرسوم السابع. ولم يقف الأعضاء في هذا التنظيم على أهمية مسألة الرتب. إضافة لإهمال ورودها في المادة الخامسة من الدستور الاساسي، مما كان يجب ان يدفعهم لتعليقها أيضا.!

مع العلم ان مسألة الرتب شأن يمس كل نظامنا الجديد. فبقوا في "غربة" عنه وعن الديمقراطية التعبيرية التي اعتبرها سعاده" "اكتشاف سوري جديد."

أمام واقع الحال المزري الذي أوصلتنا اليه الإدارات الحزبية المتعاقبة، وصلنا اليوم إلى طريق مسدودة. فبعد إنتخابات 13 ايلول 2020 وما تبعها من شرذمة وإنقسامات وإعلان "إستقلال" منفذيات ووحدات حزبية، بعد إعلان فوز مجموعة "أمناء" أعلنت انها تمتلك "الشرعية"، فالمسألة أضحت الى كامل جسم "الأمناء" مسألة شرعية عملية إنتخابية وليس مسألة شرعية منحهم رتبة الأمانة بالطريقة الموصوفة سابقا. وظنوا، وان بعض الظن إثم ان مسألة إقتلاع "فاسد" من صفوفهم يعد إقتلاعا للفساد بكامله من" الأمناء"، وهذا وهم لا يوقعنا به المتوهمون "بصدقهم". فالأفعى الناعمة الملمس تخبئ سما قاتلا.! ولا يمكن لجسم عليل منذ عقود ان يجترح اليوم عجيبة؟!

يعلم أعضاء الحزب اليوم لا سيما أصحاب الإدراك العالي لمجريات كل ما هو حاصل على هذا الصعيد. ويعملون بجهود عالية لتطهير الحزب من كل المفاسد والعودة للعمل وفق الأسس السليمة قوميا اجتماعيا.

ولطالما دعا العقلاء الفئة"الفائزة" اذا كانت حريصة على وضع الحزب وسليمة النوايا أن تقدم على خطوات جدية على طريق الإصلاح وتنحو لمزيد من تصويب الأمور وتتوجه لجمع كل القوميين من كل التنظيمات. لكنها كما هو واضح لتاريخه تشبثها "بنصر" موهوم غير مدركة انه من" ثمارهم تعرفونهم" فماضيها يكشف زيف المستقبل الموعود على أيديهم وانها كمثيلاتها من الإدارات السالفة التي شهدنا فصولا من فصولها، فاقدة المطالب العامة الكبرى وغير مستوعبة معنى القضية القومية الكبرى من سلسلة أعمالها السابقة، كما لا تعرف معنى المسؤولية العامة الصحيح, لذلك لا تعمل لوحدة إرادة كل القوميين, ولا تعمل لتغيير مسار الأمة, ولإنشاء تاريخ جديد تفاخر به هذه الأمة، ولا تقف نفسها على خير الأمة إقتداء بالزعيم في قسمه، ولا تعمل بموجب خطته، .!

في ظل هذا الوضع الشاذ نحن أمام صورة شنيعة: القوميون مجموعة عاقلة، مجاهدة منقادة بكل أسف من إدارة فاسدة. والمؤتمر المقترح إجراؤه في أيار القادم يجب أن يكون - في حال انعقاده - مؤتمرا مفصليا في تاريخ الحزب: مؤتمر نوعي لمجموعة اعضاء من اصحاب الاختصاص العالي، وممن تفوقوا بالإيمان القومي الاجتماعي والادراك العالي للعقيدة القومية الاجتماعية والمناضلين بامتياز لاعادة الحزب إلى خطه السليم، بعد إجراء مراجعة شاملة للوضع الحزبي الذي أتينا على بعض فصوله، لا مؤتمر "جماهيري"، كغيره من المؤتمرات السابقة لا يغير من واقع الحال الفاسد جدا.

مقابل هذا "النعيم" الذي يرتع به أعضاء الإدارات الحزبية، تعاني الأمة من "جحيم "أوضاعها المأساوية على كافة الصعد الإجتماعية والإقتصادية والسياسية. وكل ذلك بسبب تحالف قوى الفساد او الأقطاع الحزبي مع القوى السياسية الفاسدة في الكيانات السورية التي تستقوي بها في"الظروف الصعبة"! ؟

هكذا خرج الحزب عن محوره الطبيعي منذ غياب سعاده، وغدا ألعوبة بيد الإقطاع السياسي المحلي بكل موبقاته.

هذا الخراب الكبير للحزب وللحياة الحزبية التي جهد سعاده لبنائها بناءا سليما، كلها سقطت في آتون المصالح الشخصية والأنانيات الفردية لقاء "حفنة" من الخدمات المصلحية النيابية او الوزارية المتبادلة.

مقابل هذه"الحفنة" جرت عملية تحريف العقيدة، ومقابلها أيضا أجريت التعديلات الدستورية المناسبة لكل إدارة أو شخص, ليصبح الدستور عبارة عن جملة متناقضات غريبة عن فكر سعاده الدستوري. وعندما تصدت قلة من الأعضاء لهذه العمليات الفاسدة، نالت جزائها فصلا وطردا من عضوية "الحزب" لنشهد بإستمرار عمليات "فرار جماعي" لمعظم مثقفي الحزب، فحرم من إمكانياتهم وبقي الحزب وإداراته حيث هو مجرد "تابع" لسياسي محلي او كياني. وبقي القوميون الإجتماعيون "الصامدون" بعضويتهم في الحزب يقبلون بكل إنحراف وتعديل مخالف "بحكم النظام" كما كانوا في سالف عهدهم خلال فترة غياب سعاده في مغتربه القسري, رغم التوبيخ الذي نالوه في أولى محاضرات سعاده في الندوة الثقافية عام 1948 لسكوتهم على الإنحراف والفساد والخيانة لإدارة الحزب انذاك. وبعيد إستشهاد سعاده عام 1949,عادت الأمور إلى مسارها "الطبيعي"، فكان أول تعديل للدستور أول الغيث في الدرب الطويلة للتعديلات المناقضة لفكر سعاده الدستوري.

وتراخى الأعضاء - أيضا- أمام هذه الموجة الجديدة من التعديلات في الاقتداء بالزعامة القومية ومسيرتها النضالية والفذة الا قلة قليلة مؤمنة، صادقه، وفية بإيمانها بزعيمها، فكان منها الأبطال والشهداء وبعض الأعضاء الذين ارتضوا" الاقامة الجبرية" خارج صفوف الحزب.

إن التراث الدستوري والفكري الذي خلفه لنا سعاده لو أحسن العمل به من قبل أمناء يمتلكون عقلية أخلاقية جديدة ويحوزون على كامل الشروط الواردة في المرسوم السابع، لكان بالإمكان إقامة البرهان الساطع على ان هذه النهضة ليست بالشأن الغريب عن مجرى سورية الثقافي والتاريخي ولكان يمكن وضع خطط مرحلية لتحقيق غاية الحزب التي "تتناول القومية من أساسها واتجاه الحياة القومية".

هذا الشأن القومي العالي الأهمية الذي لا يقوى على معالجته إلا أصحاب عقلية أخلاقية جديدة مستمدة من تعاليم النهضة. هؤلاء هم الأمناء الحقيقيون الحائزون على كل الشروط لإستحقاقهم الرتبة العليا من أصحاب الإدراك العالي، يعتبرون أنفسهم قيمون على الحزب بإسم الأمة ولها، ولا يتصرفوا فيما يعرقل تقدمها وفلاحها وإنتصارها. ولكان هؤلاء الأمناء فعلا وقولا قد نجحوا بتقديم نموذج متألق عن "النظام الجديد" في سورية، ولتقدمه لأوروبة الغارقة في مستنقعات الديمقراطية التمثيلية ومفاسد بعض نظمها مما أدى الى قيام تظاهرات عديدة من أصحاب "السترات الصفراء" في فرنسة. إضافة لإضطرار الدول الاوروبية لمزيد من التدخل لتأمين العناية الصحية لشعوبها بعد جائحة كورونا ، ووضع استراتيجيات عامة جديدة، ولكانوا أحسنوا لفت نظر الشعب الاميركاني الى هشاشة نظامهم الذي يتلاعب فيه فرد بمصيرهم.

ان مظاهر الإنحلال والفوضى وتفشي مظهر النزعة الفردية والانحطاط المناقبي والمثالب الاخلاقية وعدم الشعور بالمسئولية العامة كلها مثالب وضع لها سعاده علاجا بتعاليم النهضة واخلاقها ومناقبها لادراكه التام أوضاع بلاده الفاقدة لكل النظم الاجتماعية والسياسية. لكن الفترة الحزبية القصيرة جدا من حياة سعاده لم تسعفه لتعليم عدد كاف من الاعضاء للاقتداء به في كل أعماله، وتدريبهم على كافة الشؤون الحزبية ليكون منهم أمناء فعليين. ولكان انتقى عددا منهم ليكونوا أعضاء مجلس أعلى.!

ويحسن بنا التذكير، ان سعاده كان قد أعلن بوضوح في أولى محاضراته عام 1948، والتي كانت نوعا من المحاكمة العلنية لإدارة الحزب المنحرفة : "كنت أتوقع في غيابي ان يكون القوميون الإجتماعيون المهتمون بالمسائل الروحية الثقافية والأسس الفكرية قد جعلوا همهم الأول درس حقيقة مبادئ النهضة... هذا ما كان ينتظر... لم يكن شيء مما توقعت.. وهذه الحقيقة تدل على انه لم يكن هناك عناية بتدريس تاريخ الحزب.. وكيف أنشأ قضية عظيمة.."

وتابعت الإدارات الحزبية بعد غياب سعاده على نفس المنوال، مما أدى لعدم حصول الأعضاء على الثقافة الحزبية الا من أجهد نفسه يدرس وحيدا، ليلم بما يمكنه الإلمام به دون ان يلقى اية عناية تذكر من إدارات الحزب. ودون ان يوضع أمامه كل تراث الزعيم وتاريخه، وأيضا دون ان يقف على كل التراث الدستورى للزعيم الذي يشكل قفزة نوعية جديدة في الفكر الدستوري العالمي.

حصل كل ذلك، لتاريخه أيضا لأن القوميين لم يقفوا بعد على إستيعاب معنى التعاقد الوارد في مقدمة الدستور. هذا التعاقد الذي يفسح لهم المجال، رحبا، لمواجهة كل المفاسد والإنحرافات داخل الحزب. كائنا من كان مقترفها.

وقد سبقت الإدارات الحزبية بمفاسدها وانحرافاتها والتعديلات للدستور التي أقدمت عليها والمخالفة كلها لخط مسيرة النهضة القومية - كما سبق وأسلفت- في نسف مسألة التعاقد معها. فأضحت إدارة لحزب آخر لا علاقة له بسعاده وعقيدته ونظامه على الإطلاق.

يذكر القوميون ان سعاده قد أعلن في خطابه المنهاجي عام 1935، إن الحزب هو "الدولة المستقلة" التي تستند الى قوة الأعضاء فقط. وإن نظامه" لم يوضع على قواعد تراكمية تمكن من جمع عدد من الرجال يقال انهم ذوو مكانة يقفون فوق أكوام من الرجال تمثل التضخم والتراكم بأجلى مظاهرهما، بل على قواعد حيوية تأخذ الأفراد الى النظام وتفسح أمامهم مجال التطور والنمو على حسب مواهبهم ومؤهلاتهم."

ليتابع قائلا: "أما الصعوبات الخارجية فتهون متى تغلبنا على الصعوبات الداخليه وتمركزت إرادة إمتنا في نظامنا، الذي يضمن وحدتها ويمنع عوامل القسمة المتفشية خارج الحزب من التسرب الى وحدتنا المتينه التي نضحي في سبيلها بكل ما تطلبه منا التضحية. " غاب نظام الدولة القومية المستقلة "في ظل غياب" القيادة الصالحة" التي تسير على خطى" النظام الجديد" الذى يتضمن الخطة الناجحة لإنقاذ سورية من كل المفاسد والأزمات والأمراض الإجتماعية التي تعاني منها.

يتضح مما تقدم ان النظام الجديد" الذي ابدعه سعاده والمتضمن خطته لخلاص سورية وتأمين استقلالها وسيادتها، وحده الكفيل بوضع سورية على خط التقدم والإزدهار. هذه الخطة التي لم يعمل بها منذ غياب سعاده، وهي مسؤولية كل القوميين الذين أقبلوا على التعاقد مع الزعامة القومية. فنراه يعلن في محاضرته في الحفلة الإفتتاحية للنادي الفلسطيني في بيروت عام 1933 جهوزية خطته و"إنه يمكننا خلال خمس سنين إيقاف القضية الصهيونية عند حد... وفي مدة عشر سنوات يمكننا إيقاف تقدم غيرنا على حسابنا وحساب وطننا عند حد.." خطة سعاده لتحرير البلاد واستقلالها وتأمين سيادتها لم تستعمل بعد في ظل وجود إدارات حزبية" تافهة" قصيرة النظر بعد تغييب دور كل المثقفين وعدد كبير من القوميين الذين أضحوا خارج الحزب بسبب فساد الادارات الحزبية.

هذه الإدارات التي أوصلت القوميين وحزبهم الى الإفلاس التام على الصعيد القومي. لتعمل على إستعطاء "حلول" موقتة تكون مجرد "مخدر" وقتي من بعض الاصدقاء والحلفاء.

بعد 90 عاما على تأسيس الحزب ليس من البساطة، لا بالمعنى الأخلاقي او المناقبي او القومي, القبول بالواقع الحزبي المليء بالمفاسد، والإقطاعات الداخلية المرتهنة لإقطاعات سياسية محلية او كيانية. و بعدما ظهرت - بشكل فاقع- مسألة الفساد في جسم الأمناء الذي لم يعد مقبولا، يبادر القوميون الذين هم مصدر السلطات بعد غياب الزعامة القومية، لا المجلس القومي ولا الإستشاري لإسترداد حقهم الطبيعي في انتخاب رئيس الحزب، لأن نظامنا ليس نظاما برلمانيا كما نوه سعاده في خطابه المنهاجي عام 1935. كما أن القوميين ما عادوا ينقادون لمن هم ليسوا قادة، ولا الإسترشاد بمن هم ليسوا أهلا ليكونوا مرشدين أو معلمين. و لن يقبل القوميون بعد ذلك بتغييب

سعاده في حزبه...


الأمة بين الحياة و الموت ولا إنقاذ لها من المصير المحتم إلا خطة سعاده يقوم على تنفيذها أمناء على عقيدته و نظامه. اليوم، ما عاد القوميون يرضون بواقع بئس المصير والخيبة الذي أوقعتهم به الإدارات الحزبية المتعاقبة.

فقد ترك لهم الزعيم الخالد "فكرة واضحة" يمكن أن يعملوا بموجبها لتأمين وجود "قيادة صالحة" ممن تفوقوا بإيمانهم الصلب وإدراكهم العالي ونضالهم الممتاز. كما يجمع القوميون في ظل الأزمة الحزبية الوجودية الحالية على تأليف إدارة موقتة لمدة سنتين تهتم بإعادة إحياء الثقافة القومية الموحدة، و تعمل بموجب "النظام الجديد" ولاغية كل التعديلات على الدستور لتاريخه، مما يسمح ببناء حياة حزبية صحية ، وبالتالي بناء عادات وتقاليد حزبية وقومية جديدة. الإدارة الموقتة هو الحل الذي يجمع كل القوميين الأصفياء والأنقياء، والأوفياء لمسيرة الزعيم الذي وقف نفسه على أمته السورية ووطنه سورية. هذه الإدارة التي ستتولى العمل لوحدة القوميين في كل التنظيمات في حركة جهادية واحدة أمينة على كل تراث سعاده وتاريخ الأبطال والشهداء الذين كانوا "الأمناء" الحقيقيين على سلوك دربه مهما غلت التضحيات بخلاف "أمناء" إستظلوا رايته لقاء حفنة مصالح تساوي"ثلاثين من الفضة".

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021