إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   ادب وشعر  
 

أنطون سعاده الغائب الأكبر في حزبه (6)

طه غدار

نسخة للطباعة 2021-03-07

إقرأ ايضاً


الإقطاع الداخلي يغيّب الحزب عن ساح الجهاد

«إنّ مهمّة صون نهضتنا القوميّة الاجتماعيّة هي من أهمّ واجبات الحزب السوري القومي الاجتماعي»

(الخطاب المنهاجي)

يعرض سعاده في مقالته «شقّ الطريق لتحيا سورية» (31/10/1947) حال الأمة قبل انبثاق فجر النهضة القومية: «منذ فقدت سورية سيادتها المطلقة بزوال الإمبراطورية السورية (السلوقية)... تعاقبت على سورية قرون من الخضوع للسيادات الأجنبية المتوالية عليها فأفقدت أهلها كل معنى من معاني القومية والسيادة القومية، وساعد اختلاف المذاهب الذي منيت به على إفقادها كل سبب من أسباب الوحدة الاجتماعية والسياسية وكل طموح إلى القوة السياسية التي يجدر بها الحصول عليها. وكان من نتائج تعاقب عصور الخضوع وحلول التصادم الاجتماعي الداخلي، والمسبَّب عن تزاحم الجماعات الدينية، محل التعاون الاجتماعي الذي هو الطريقة الأساسية لحفظ حياة المجتمع وشخصيته وتأهيله للتقدم في مراقي العمران والتمدن.. وفي هذه الحال التي عرفت فيها الأمة السورية استعبادين: الخضوع للإقطاعي المتحكم في رقاب الفلاحين وخضوع مجموع الأمة للطاغية الأجنبي، نام الوجدان القومي في سورية نومه العميق وأضاعت الأمة شخصيتها في الشخصيات الدينية المتضاربة المصالح وفي المؤسسات اللاقومية..».

حالة الإقطاع في سورية:

فقدت سورية نتيجة الغزوات العديدة كل أنظمتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحربية. وسيطرت خلال هذه الفترة الطويلة العقلية القبلية والعشائرية. وفعلت هذه «الجاهلية» فعلها في النفوس، فاحتلّت «مكانتها» العالية، وترسّخت من جراء ذلك أنظمة وقوانين شفوية، وعادات وتقاليد جامدة، وكلّها تشدّ إلى الماضي الإقطاعي والعشائري الذي يصعب الانفلات منه نتيجة الترسبات على مر العصور. فقيّدت الإنسان السوري وسيّرته وفق مشيئتها، وكأنه إنسان آلي «روبوت» لا يقوى على الحركة بدون تحريكه آليّاً.

وكان من نتيجة ذلك أن «نام الوجدان القومي نومه العميق»، وأضاعت الأمة شخصيتها في الحزبيات الدينية المتضاربة. فوقع شعبنا في غيبوبة طويلة.

وانتعشت من جراء ذلك النزعة الفردية، وبرزت الأنانيات بأقبح مظاهرها وتعاظم شرّها في بلادنا لاستقوائها بالأجنبي.

وبعد خسارة تركية للحرب الأولى، وُضعت سورية تحت الانتداب، فتصرف المنتدب بالشعب والأرض تصرّف المالك، وسكت الشعب عن كل قبائحه. وكان أن تصاعدت مرتبة رجال الدين في نفوس الشعب، فرضخ لهم رضوخ العبيد!

تمعّن سعاده مليّاً في أحوال سورية، وكيفية عودتها إلى الوجود الفاعل. وقد «انفرد» في هذا العمل «عن كلّ الذين اشتغلوا في سياسة بلادي ومشاكلها القومية». فصاغ خطة «فريدة» من نوعها لإنقاذ سورية، في ظروف واضحة المعالم له: نشوء الحركة الصهيونية وأطماعها في جنوبي البلاد السورية، الاحتلالات المختلفة لبعض الأجزاء في سورية، في ظلّ تخلّف ثقافي واقتصادي واجتماعي، وتجزئة سياسية ساهمت بها إدارتا الانتداب الإنكليزي ــــــ الفرنسي في ترسيم حدود لكيانات هزيلة، واختارتا من يمتثل لأوامرهما لتنصيبهم «قادة» على هذه الكيانات من رجال الإقطاع والعشائر والقبائل. هؤلاء «القادة» الذين تابعوا «بجدارة» تنفيذ خطط الانتداب. وامتثل الشعب للواقع الجديد، امتثال العبد لسيده. فلم يتسنَّ للشعب السوري الانفلات من هذا «الإرث» الطويل من الغياب عن التراث السوري الأصيل. باستثناء ومضات لمفكرين وأدباء سوريين قاموا بقسطهم الأكبر أمثال: المعلم بطرس البستاني، والمراش والكواكبي والشدياق والدكتور خليل سعاده وآخرين...

والحقيقة أن النشاط المميز على الصعيد الفكري لهذه الكوكبة من المفكرين والأدباء السوريين، لم يستطِع أن يوقظ السوريين على حقيقة أوضاعهم الفاسدة، وكيفية استنهاضهم من هذا «الإرث» الطويل والضاغط على العقول، وتحررهم من الإقطاع الداخلي المرتهن للإقطاع الخارجي. وترجع أسباب ذلك لعدم وجود قيادات وطنية واعية، إضافة إلى عدم وجود مؤسسات فاعلة وسط المجتمع: مؤسسات تربوية واقتصادية واجتماعية وغيرها.

وفي هذا المجال، نذكر محاولات سعاده الثلاث لتأسيس حركة تحررية في المغترب، وكيف أنه تركها غير آسف، بالنظر إلى حالة الجالية السورية التي لا تملك الحمية الوطنية، إضافة إلى قلة ثقافتها ووقوع معظمها في المثالب والمفاسد الاجتماعية والسياسية. في ظلّ «يقظة» الحركة الصهيونية إلى مطالبها في «الوطن القومي»، فقامت عدة تظاهرات لليهود في أميركة الجنوبية في العشرينات من القرن المنصرم لم تحرّك ساكناً لدى المغتربين السوريين!

عاد سعاده إلى الوطن في تموز 1930، عازماً على إنشاء حركة تحررية. فعمل في الصحافة والتدريس في دمشق، ثم قفل عائداً إلى بيروت للعمل في الجامعة الأميركية عام 1932. وكانت الأمثولة الأولى من خلال جمع 5 شبان لتأسيس حركة جهادية. فتبيّن أن اثنين منهم غير صالحين. فأعاد جمع الخمسة ليعلن لهم حلّ الحركة، وليعاود التأسيس بعد إبعادهما.

وبعد انكشاف أمر الحزب عام 1935، ودخوله السجن مع بعض معاونيه، يحدثنا سعاده كيف لاموه في البداية لإصراره على عمل بطاقات حزبية، ليعودوا بعدها للتحلق حوله في السجن. وهذه أمثولة أخرى تبرهن على ضعف «نفوس» المعاونين في مواجهة التحديات. حتى كانت أمثولة محاكمة سعاده في كانون الثاني 1936، حيث وقف موقف الند للند تجاه إدارة الانتداب، مطالباً بالحقوق السورية القومية كاملة.

والحقيقة أنه لم تجرِ الاستفادة من هذه الوقفة المميزة، لقلة الإعلاميين الوطنيين، وكثرة الصحف المبوقة للانتداب وأذنابه.

وكان من نصيب جريدة «البشير» (لسان حال اليسوعيين) التي عملت على التهجم الشخصي على سعاده بمعلومات مزيفة، زودتها بها إدارة الانتداب الفرنسي في بيروت (مراجعة كتاب اغتيال الشخصية للدكتور عادل بشارة).

فلم يُعطَ هذا الموقف الجديد ما يستحقه في الوطن. لذلك نرى سعاده يعيد نشر وقائع المحاكمة في جريدة الحزب (الزوبعة 15/03/1944) في المغترب.

وكان أن التقى، بعد ظهور الحزب، الإقطاع المحلي وأصحاب الرساميل المرتهنين لمصالحهم الفئوية على محاربة سعاده ومشروعه القومي، الذي يشكل خطراً على مصالحهم. فكان هذا الحلف الجهنمي الذي ساهم في إبقاء الشعب غافلاً عن حقيقة سعاده وخطته الإنقاذية.

إذن، كان إنشاء سعاده للحزب، في ظل تخلف ثقافي وانعدام وجود مؤسسات اقتصادية واجتماعية وثقافية، بعد 20 قرناً على غياب سورية عن الفعل في محيطها الدولي. فأدّت مخاطبة سعاده للمسؤولين الإداريين في الحزب في أول حزيران 1935 (الخطاب المنهاجي) بإعلانه انتهاء عهد «القطعان البشرية» واضعاً كامل ثقته فيهم لإقامة «الدولة السورية المستقلة»، وفقاً للعقد مع كل عضو منهم. وكان إنشاء هذا العقد لإعادة تكوين المجتمع السوري والدولة السورية والارادة السورية. طالباً منهم تحمّل مسؤولياتهم في ظروف الانتداب الذي كان يوزع إعلانات عن إعطاء «استقلالات» لبعض الكيانات السورية، في ظل انعدام وجود ثقافة لمفهوم الدولة الحديثة المستقلة. وعدم تبلور هذا المفهوم لدى عامة الشعب، ودور الدولة في بناء المجتمع والحفاظ على السيادة القومية.

ولم يتمكن سعاده من متابعة شروحاته، إذ زُجّ في السجن بعد انكشاف أمر الحزب في تشرين الثاني 1935. ليخرج منه بعد 6 أشهر. ليعاود دخوله مرة ثانية فثالثة. وليخرج من البلاد في حزيران 1938، تحت ضغط العمل لاعتقاله الرابع.

لم تُسعِف هذه الفترة القصيرة (1932 ــــ 1938) سعاده، للإدلاء بكامل شروحاته، ولتصليب عود الإدارة الحزبية ــــ في ظل قلة الإمكانيات البشرية ــــ وقلة ثقافة أعضاء الحزب. إذ كان الانتداب الفرنسي بالمرصاد لسعاده وحزبه. لا سيما بعد درس أصحاب اختصاص فرنسيين لعقيدة الحزب ونظامه، والتيقن من الخطر الذي يمكن أن يمثله الحزب واتساع رقعة وجوده في المناطق السورية.

وكان أن استعانت إدارتا الانتداب الفرنسي ـــ الإنكليزي برجالات الإقطاع والعشائر لمساندتهما في مشاريعهما التقسيمية على الصعيدين الاجتماعي والجغرافي. كما عملتا على إلباسنا «ثوب مخيط جاهز» من شكل الدولة، ووضعتا لكل كيان «دستوراً» يلائم مصالحهما.

وسرعان ما ارتضى شعبنا هذا «الثوب» الذي لا يغيّر من واقع حاله شيئاً! وتماشى معه، متماهياً عمّا سبق له من نظام لحياته العشائرية أو القبلية أو الإقطاعية. وخير مثال صورة غورو منذ مئة عام (1920) مع المحيطين به في قصر الصنوبر التي تكررت بعد مئة عام (2020) في قصر الصنوبر أيضاً مع ماكرون يحيط به نواب الشعب ـــ ممثلو الطوائف!

وخرج الانتداب بزيّه العسكري ـــ فقط ـــ في الأربعينات، مخلّفاً لنا «أشباه» حكام... إذ لم يكن شعبنا على دراية بمفهوم الدولة ومعناها الحديث ـــ كما سبق القول ـــ رافق ذلك نشوء حالات تململ من أذناب الانتداب، معظمهم من رجالات العشائر والقبائل والإمارة والإقطاع: «وقد تزعم جماعة تململ الشعب وجعلوا همّهم استثمار هذا التململ لينالوا مكانة يطمعون فيها، واستندوا في تزعمهم إلى بقية نفوذ عائلي مستمد من مبادئ زمن عتيق، تجعل الشعب قطائع موقوفة على عائلات معينة تبذل مصالح الشعب في سبيل نفوذها...» (الخطاب المنهاجي)

تلى ذلك، نشوء الأحزاب على صورة الواقع الاجتماعي والسياسي السائد، باستثناء الحزب الشيوعي السوري التابع لموسكو آنذاك. ولم تساعد طفرة الأحزاب الناشئة في ذلك الحين في إعلاء شأن مفهوم الدولة لدى الشعب، لأن أغلبيتها كانت ذات منحى طائفي ومذهبي وإقطاعي، أو مرتهنة لإدارة الانتداب ورجالاتها.

في ظل هذه الظروف المخيّمة على سورية، باشر سعاده وضع كتابه العلمي «نشوء الأمم» الذي أكمله في السجن عام 1936. ليدفعه للطباعة بدون مراجعة تحت ضغط الحاجة بمناسبة أول آذار 1938: «ولما كانت حاجة النهضة القومية إلى هذا الأساس العلمي ماسّة، رأيت أن أدفع المخطوطة الوحيدة إلى المطبعة وهي في حالتها الأصلية كما خرجت من السجن» (مقدمة نشوء الأمم).

هذا السفر العلمي الهام يُبرز تفرّد سعاده أيضاً في شرحه مفهوم القومية والأمة والدولة. وفيه درس وافٍ لحركة تطور المجتمعات ونشوء الدولة ودورها في تطور وترقية حياة المجتمع.

وعلى الأثر تقدم فخري معلوف لشرح مضمون الكتاب لمدة سنة كاملة في الندوة الثقافية. لكن اضطراره للسفر لمتابعة تحصيله العلمي أوقف أعمال الندوة أواخر حزيران 1939. وعن كتابه الثاني من هذا المؤلف، يكتب سعاده في مقدمة الكتاب الأول: «... فقد درست معظم مواده ووضعت له الملاحظات والمذكرات وهذه جميعها صودرت أثناء الاعتقالات الثانية في صيف 1936...» ولتاريخه لم يتقدم أحد لمتابعة عمل سعاده!

وفي هذا دليل واضح عن «غض الطرف» عن عمل علمي يحتاج له القوميون والشعب، منذ ذلك الحين. ما يعني الغياب الكلّي لإدارات الحزب عن سلوك هذا المنحى العلمي.

ولا يفوتني هنا ذكر الأجزاء الصادرة من مؤلف أسد الأشقر «تاريخ سورية» الصادرة منذ أكثر من عام، لم أطلع عليها بعد. يذكر سعاده في رسالته إلى الأب بولس مسعد (02/04/1946) أنه تلقى رسالة من أسد الأشقر، ولم يُسعفه الوقت لإجابته عليها. ويتابع قائلاً إنه لم يتمكّن سابقاً من «توجيهه في القضايا القومية والسياسية، النظرية والعملية، ولا من الإدلاء بشيء من تفكيري السياسي في القضية السورية الاجتماعية وفروعها، فظل تفكيره في هذه الأمور على سجيته غير مثقف بقواعدنا القومية الاجتماعية للفكر السياسي..»، يتابع سعاده في كتاب آخر (22/06/1947) إلى رفيق الحلبي قوله عن أسد الأشقر وإصداره كتاب «من صميم لبنان» الذي خلا من «كل صفة سورية وكانت دعاوة لبنانية شبيهة بدعاوة الفلانجيين والمتفرنسين».

عودة إلى ما افتعلته إدارتا الانتداب، من «تنصيب» إدارات مرتهنة لها في الكيانات التي مُنحت استقلالاً وهميّاً. ووضعتا لكل كيان «وظيفة محددة» ضمن الهلال السوري الخصيب. ثم وقعت عدة انقلابات في الشام والعراق أسفرت أخيراً عن تسلم حزب البعث الحكم في الدولتين السوريتين (1963). ولم تُسهم «تقدمية» فكر ميشال عفلق في حل المسألة الاجتماعية في الكيانين السوريين. فبقيت الحواجز الاجتماعية والطائفية والعشائرية على حالها بين أبناء الشعب السوري. فلم يتحقق التغيير الاجتماعي الاقتصادي الثقافي في بلادنا.

واعترف حزب البعث الحاكم في العراق في بيان له عام 1970 «بقوميات» مماثلة «للقومية العربية»: للأكراد والتركمان والآشوريين. وشكّل منح الأكراد الحكم الذاتي في عام 1974 طعنة نجلاء في الحياة الاجتماعية للشعب السوري وطعنة في «تقدمية» البعث وافتقاره لإحراز قفزة نوعية في الحياة الاجتماعية والسياسية في سورية. فبقي الشعب على حاله: أكراد، شركس، تركمان، علويون، سنّة... وعشائر وقبائل... كما بقي البعث بعثَين «أموياً» و«عباسياً» على حد قول الدكتور حسن حمادة. ما أفرز انقسامات جديدة بين أبناء الشعب.

وكان الحزب الشيوعي السوري قد ساير الواقع «الاستقلالي» الكرتوني للكيانات الشامية والفلسطينية واللبنانية عام 1949 فتوزع إلى ثلاثة أحزاب في هذه الكيانات.

الإقطاع الحزبي:

لم تخرج إدارة الحزب عن الواقع السائد آنذاك، خلافاً لفكر سعاده العقدي والدستوري. فكان «الواقع اللبناني» عام 1944 والحيازة على رخصة تسمح بالعمل الحزبي في لبنان، لحزب غايته: «استقلال لبنان». وأنشئت إدارة خاصة للشام، وأخرى لفلسطين!

فكان ردّ سعاده الصاعق في خطاب العودة إلى الوطن في آذار 1947، أن هذه «الاستقلالات» يجب أن لا تكون «حبوساً» للأمة. وعمل بعدها على إلغاء كل هذه المستحدثات، معيداً الحزب إلى «مركزيته التامة». ليعود أسد الأشقر عام 1972 للتصريح ومن على باب القصر الجمهوري في لبنان إثر بعض الحوادث المفتعلة، أنه «صاحب المدرسة اللبنانية في الحزب»! وكالعادة سكت كل المسؤولين والأعضاء عن هذا التصريح، في إغفال كليّ لمضمون العقد وبما ذكّر سعاده به القوميين في أولى محاضراته في الندوة الثقافية عام 1948 أنه تعاقد وإياهم على إنشاء «الدولة السورية المستقلة». واستشهد سعاده عام 1949. ولم تتكرر منذ ذلك الحين تجربة فخري معلوف في تدريس «نشوء الأمم»، أو في تطبيق قانون الندوة الثقافية (عام 1948). وهكذا بقي معظم أعضاء الحزب على ما هم عليه من معارف عادية، واعتبار الحزب مجرد جمعية خيرية!

وتابعت الإدارات الحزبية في هذا السبيل، فعملت على تحصين مواقعها داخل الحزب، وعقد علاقات سياسية مع رجال الإقطاع السياسي والديني في لبنان لاستمرار نفوذهم على الأعضاء.

وتسابق أعضاء الإدارات الحزبية لنوال رضى الساسة في لبنان واستعمال أساليبهم لتأمين مقعد نيابي أو وزاري يؤمّن لهم زيادة نفوذهم داخل الحزب، وما استتبعه ذلك من ترسيخ الإقطاع الداخلي ونشوء أزلام ومحاسيب لهم داخل الحزب، ما كان له الأثر السيئ جداً على وضع الحزب القومي والسياسي العام.

هكذا، غرقت الإدارات الحزبية في السياسات المحلية، شأنها في ذلك شأن الإقطاع المحلي لكل كيان، في تخلٍّ كليّ وفاضح عن ترجمة عقيدة الحزب إلى سياسة قومية، أو استراتيجية قومية تلفت نظر الساسة والشعب السوري عامة إلى أهمية عقيدة سعاده ونظامه الجديد.

ونعلم، أن سعاده، بعيد عودته من مغتربه القسري، قد حلّ المجلس الأعلى والمكتب السياسي، ولم يستعِن بأيٍّ من أعضاء هاتين المؤسستين، لانغماسهم في مفاسد الإدارة اللبنانية. وانتظر حتى عام 1949 ليكلف مجلس وكلاء عمد في تخلٍّ كليّ عن «الطقم» الذي كان خلال فترة غيابه.

وربما تكون عبارة سعاده في رسالته التي وجهها إلى القوميين عام 1946، والتي حجبتها الإدارة المنحرفة آنذاك: «لتفعل إدارتكم العليا كل ما تقدر عليه في ميدان السياسة والدبلوماسية فذلك من خصائصها. أما أنتم فإياكم من صرف عقولكم وقلوبكم إلى السياسة والدبلوماسية، واحذروا من اختلاط السياسة والدبلوماسية وأغراضهما بعقيدتكم وإيمانكم وعناصر حيويتكم الأساسية، لئلا تكون العاقبة وخيمة».

إن سعاده بعد علمه بانحراف إدارة الحزب، طلب من القوميين عدم الوقوع في «المصيدة» السياسية لهذه الإدارة. فكان هذا التوجيه المباشر لهم. ولم يدرك القوميون ـــ آنذاك ـــ وقع هذه العبارة. بعد نشر الرسالة ومنذ ذلك الحين، تتابع إدارت الحزب تأمين حصص لها في الأنظمة الحاكمة في الكيانات السورية!

انكشاف الإقطاع الحزبي:

وقد نبّه بيان لأحد رؤساء الحزب السابقين إلى خطر هذه الانزلاقة الخطيرة في حياة الحزب، وإعلانه بشكل واضح استمرار هذه العقلية الإقطاعية في مسار الحزب، وفي ما يلي فقرة منه:

«إن الإقطاعات السياسية داخل الحزب قائمة وهي تستغل الحزب لتبني مجدها الخارجي ثم تستعمل نفوذها الخارجي لتدعم نفسها داخل الحزب. الإقطاع السياسي داخل الحزب قائم، وقد سرّب إلى الحزب كما قلت، بنية الحياة السياسية الفاسدة من خارج الحزب، بكل أساليبها وأخلاقياتها وأغراضها الصغيرة ودواماتها.

إن مشاغل هذه الإقطاعات السياسية هي منافية ومناقضة لمشاغل النفوس القومية الاجتماعية واهتماماتها وأغراضها. إنها متمحورة على ذاتها، مشغولة ومنهمكة بشكل دائم وموتور بصورة ذاتها وأين تقع وأين تقف صفوف الحركة منها.

ومن المظاهر الأخرى لهذه الإقطاعات السياسية أنها تتساند وتتكاتف في ما بينها بالرغم من أن بعضها يحتقر الآخر ويكيد له حين يبتعد الخطر عن محاورها جميعاً».

(من بيان داخلي لرئيس الحزب يوسف الأشقر ـــــ كتبه أحد مفكري الحزب آنذاك ـــ ألقاه في المؤتمر المنعقد في ديك المحدي في 12 أيلول 1971. وحضره المسؤولون المركزيون وهيئات المنفذيات وهيئات المديريات والمفوضون التابعون).

كان ذلك منذ سبعين عاماً، وغضّ الأعضاء الطرف عن فساد أعمال إدارتهم الحزبية! في غفلة تامة عن تحذير الزعيم لهم في أولى محاضراته عام 1948!

وتابع الحزب مسيرته من انشقاق 1957 إلى انشقاق عام 1975، فإلى انشقاق عام 1987. ومن تنظيم سري في أول السبعينات إلى تنظيمات داخلية أعقبت كل عملية «وحدة». حتى وصلنا إلى تسلط «فرد» على الحزب. وسكت القوميون كعادتهم «بحكم النظام»، كما تحملوا كل مفاسد هذا «الفرد» لأكثر من ثلاثين عاماً. كل ذلك من جراء سيطرة مفهوم القبول بالأمر الواقع، وترسيخ نفسية السكوت عن المفاسد، في ظل سيطرة «النظام الأبوي» من دون أن يفعل مضمون العقد الموقع مع سعاده فعله في نفوس الأعضاء.

رغم كل التبني الكلامي والتغني ـــ من قِبل الأعضاء ـــ بمواقف سعاده في المحكمة المختلطة عام 1936 لغاية استشهاده عام 1949.

يحصل ذلك في ظل عدم الاهتمام بالأعضاء الجدد الذين ينتمون ويتبعون لوحدة حزبية. فيسيرون وفق ما يشاهدون. فلا تعمل هيئة المديرية على صهر الأعضاء الجدد في نسيجها الحزبي وفق دروس ومشاريع حيوية تنقلهم من حال إلى حال. على طريق إنشاء وحدة روحية واجتماعية بين كل الأعضاء.

كل ذلك يجري وفق نظام جمعية على شاكلة «جمعية الحبل بلا دنس»! باستثناء ومضات البطولة المؤمنة الزاخرة في نفوس أبطال أمثال حبيب الشرتوني ونبيل العلم وخالد علوان و..

من نافل القول، إن الحزب بعد غياب سعاده، ليس كما قبله على الإطلاق. وإلّا لما كان هذا المسار المنحدر نحو القعر منذ 72 عاماً: لا يوجد حزب قومي... وفقاً لتعريف صاحب الدعوة ومؤسس النهضة... لسبب بسيط هو إهمال الأعضاء درس عقيدتهم ونظامهم والعمل بمضمونهما! هذه العقيدة وهذا النظام اللذان يؤمّنان حياة جديدة لشعبنا.

الإقطاع «الحميم»:

عمّت الاتّكالية نفوس الأعضاء الطيبين، فبقوا منساقين للإقطاع الحزبي، واهبينه «الثقة التامّة» على العمياني كما يُقال. حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه لإهمال مضمون العقد مع سعاده! تآلف الأعضاء مع الأخطاء والفساد والقبول به، غير عاملين بمقولة سعاده: «لا بأس أن نكون طغاة على المفاسد». قبلوا بكل المفاسد ليحافظوا على «هيكل» تهاوى على رؤوس الجميع! في ظل الغياب الكلي للحزب عن أوضاع مجتمعنا!

وأقدمت الإدارات الحزبية على إجراء تعديلات مخالفة للعقيدة والنظام، في تجاهل كليّ للعقد مع سعاده، ما يعني نكوثها العهد معه. وشكلت هذه التعديلات تعدّياً على حقوق الأعضاء! ورغم ذلك، خضع هؤلاء لمشيئة الإدارات، ودافعوا عن مواقفها وأعمالها «المشينة» في عملية انصياع كليّ لأوامرها، وأن كل ما تقوله حق، وما تفعله حق. وتساوى في هذا المنحى: الإدارات والأعضاء في نقض التعاقد مع سعاده!

ما كنا، لنورد كل ذلك، لو عدنا إلى برّ الأمان بعد تمثيلية انتخابات أيلول 2020. اختلف «الفرد» مع أفراد «عائلته» فانشقا. ليعلن كل واحد منهما «شرعية» كاذبة، لا تغش الأعضاء الواعين والمناضلين.

ووقع بعض الأعضاء «أسرى» الشرعية الانتخابية، فتابعوا كعادتهم توجههم إلى «المركز» غير مدركين أن مركز سعاده في الحزب هو الأساس والمنطلق. وإن كل هذه «المراكز» لمختلف التنظيمات تقوم على إدارتها مجموعات «تافهة» و«مرتهنة» ومطواعة بيد الإقطاع المحلي في كل كيان من كيانات وطننا السوري، أوصلتنا إلى الخاتمة البائسة اليوم!

وغفل الأعضاء عن «صون الحزب» فتراهم ينقادون اقتياداً، دون وعي ومعرفة، لمفهوم الشرعية ومعناها القومي الاجتماعي الذي شرحه سعاده في كتاباته، وكتبتُ عنه في مقالتي الثالثة من هذه السلسلة.

و«بحكم النظام» خضع الأعضاء، بعامل التبعية، لمفاعيل الانقسام الحزبي في تخلٍّ كليّ عن مفهوم العضوية في الحزب. وفي كل مرة تُنتخب «إدارة جديدة» للحزب يتابعون السير تحت لوائها في «عهد جديد» من عهود الإقطاع!

احدودب ظهر الأعضاء الطاهرين وهم يحملون آلام «الوطن» والأمل «بغد مشرق»، يلوكهم الوجع والحزن على حال ورثوه وما حافظوا عليه. وجع «غربة» هؤلاء الأعضاء يُثقل عليهم وجود إدارات غريبة عن حزبها وانغماسها الكليّ في وجودها الأناني ومصالحها الذاتية، وعلى حد قول تشرشل: نصنع من الحمقى قادة ثم نسأل من أين أتى الخراب!

أعطانا سعاده سلسلة أمثولات خلال تاريخه القصير من أول حادثة في التأسيس الأول عام 1932، إلى محاولة إصلاح البين بين سعاده وشارل سعد الذي طرده سعاده بعد محاكمته، إلى محاولة تبويس لحى بين سعاده ونعمة ثابت التي رفضها سعاده أيضاً معلناً خيانته هو ومن سار على درب الانحراف والارتهان للأجنبي. هذه الأمثولات تعلمنا أن لا نقبل بمجموعة فاسدين «صغار» يحلّون محلّ فاسد كبير. بل القطيعة التامة مع الفساد وكل الفاسدين. ومن سار على درب سعاده حقق نصراً مبيناً.

كلّنا مسؤول عمّا آل إليه الوضع الحزبي العام، وخراب الحزب، وخراب الحياة الحزبية، وخراب الأمة. عودة إلى كتاب سعاده العلمي «نشوء الأمم» والمرسوم السابع من نظامه الجديد تشير إلى أن الحكم لأصحاب المؤهلات والكفاءات العلمية والنضالية، في الظرف الراهن، عبر إدارة موقتة مناضلة وصادقة ومخلصة بإيمانها القومي الاجتماعي لمدة سنتين، يعقبها مؤتمر نوعي لمجموعة مختصة تتمتّع بمؤهلات، يصدر عن المؤتمر مقررات مُلزمة لتأتي إدارة شرعية. وكل ما دون ذلك يُبقينا في دوامة الأزمات والانشقاقات والأنانيات و.. ويغيب حزب سعاده عن ساح الجهاد!

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021