إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

«مشاريع الفيل الأبيض» ائتلاف الفساد الحكومي والخاص

لور أبي خليل - البناء

نسخة للطباعة 2017-08-22

الارشيف

أدّت الاضطرابات السياسية التي شهدها لبنان على مدى أربعة عقود الى الوضع الفوضوي الذي نعيشه اليوم. فالتشريعات التي تنظم المؤسسات على اختلافها وعلى مستويات عدة بالية من جوانب مختلفة، لدرجة أن المعلومات والبيانات والإحصاءات والمحفوظات مبعثرة وغير موجودة. لذلك لا وجود لأسس تُبنى عليها أية دراسة في فروع القطاع العام، ولا يمكننا أن نقيّم بشكل فعلي الجدوى الاقتصادية للمشاريع الاستثمارية التي تقوم بها الحكومات، لأنها لا تقوم هذه المشاريع على أسس سياسات قطاعية وبرامج مسبقة.

وهنا تطرح الإشكالية التالية: ما هي الشروط التي يعتمدها كبار المسؤولين في لبنان في اختيارهم للمشاريع الاستثمارية الحكومية؟

إن المسؤولين في لبنان يقومون باختيار مشاريع وصفقات تفتقر إلى المنطقية والجدوى الاقتصادية على سبيل المثال يحبّذ هؤلاء مشاريع الاستثمارات الرأسمالية الحكومية أكثر من أي نوع آخر من النفقات الحكومية، كما يفضلون الاستثمار الحكومي على الاستثمار الخاص، وهم غالباً ما يدعمون مشاريع «الفيل الأبيض». وهي مشاريع ذات قيمة ضئيلة في دفع عجلة الاقتصاد نحو التطور، لأنها مشاريع تجلب فقط الفخامة للمسؤول الحكومي بسبب ضخامتها ومستوياتها التقنية، ولكنها تفتقر للجوانب التطبيقية، إذ لا تحقق الأهداف المطلوبة ولا تكون مدتها الزمنية واضحة. وبهذا تستنزف مبالغ طائلة من الدولة في إدارتها. وعندها يكون الإنفاق غير مجدٍ أي يكون عبئاً على الدولة أكثر منه فائدة. وهنا يكون استشراء الفساد أسهل.

ونرى عندئذ أن المال العام يعاني من سوء الاستغلال من قبل القائمين عليه، وذلك عبر السيطرة على القسم الأكبر من الموارد المالية الحكومية، ويتمّ ذلك في لبنان بشكل علني، فتصبح النتيجة مسؤولين أثرياء نسب إليهم من قبل الشعب صفات الحنكة والذكاء في التعامل مع الأوضاع السائدة ومجاراتها. في حين يوصم المسؤول النزيه بالغباء وعدم قدرته على الاستفادة من الفرص. وهنا تدخل ثقافة جديدة غلى فئات المجتمع عُرفت بـ «ثقافة الفساد». ويصبح الاعتداء على المال العام مبرراً من قبل الفاعل الاجتماعي ومن قبل النسق الاجتماعي في آن واحد. ويصبح المسؤول النزيه يوصم بالغباء وعدم قدرته على الاستفادة من الفوضى، والمسؤول المرتشي يوصم بالحنكة والذكاء.

وهنا يفترض بنا ان نميز بين المكاسب المالية والمكاسب الاجتماعية فالاولى وبصورة عامة مكاسب فاسدة ناتجة عن مشاريع الاستثمار الرأسمالي وتعود بالمنفعة المادية للمسؤول الحكومي وتختلف عن نمط المكاسب الاجتماعية، أي المكاسب التي يحصل عليها الزعيم الطائفي عبر استعمال المحاباة وتقديم مساعدات وهبات لكسب اصوات الناخبين، فيظهر الفرق بين المنفعة المادية والمنفعة المعنوية والتي توصلنا إلى التمييز بين المكاسب التي تؤثر على خيارات الحكام.

ماذا يعني هذا الأمر؟

يقوم المسؤولون الحكوميون في لبنان باستحصال الرشى من المشاريع الكبرى التي سُمّيت بمشاريع الفيل الأبيض، لأنها ترمز على الاستثمارات التي تقوم بها الحكومة وهي ذات تكلفة مرتفعة ومن دون اية فوائد للدولة. وهذه المشاريع تنتج عنها زيادة في النفقات العامة المستقبلية وعمالة رديئة وأعباء دَيْنٍ مفرط. إضافة الى ذلك، فإن المسؤولين الكبار ينتزعون دفعات غير محقة ورشى أكبر. وهذا النوع من الفساد يخلق قلقاً دائماً عند المسؤول الحكومي بسبب الشعور بأن أحداً ما سيخلعه يوماً. وعدم الأمان هذا يدفع المسؤول للقيام بمزيد من السرقة والهدر في المال العام.

ما هي حقيقة هؤلاء المسؤولين؟

إن التحدي الحقيقي للمسؤول الحكومي هو إخفاقه في أداء مهماته من خلال تدني مستوى الخدمات التي تقدم. وبالنتيجة، فسيقوم هذا المسؤول بانتزاع حسوم ودفعات عالية على المشاريع الحكومية الكبيرة ذات الأمد الطويل. ويظهر هذا الأمر في تمرير المشاريع الحكومية في مجلس الوزراء، لأن المسؤولين الفاسدين يدعمون فقط السياسات التي تجني الأرباح الشخصية. فهم طبعاً يسيطرون على الدولة ويقومون بدعم بعض التدخلات التي لن ترفع من الدخل القومي، لأنها تقدم لهم مكاسب شخصية. وهنا نرى ان القوة الدافعة لفساد المسؤولين الحكوميين تتمثل في إساءة استعمال السلطة السياسية بإظهار شخصيات او مسؤولين يستغلون الدولة والاقتصاد من دون أية مساءلة. لأن معارضة الفساد هي عملية خطيرة تؤثر على شل الحياة الاقتصادية في البلاد. وإن هؤلاء المسؤولين يعملون ضمن نسق إداري وقضائي ساعدهم في تفعيل دورهم.

وكما أوردت الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية، فإن أسباب الفساد في لبنان هي اجتماعية وتنظيمية وسياسية وهيكلية واقتصادية. وبالنظر الى ما ورد سابقاً، فإن الحكومات تجد نفسها من غير رقيب فعلي ومؤثر على سلوكها، وتعتبر النقد الذي توجهه إليها النخب السياسية ودعوات الإصلاح مجرد عراك ناعم ولا مانع من أن تتعامل بالقسوة ضد كل من يثير لها متاعب حقيقية، وهذا يؤدي الى استمرار الاستبداد والتسلّط وما يترتب عنه من فساد وإفساد.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017