إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

العلاقة بين مصر وحماس...إلى أين؟!

سري سمور

نسخة للطباعة 2008-08-19

إقرأ ايضاً


قبل أيام أعلنت مصر على لسان متحدث باسم وزارة الخارجية أن معبر رفح لن يفتح إلا بعد عودة العناصر التابعة لرئيس السلطة الفلسطينية للسيطرة عليه،هذا التصريح يضفي جوا من التوتر على العلاقات بين حركة حماس والحكومة المصرية لأن هذا الشرط يتطلب إنهاء حالة الانقسام القائمة حاليا وبناء مصالحة وطنية كاملة بين رام الله وغزة بعد حوار وطني ،وهو أمر يبدو متعثرا في الظروف الحالية كما أنه يتطلب وقتا لن يصبر عليه العالقون والطلبة والمرضى وأي راغب في السفر من غزة وإليها،كما أن هذا الشرط يضع علامات استفهام حول مستقبل التهدئة التي رعتها مصر في قطاع غزة والتي يتوقع سقوطها في حال لم يفتح المعبر واستمر الحصار الذي كان شديدا جدا جدا جدا فأصبح بعد التهدئة شديدا جدا جدا!

الموقف المصري يطرح التساؤلات أو يعيد طرح تساؤلات قائمة منذ سنوات عن طبيعة العلاقة بين حركة حماس وبين الدولة المصرية وملابساتها ومستقبلها،وانعكاس هذه العلاقة على الوضع الفلسطيني الداخلي وعلى مستقبل الصراع مع الاحتلال الصهيوني.

ولأن المجال لا يتسع للخوض في كل الجزئيات فسأحاول تسليط الضوء على مواقف وخلفيات ودوافع الطرفين :-

الموقف المصري...خلاف وارتباك وتخوف!

من الواضح أن هناك خلافا داخل مؤسسة الحكم المصرية حول كيفية التعاطي والتصرف مع حماس ،ولا ينبغي تفسير هذا الخلاف بفكرة «توزيع الأدوار» بين أركان الحكم في الدولة المصرية،لأن الخلاف أدى إلى ارتباك لا تريد مصر أن يظهر بكل تأكيد.

فموقف وزارة الخارجية على لسان الوزير أحمد أبو الغيط أو بعض المتحدثين باسم الوزارة يختلف بلا شك عن موقف المؤسسة الأمنية والوزير عمر سليمان مدير المخابرات،التشدد والتشنج تجاه حماس والذي وصل حد التهديد والوعيد وانعكس حتى على سكان قطاع غزة بقضهم وقضيضهم هو سمة واضحة لوزارة الخارجية،ومحاولة لعب دور الوسيط المتوازن بين حماس والاحتلال فيما يتعلق بالتهدئة وملف «شاليط» ،وبين الأطراف الفلسطينية في ظل الخلاف والانقسام من نصيب المؤسسة الأمنية،ولا يلغي أو يفنّد هذا الرأي وجود معتقلين من حركة حماس في السجون المصرية،نظرا للتشابك والتعقيد الموضوعي القائم في مصر.

أما عن موقف الطبقات السياسية والإعلامية الأخرى في مصر فقد اتسم بنوع من العدائية والتشكيك والتحريض على حماس وامتهن بعض حملة الأقلام من المقربين للحكم في القاهرة أسلوب «شيطنة» حماس وتحميلها وحدها المسئولية الكاملة عن حصار الشعب الفلسطيني وصولا إلى مهاجمة الشعب الفلسطيني بأسره!

أما الرئاسة المصرية فتحاول التحرك بين القطبين ،وكلنا يتذكر موقف الرئيس مبارك عقب إزالة الجدار الحدودي بين غزة ومصر ،وموقف الرئاسة هذا يأتي في سياق الترتيبات المستقبلية لوضع الجمهورية وآلية الحكم وانتقاله فيها،ومراعاة كل التغيرات المتوقعة والسيناريوهات المحتملة إقليميا ودوليا.

بالتأكيد لن نرى مصر (مؤسسة الحكم) تهيم حبا بحركة حماس نظرا لدوافع نفسية نشأت من قضايا داخلية ؛فالدولة المصرية ترى في حماس امتدادا لحركة الإخوان المسلمين بالمعنى الهيكلي والتنظيمي وليس فقط الأدبي والتاريخي والفكري كما تحاول حماس أن تبرهن في كل مناسبة،وقد أثبتت حماس عبر تاريخها ومنذ انطلاقتها قبل عشرين عاما أنها لا تتدخل في شئون الدول العربية الداخلية.

متى نرى تيارا في الحكم المصري يفصل بين صراع أو خلاف الدولة المصرية مع حركة الإخوان المسلمين الممتد منذ نهاية العهد الملكي وحتى الجمهورية الثالثة الحالية ،والذي اتخذ أحيانا شكلا عنيفا وقاسيا ودمويا خاصة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر(حملتي1954 و1965)،وبين تعامل مصر مع حماس كحركة مقاومة شعبية لا يستهان بحجمها لها أيديولوجية إسلامية وامتداد أو ارتباط تاريخي وأدبي مع إخوان مصر؟

ربما يكون الطرف الأمني في الدولة المصرية يحاول أن يجد صيغة لمثل هذا الفصل ،نظرا لأن مصلحة مصر كدولة وحتى مصلحة الحزب الوطني الحاكم تقتضي التعامل مع الواقع الفلسطيني كما هو بغض النظر عن إدارتهم للأزمة التي تأخذ مدّا وجزرا مع الإخوان في الداخل ،فبلا شك تدرك المؤسسة الأمنية أن الطرف الصهيوني سواء من في المعارضة أو في الحكم سابقا وحاليا ومستقبلا يسعى جاهدا لترحيل أزمة قطاع غزة إلى مصر وتحميل مصر مسئوليات أمنية وإنسانية وتوريط مصر بما لا شأن لها به ،وتحويل دورها المفترض وهو مساعدة الفلسطينيين بالحد الأدنى ضمن هامش المناورة المتاح لدور آخر يصل إلى حد لعب دور الوكيل عن الاحتلال ضمن خطة متدحرجة وبضغط أمريكي وربما بعروض من خلف الكواليس فيما يتعلق بالمنح والمساعدات وترتيبات الحكم في مصر مستقبلا،وأستطيع أن أؤكد أن المؤسسة الأمنية في مصر ولو كانت كارهة لحماس وحالمة بيوم تراها فيها قد اختفت إلا أنها في ظل الواقع ترى حكمها واستقراره في القطاع أفضل من السيناريو الفظيع الذي يحيكه أولمرت وباراك ونتنياهو وعاموس جلعاد ،ولكن ما حجم هذا التيار وما تأثيره في مصر ،بل ما مدى تأثيره على صنع القرار داخل المؤسسة الأمنية؟إن استمرار اغلاق معبر رفح رغم التهدئة الحالية والتعثر المستمر في إبرام صفقة تبادل الأسرى ،رغم التفاؤل الحالي بإنجازها بحلول شهر تشرين الثاني(نوفمبر)،كلها أمور تشي بأن التوجه العام في مصر الرسمية هو استمرار حالة الجفاء مع حماس حتى ترضخ الأخيرة للاشتراطات إياها والتي تجرد الحركة من مبادئها ولا تبقي بينها وبين خصمها السياسي فرقا إلا بالأسماء والمسميات.

وهنا لا بد من تحرك «عقلاء» السياسة والإعلام في مصر لإنهاء هذه الحالة لأنه ثبت تاريخيا أن محاولة حشر حماس في الزاوية والإمعان في استفزازها له نتائج لا يرتضيها خصومها أو منافسوها ،فحماس قبلت التهدئة ضمن وعود وتأكيدات وتطمينات برفع الحصار وفتح معبر رفح ،فإذا لم يفتح المعبر فهل ستستمر حماس في التهدئة؟الجواب سمعناه على لسان قادة الحركة وهو أنهم لن يتمسكوا بهذه التهدئة «ولتذهب التهدئة إلى...» إذا ما استمر الحصار ،ولا يفوتنا تزايد الحملات الأمنية في الجانب المصري ضد الأنفاق،مما يوحي بوجود مخطط متكامل لإخضاع حماس أو إحراجها لدرجة تفقدها كل مكتسباتها ،ويرى من يسعون لذلك أن حماس عاجزة حاليا عن فعل اي شيء سوى تنظيم المسيرات وعقد المؤتمرات الصحفية والتنديد والشجب،وأن حماس لا تجرؤ على قلب الطاولة حاليا لأنها-باعتقادهم- متمسكة بحكم غزة تحت أي ظرف؛ولكن هذا الاستنتاج والتحليل خاطئ مئة بالمئة ،والتجارب السابقة خير دليل ،والتحليل المنطقي هو الذي يشمل كل السيناريوهات والتوقعات مهما كانت نسبتها وعليه ،كيف سيكون موقف مصر إذا نفضت حماس يدها من التهدئة بحجة مقبولة لديها ولدى فصائل المقاومة الأخرى وهي عدم فك الحصار؟وهل وضع المراهنون على عجز حماس في حسبانهم احتمالية وصول الأخبار العاجلة التالية إلى سمعهم وبصرهم:-

«سقوط مئة صاروخ من طراز قسام على اسديروت وعسقلان خلال 24 ساعة»!

«تفجير دبابة ميركافاة بعبوة زرعتها المقاومة على حدود قطاع غزة»!

«عملية معقدة تسفر عن أسر جندي جديد ...أي أن يكون هناك زميل لشاليط»!

على الجميع خاصة من يسعون لإخضاع حماس ألا يفترضوا استحالة وقوع أي من أو حتى جميع هذه الأحداث ،وعندها سيهرول الجميع داعين حماس لضبط النفس وضرورة تثبيت تهدئة جديدة ،أما إذا كان هناك من يراهن أن عملية عسكرية واسعة في غزة ستحسم الأمر فليفكر مليّا وبعمق وليستحضر أي تداعيات ستجرها مثل هذه العملية على المنطقة بأسرها!

من هنا وجب على الحكماء والعقلاء في مصر،وهم كثر ولله الحمد،أن يخرجوا مصر الكنانة من «هوس» ازدياد خطر وشعبية الإخوان في مصر إذا تحسن وضع حماس في غزة،لأن الاستمرار في هذه اللعبة خطر جدا ،والمؤشرات ونواقيس الخطر تفصح عن أمور خطرة...إذا استمر الحصار،وحماس برعت في صنع المفاجآت في كل مرحلة!

موقف حماس...ديبلوماسية وضبط نفس وحذر!

في كل مناسبة تؤكد حماس على دفء وقوة العلاقات مع مصر،وأن مصر هي الرئة التي يتنفس منها القطاع ،وتنفي حماس أي شائعة تنشرها صحيفة هنا أو مجلة هناك عن مهاجمة أو انتقاد مصر ،ويحرص قادة حماس على مد جسور الود والتفاهم مع مصر ،وعلى الرد الإيجابي الحذر على اقتراحات مصر،دون المساس بثوابت الحركة ،فمن الحكمة أن تبقي حماس على علاقتها بمصر بل وتحسن وتطور هذه العلاقة،ورغم أنها ترى إعراضا في بعض الأحيان من الطرف المصري فهي لم ولن تقطع شعرة معاوية معه ،بل إن حماس ورغم ضغط قواعدها وأنصارها ونصائح المراقبين والمتابعين بل حتى كثير ممن يعنيهم الأمر وأقصد الأسرى ما زالت تضع ملف «شاليط» فوق الطاولة المصرية ولن تدعو أحدا لهذه الطاولة إلا بعد موافقة صاحبها المصري رغم التعثر الذي يكتنف هذا الأمر محملة الطرف الصهيوني مسئولية التعثر بسبب التعنت والغطرسة.

ولكن حماس حرصت في تعاطيها مع المصريين على الحفاظ على مواقفها المعروفة من القضية الفلسطينية بدبلوماسية واحتراف ،وتصر على مطالب واضحة لا نقاش فيها فيما يختص بصفقة التبادل المتوقعة،وترفض حماس نشر قوات عربية أو مصرية أو دولية في قطاع غزة لاعتبارات معروفة ولتيقنها بالجدل المحتدم داخل مصر حول هذه المسألة ،أما فيما يتعلق بموضوع الحوار الداخلي فحماس تدرك أنه رغم التحالف الافتراضي لما يعرف «بمحور الاعتدال» العربي الذي يضم ضمنا السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس فإن علاقة هذا الفريق بمصر ليست بتلك القوة والدفء والمتانة التي كانت قائمة أيام الرئيس عرفات؛فمعروف أن الأخير كان يستشير مصر في أدق التفاصيل ويستمع للمصريين ويأخذ بنصائحهم إلا في حالات نادرة ،أما فيما تلا مرحلة عرفات فقد ضعفت العلاقة-نسبيا- بين رام الله والقاهرة،ولا أظن أن مصر تنسى أن الرئيس مبارك توقع بعيد الحسم العسكري في غزة أن تتم المصالحة الوطنية بعد شهر ومضى الشهر والذي تلاه وصولا إلى عام ونيف ولم تتم المصالحة،ولعل هذا ما دفع مصر لإرسال رسالة واضحة حين غض الأمن المصري نظره عن تفجير الجدار الحدودي في رفح مطلع العام الجاري ...صحيح أن مصر ترى ان كل طرف يقول أنه حريص على الوحدة الوطنية وإعادة اللحمة لغزة والضفة مع تمسك الفريقين بمطالبهما؛إلا أن مصر بدأت علاقتها بحماس عمليا خلال انتفاضة الأقصى أما علاقتها بالرئاسة الفلسطينية ومنظمة التحرير فقديمة ،وهي تلحظ التغير ،فأبو مازن ليس كأبي عمار في التعاطي مع مصر ونصائحها ،ولا شك أن هذا يستفز مصر.

كما أن حماس تدرك أن حرب مخابرات خفية تدور بين مصر والكيان العبري وان الأخير يسعى لنشر شبكات التجسس وإغراق المجتمع بالمخدرات والفساد ،وأن مصر خاصة المؤسسة الأمنية قد ترى في حماس رأس حربة تحمي بها كيانها ومجتمعها من الخبث الصهيوني ،خاصة أنها لا تستطيع حاليا خوض مواجهة علنية مفتوحة مع الكيان العبري،ولهذا لم تطلب مصر من حماس إعادة الوضع في قطاع غزة إلى ما كان عليه قبل 14/6/2007م وهو ما يصر عليه الرئيس محمود عباس ،بل إن رئيس المكتب السياسي لحماس الأستاذ خالد مشعل أكد في غير مناسبة أنه ليس ثمة دولة عربية واحدة طلبت من حماس هذا الطلب!

ولكن حماس في ذات الوقت تدرك حساسية مصر من الحركات الإسلامية التي هي واحدة من أهمها وأقواها،وتعي حجم الضغوط على مصر وهامش المناورة المتاح لها في ظل الإدارة الأمريكية الحالية وربما القادمة،مما يؤدي إلى بقاء معبر رفح مغلقا واستمرار معاناة أهالي غزة التي طال أمدها ولم يعد من المنطق تحملها.

ومن هنا فإن حماس قد تلجأ إذا استمر الوضع على ما هو عليه إلى الانفجار بوجه الاحتلال ،مع الحرص الشديد على إبقاء علاقات ودية وتواصل دائم مع مصر،حتى ولو سمعت من الأخيرة ما يغضب ويستفز،الله وحده يعلم إلى أين ستصل الأمور ...الأسابيع والشهور المقبلة ستحمل في ثنياها تغيرات مفصلية...والله تعالى أعلم!


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026