إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

من واقع التجارب الطويلة محاولات حشر حماس في الزاوية لها عواقب وخيمة!

سري سمور

نسخة للطباعة 2008-12-11

إقرأ ايضاً


الهالك «إسحاق رابين» علق على قيام قوة من جيشه باغتيال الشهيد «عماد عقل» في 24/11/1993م بكلمات جمعت ما بين الحقد والتشفي والإيحاء بتحقيق نصر أبدي على حركة حماس التي كان الشهيد عقل يقود جناحها العسكري آنذاك ،وحفل سجل الشهيد برصيد أكبر عمليات قتل لجنود صهاينة ،بينما كان رابين رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع في حكومة الاحتلال،أتذكر تعقيبا قرأته مترجم ومنقول من الصحافة العبرية يحمل تشكيكا في إيحاء أو إعلان رابين تحقيق النصر الحاسم على حماس يقول:حماس مثل أفعى الهيدرا كلما قطع لها رأس نبت لها رأسان!

ولم يكن هذا التعقيب بعيدا عن الواقع حين ردت حماس على اغتيال عماد عقل في قطاع غزة بعمليات نوعية أشهرها قتل ضابط برتبة عقيد (مينتز) وكان يتولى منصبا رفيعا في لواء جيفعاتي...واستمر الصراع بين حماس وحكومات الاحتلال المتعاقبة وكان يأخذ أحيانا طابعا عنيفا وصاخبا ،ويخف أحيانا ليعود ويشتد على مدار السنين الماضية وحتى الآن!

إحدى وعشرون عاما ستمضي بعد أيام على تأسيس حركة حماس،ففي 14/12/1987م أصدرت الحركة بيانها الأول(حركة المقاومة الإسلامية) ،قيل وقتها بأن حماس أوجدها الاحتلال لتتصدى لمنظمة التحرير ،وهي مقولة يرددها البعض حتى الآن،ربما مع تعديل يقول بأن الاحتلال «شجع» حماس بعد انطلاقتها وقيل بأن حماس ستتلاشى مرة تلو مرة ،وعند كل منعطف سياسي أو أمني نسمع أصواتا تقول بأن حماس قد انتهت،لنرى بأن حماس تنهض من جديد وتزداد حضورا ورسوخا في معادلة القضية الفلسطينية وتوابعها الإقليمية والدولية.

ليس الهدف من هذا المقال هو التمجيد وكيل المديح لحركة حماس والتغزل ببطولاتها،لأن حماس لا تحتاج إلى ذلك مني،وكل ما أهدف إليه هو توصيف الحال وتقديم البرهان من التجارب الماضية لتوقع ما هو قادم.

صراع طويل وتجارب لا تنسى!

لا مجال لاستعراض التجارب الطويلة التي خاضتها حماس مع الاحتلال ومع خصومها السياسيين ،فهذا يحتاج إلى مجلد كامل ،ولكن لا بأس من ضرب بعض الأمثلة التي تثبت بلا أدنى شك بأن استفزاز حماس ومحاولة استئصالها وحصارها تأتي بنتائج عكسية دائما....

1) اعتقلت سلطات الاحتلال الشيخ أحمد ياسين وعدد من قيادات حماس وأبعدت بعضهم إلى خارج الوطن ،فتصاعدت شعبية حماس،وفجرت حرب السكاكين الشهيرة،بل إن كثيرا من إنجازات حماس تحققت والشيخ أسير،بعكس ما كان يدعي الاحتلال حين اعتقله مع رفاقه...وعندما اختطفت مجموعة من كتائب القسام رقيب حرس الحدود «نسيم توليدانو» وقتلته بعدما رفض رابين الاستجابة لطلبهم بتحرير الشيخ ياسين (في ذكرى انطلاقة حماس عام 1992م) جنّ جنون رابين وارتكب حماقة جديدة بإبعاده 418 مواطنا من حركتي حماس والجهاد الإسلامي إلى مرج الزهور جنوب لبنان؛والنتيجة أن عماد عقل ورفاقه واصلوا عملياتهم بقوة،وبات اسم حماس معروفا لدى العالم كله،فقد هرعت كل وسائل الإعلام وممثلو حركات التحرر بشتى مشاربها إلى مرج الزهور لتستمع إلى د.عبد العزيز الرنتيسي وإلى د.عزيز دويك ولم تعد الرواية تسمع فقط من الاحتلال أو من الخصم السياسي لحماس،وقد تمكن هؤلاء الرجال من التعامل بحنكة وبسياسة المد والجزر والشدة والليونة مع محنتهم وبعد انتزاع قرار من مجلس الأمن عاد هؤلاء إلى وطنهم من جديد مع تحقيق إنجاز مهم وهو طي صفحة سياسة الإبعاد إلى لبنان التي اعتاد الاحتلال على ممارستها لسنوات طوال.

2) حين شرعت حماس بتنفيذ العمليات الاستشهادية قال رابين بوضوح بأنه «لا علاج لمنتحر يريد الموت!» ورابين هذا هو الذي تشفى وبنبرة النصر والحقد على حماس قبل دخول هذا النوع من العمليات على خط المواجهة،لتثبت له حماس بأنها بعكس ما يتوقع تماما،وقد هلك رابين وبقيت حماس!

3) رد حماس على كل اغتيال أو جريمة صهيونية مشهود له ،وما الرد على اغتيال عماد عقل ومن سبقوه من القادة ،والرد على مجزرة الحرم الإبراهيمي إلا دليل دامغ على هذه الحقيقة ،وكانت حماس بردودها تربك الأعداء والخصوم،وتحيل تحليلات الكثير من المتفيهقين إلى رماد اشتدت به الريح في يوم عاصف في العفولة أو ديزنكوف أو التلة الفرنسية و... ولكن أود هنا التوقف عند محاولة بيريس الصعود إلى هرم الحكومة الإسرائيلية عبر صناديق المقترعين الذين تأمل أن يجعلوا منه بطلا نادرا ،حين اقترف حماقة اغتيال المهندس الشهيد «يحيى عياش» في كانون ثاني (يناير) عام 1996 ،علما بأن الشهيد عياش كان قد أوقف العمليات مدة ستة أشهر ،ولكن بيريس رغم أنه يوصف بالثعلب قرر أن يكون أحمقا من العيار الثقيل حين ظنّ أن كرسي رئاسة الوزراء سيكون سهلا إذا قدم لناخبيه دماء عياش...فانتظرت حماس حوالي خمسين يوما لتثأر لمهندسها وتحرم بيريس من حلمه وتحدد مستقبله السياسي منذ تلك اللحظة وحتى هلاكه.

4) لقد اجتمعت دول العرب والعجم لإدانة «الإرهاب» بعد ثأر حماس لمهندسها في شرم الشيخ ،وشنت السلطة الفلسطينية حملة اعتقالات طالت مئات من أعضاء ومناصري الحركة في الضفة والقطاع ،ولكن هذا شحن قلوب الناس ضد السلطة وتمكنت حماس من الخروج من تلك الأزمة ببراعة ونفذت المزيد من العمليات الاستشهادية ،ولو بوتيرة أقل، وأخذت تحقق انتصارات واضحة في انتخابات الجامعات.

5) نتنياهو هو الآخر قرر أن «يجرب حظه» فأرسل فرقة من الموساد لاغتيال رئيس المكتب السياسي لحماس الأستاذ خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمان فنجا مشعل،بفضل الله،واضطر نتنياهو لإطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين ،ليجوب الشيخ في البلاد شارحا لموقف حركته من القضية وحاشدا للرأي العام حول الثوابت ،ولم تكن السلطة لتضيع فرصة الكيد والمناكفة،فأخذت تشيع بأن حماس أصبحت «عميلة للنظام الأردني» بل وقف المتحدث باسم حركة الشبيبة الطلابية آنذاك في حرم جامعة النجاح وردد حوالي خمس مرات بأن الكتلة الإسلامية هي«الكتلة الأردنية الهاشمية» طبعا هذه الخزعبلات ما لبثت أن سقطت ،على اعتبار وجود من صدقها أساسا!

أوسلو وصولا لانتفاضة الأقصى

أنا مع الرأي القائل بأن أوسلو كان نكبة جديدة للشعب الفلسطيني ،مع فارق استقبال النكبة بأجواء احتفالية وشعارات جذابة،ولم تكن تصفية حماس أو تحجيمها بعيدة عن جوهر أوسلو،وقد تضررت حماس من أوسلو كثيرا،ولكنها ربحت من تلك الأضرار كثيرا،فالضربات لم تمتها بل زادتها قوة كما رأينا.

وعشية انتفاضة الأقصى بعد وصول المفاوضات إلى طريق مسدود ،وهو ما أكدت عليه حماس منذ مؤتمر مديد ،كان الجناح العسكري لحماس منهكا وشبه مشلول،بل ربما كان منهارا تماما بسبب ضربات أجهزة أمن السلطة المتواصلة،إضافة إلى ضربات الاحتلال.

ولم يتصور أحد بعيد اندلاع انتفاضة الأقصى أن تنهض حماس بهذه السرعة والعزم والزخم ،وقد أراد البعض من الانتفاضة أن تكون محدودة وتحت السيطرة على غرار انتفاضة النفق للحصول على موقف تفاوضي أفضل.

ولكن حماس استنهضت جناحها العسكري الذي ضرب بقوة غير مسبوقة،وخاضت حماس حربا ضروسا مع شارون الذي اغتال العديد من قادتها ورموزها بكل قسوة ودموية...وحماس عبر الانتفاضة أثبتت أن استئصالها وهم شاروني وهلوسات موفازية ،وأنها رقم صعب لا يمكن تجاوزه.

اغتيال الشيخ والدكتور واندحار الاحتلال عن غزة

الفكرة أو الطرح الذي قد يظهر ردا على ما سبق هو ما حدث بعيد اغتيال الشيخ أحمد ياسين(22/3/2004م) ثم اغتيال الدكتور الرنتيسي بعد مدة قصيرة (17/4/2004م) حيث كان رد الفعل العسكري من حركة حماس ليس بالمستوى المعتاد منها خلال سنوات طويلة من الصراع؛ولا يمكن أو لا يجوز أن يعزى الأمر فقط إلى الظروف الميدانية الصعبة والمعقدة في تلك الفترة،رغم أن لها تأثيرا كبيرا؛ولكن لو تأملنا لوجدنا بأن حماس بعد هاتين الجريمتين تعززت مكانتها وأثبتت أنها تقدم قبل الجند قادتها،واستطاعت حماس أن تحشد الرأي العام حول برنامجها فيما يتعلق بالانسحاب الصهيوني عن قطاع غزة،علما بأن شارون كان قد أعلن أن «نيتساريم» كتل أبيب،فقام هو بتفكيك نيتساريم وغوش قطيف وجاني طال وغيرها ،مما مكن حماس من رفع صوتها بأن خيار المقاومة هو الحل وهو الكفيل بدحر الاحتلال ،؛لقد كان الرد على اغتيال القائدين الكبيرين سياسيا وإعلاميا وتعبويا بشكل أساسي،وقد عقب صحفي صهيوني بارز على رفع أعلام حماس فوق المحررات عام 2005 بأنه يشبه ما جرى بعيد الانسحاب من الشريط الحدودي المحتل جنوب لبنان عام 2000،وتمكنت حماس من تنمية قدراتها العسكرية بشكل لم يسبق له مثيل ،وكانت التضحيات والمواجهة العنيفة تارة ثم اللينة تارة أخرى بناء على تخطيط محكم مؤهلا لحماس كي تحصد أغلبية مقاعد البلديات ثم المجلس التشريعي مطلع عام 2006.

مرحلة السلطة والوهم المتبدد

دخلت حماس السلطة من بوابة المجلس التشريعي،في وقت كانت حركة فتح تعاني وما تزال أزمات كبيرة يمكن الرجوع لتفصيلاتها من ألسن وأقلام قادتها وكوادرها ،وفي وقت اشتد فيه الفساد وسادت البيروقراطية والمحسوبية والأنانية كافة مؤسسات وهياكل السلطة...ولكن حماس بعد فوزها جوبهت بتحديين كبيرين:الأول هو الحصار المحكم عليها من قبل الغرب والاحتلال والعديد من الدول العربية بهدف معلن وهو الاعتراف بإسرائيل ،والثاني هو عدم تقبل حركة فتح والقوى التابعة لها (فدا وجبهة النضال وباقي القوى المجهرية) لنتيجة الانتخابات ومنذ اليوم الأول طرحت فكرة الانتخابات المبكرة،وبدأنا نسمع تفسيرات مختلفة عن دور المجلس التشريعي والمجلس الوطني والمركزي ومؤسسة الرئاسة ودور الحكومة ،وقد بدا بأن القانون والنظام الذي لم يكن لحماس أي دور في كتابة سطر فيه يتعرض للمصادرة والإلغاء من قبل من صاغوه وتغنوا به لسنوات!

وسادت معزوفة جديدة بأن حماس تخلت عن المقاومة واستبدلت البندقية بالكراسي،وهنا فاجأت حماس الجميع بعملية «الوهم المتبدد» النوعية ،وكلمة فاجأت ليست من اختراعي بل كان هذا هو التصريح الصادر عن رئاسة السلطة،ومازال جلعاد شاليط بيد حماس حتى اللحظة،ورغم أن أولمرت أرغى وأزبد بأنه سيستعيده أو يدمر غزة إلا أن تهديداته أشبه بتهديدات الإذاعات العربية إبان حرب عام 1967،وكان حزب الله له بالمرصاد حين نفذ عملية الوعد الصادق ليدخل أولمرت في حرب مرغت أنفه وأنف جيشه ومخابراته في الوحل اللبناني.

الانقسام والحصار والتهدئة

الانقسام والشرخ العامودي ليس في صالح القضية الفلسطينية على الإطلاق،ولكن تفسير فتح والرئاسة لما جرى لم يكن إلا ترديدا لعبارات وتحليلات أكل الدهر عليها وشرب؛فلم يجدوا في ما جرى إلا تنفيذا لمخطط إيراني-سوري وأضافوا دولة قطر وأصبحت حماس «حركة شيعية صفوية» تريد إنقاذ برنامج إيران النووي عبر السيطرة على غزة!طبعا كانت يوما ما «أردنية هاشمية» وقبلها حصان طروادة الإسرائيلي للقضاء على منظمة التحرير،بل اتهموا حماس عند زيارة بعض قادتها إلى موسكو بأنها شيوعية وذرفوا الدموع على الشيشان،ثم أصبحت حماس تابعة لجيمي كارتر وهلم جرا ...فكل مقولة تناقض سابقتها مع ملاحظة أن هذه المقولات هي صرعات وفرقعات إعلامية بهلوانية تختفي مع مرور الوقت وتغير الظروف.

حوصرت حماس في غزة،وقامت السلطة وحتى اللحظة بعملية اجتثاث ممنهجة للحركة في الضفة الغربية ،علما بأن الحركة في الضفة قد أنهكتها ضربات الاحتلال أصلا،وأشعل باراك وأولمرت نيران محرقتهم في غزة،فانتهى الأمر بتهدئة هشة توشك على نهاية مدتها المعلنة،وقبول الاحتلال بالتهدئة جاء بعد أن أثبتت حماس أنها صعبة المراس رغم حصارها وأن جناحها العسكري قد أصبح جيشا ،طبعا من البديهي عدم مقارنة هذا الجيش بعدد وعدة جيش الاحتلال أو حتى بشقيقه حزب الله اللبناني؛إلا أنه قادر على إلحاق الأذى والضرر وتفريغ أسديروت وحظر التجول في عسقلان ،ويعلم الاحتلال أن فترة التهدئة قد استغلها هذا الجيش المتواضع الإمكانيات الكبير المعنويات في التدرب تطوير القدرات وإعداد العدة للجولة القادمة.

وماذا الآن...بعد اشتداد حلقات الحصار

الآن هناك من يعتقد بأن حماس محشورة في الزاوية،وأنه ما على الجزار إلا أن يقودها للذبح وهي مستكينة،وأنه ليس بمقدورها فعل أي شيء؛فالسلطة في رام الله باتت اليوم مدعومة علنا وبلا مواربة من النظام الرسمي العربي الذي ظل يتوارى خلف شعارات الحياد ،والحصار يشتد ،وبات المليون ونصف فلسطيني يحرمون من الكهرباء وغاز الطهي وحتى رغيف الخبز وجرعة الدواء ،إلا بما يسمح به باراك،وما حدث أخيرا فيما يخص حجاج القطاع يوحي بأن حماس في وضع لا تحسد عليه فإما الموت البطيء بالحصار المحكم،أو الموت تحت جنازير دبابات باراك التي يهدد هو وأولمرت وفلنائي وشطريت باجتياحها للقطاع،فحماس –كما يظهر- محشورة في زاوية لا يمكنها الفكاك منها...ولكن هل هذا ما سيحدث فعلا أي أن حماس ستموت بهذه أو تلك،أو تقبل بشروط الرباعية المهينة لتنجو بنفسها؟ ما ذكرته في الفقرات السابقة لهذا المقال يجيب عن هذا السؤال بوضوح،فعند كل محاولة لحشر حماس في الزاوية لتركيعها أو اجتثاثها كانت حماس تخرج بطريقة مفاجئة أكثر قوة وبأرباح كبيرة مع خسائر هي أقلمت نفسها على تحملها،والوضع يشير إلى أن حماس ستفاجئ الجميع فيما إذا استمرت الضربات والحصار ومحاولات الإقصاء،كيف؟ليس لدي فكرة،ولكن ما هو مؤكد أن حماس قادرة حاليا مثلما كانت قادرة في السنوات الماضية على قلب الطاولة وتغيير المعادلة...وإن غدا لناظره قريب!


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2026