لخطاب الامين العام لـ«حزب الله» السيد حسن نصر الله، كما وعد، حلقة ثانية قد يسمي فيها الأمور بأسمائها بصراحة ووضوح ويكشف ما ليس في حسبان «العازفين» و«المراهنين» على قرار ظني صار معروف الوجهة... وعلى ما يردد البعض في «حزب الله»، فإن 25 تموز لناظره قريب، وهو التاريخ الذي سيتحدث فيه السيد نصر الله.. إلا اذا قرر أن يختار تاريخا ثانيا، أقرب أو ليس ببعيد.
واذا كان خطاب نصر الله الأخير، شديد الوضوح في عرض الوقائع وسرد حكاية «الاتصالات المقدسة» وارتباطها بحرب تموز 2006 وبكشف جواسيس «الفا» وبقراري حكومة الرئيس فؤاد السنيورة في 5 أيار 2008 وفي التلميح الى المتورطين من دون ان يسميهم، فإنه من جهة ثانية يستبطن الكثير من المعاني والرسائل السياسية للداخل والخارج على حد سواء.. وعلى الأرجح، هناك من بادر الى درس خطاب يوم جرحى المقاومة بكل ما تضمنه من حروف وكلمات.
هناك من يقول إن نصر الله نفذ «7 أيار سياسية» استباقية لقرار المدعي العام القاضي دانيال بيلمار، شبيه بـ«7 ايار الميدانية» التي أعقبت قراري حكومة السنيورة في 5 أيار. فرأس خيط تلك القرارات وبما لا يقبل الشك عند «السيد»، موجود في مكان واحد هو إسرائيل. والهدف واحد وهو الإجهاز على المقاومة. ولهذا وصف أي قرار يستهدف الحزب بأنه «مشروع إسرائيلي». لكن هل قرر «حزب الله» بهجومه إعادة النظر في تعاون الحزب مع التحقيق الدولي وتقديم شهود، على اعتبار أن «حزب الله» لا يتعاون مع مشروع اسرائيلي، أو بالاحرى مع محكمة تدار من خارج الحدود وتتحكم بها إسرائيل؟
تقول أوساط حزبية ان «السيد» لم يتوخّ من خطاب تكريم الجرحى المقاومين قلب الطاولة وهو يدرك حساسية هذا الملف، ولذلك أراد أن يعطي من تعنيهم «الحقيقة» أكثر من غيرهم فرصة العودة الى الرشد والانتقال من الرهانات على قرارات لا طائل منها، الى مسار الحقيقة التي أضاعها «شهود الزور» وتكاد تضيع الآن، وربما هي ضاعت في الروايات والفبركات والتصويب على «حزب الله» ومحاولة النيل منه من باب «قصة الاتصالات» التي استندت اليها رواية «دير شبيغل» و«لوفيغارو» وغيرهما.
وان لم يكن موقف السيد نصر الله «قد عطل أي قرار مفبرك»، كما تصفه الاوساط الحزبية، فإنه بالحد الادنى، فرمله، ووضعه أمام مفترقين يؤدي أحدهما الى الانطلاق بتحقيق جدي خارج السيناريو الاتهامي المفبرك، فيما يؤدي الآخر الى الوجهة الاتهامية ذاتها ومعنى ذلك الذهاب الى المواجهة.
وبحسب تلك الاوساط، فإن دخول رئيس أركان جيش العدو الجنرال غابي اشكينازي على خط القرار الاتهامي، لم يعزز الشكوك لدى «حزب الله» بما يحضر للمقاومة ولبنان، لكن ما استوقفه هو تجاهل فريق المحكمة لهذا التدخل وعدم مبادرته الى خطوة ولو متواضعة تحفظ ماء وجه المحكمة. وبدل أن يرفض الفريق السيادي تدخل العدو، هاجم مخابرات الجيش اللبناني وبخـّس إنجازاتها على صعيد كشف جواسيس الخلوي.
وقد قرأ «حزب الله» في ذلك سيناريو واحدا موحدا تمتد جذوره ما بين الداخل والخارج وهدفه المقاومة، وان ثمة في الداخل من لم يتعظ بعد من تجربة الرهانات السابقة ونتائجها الكارثية.
تطفح جعبة «حزب الله» بالملاحظات وأبرزها الآتي:
الاولى، عدم محاكمة شهود الزور برغم تأكيد التحقيق الدولي على التزوير، وعدم تسليم الوثائق التي تدين المزورين الى المتضررين منهم كاللواء جميل السيد مثلا تمهيدا لمحاكمتهم.
الثانية، السكوت المريب عن كل التسريبات التي تطلقها دوائر سياسية خارجية ومخابراتية واسرائيلية.
الثالثة، تقديم بعض اللبنانيين أنفسهم في معرض العارفين بفحوى قرار بيلمار، لا بل يفاخر بعضهم بذلك.
الرابعة، ما أحاط زيارة رئيس المحكمة انطونيو كاسيزي الى بيروت قبل أسابيع واللقاءات التي أجراها مع شخصيات لبنانية. حيث تبين أن كاسيزي يعلم بموعد صدور القرار، وبفحواه. الأمر الذي دفع تلك الشخصيات ومن بينها وليد جنبلاط الى السؤال: هل من حقه أن يعرف بمضمونه، أعتقد ان لا حق له بذلك ابدا... أو على الأقل هو كان يوحي بذلك... استنادا الى نظام المحكمة وتقسيم عملها.
ومن بين تلك الشخصيات التي التقاها كاسيزي في بيروت، وزير بارز يقول إنه سمع ما سمعه من كاسيزي حول الاتجاه الذي يذهب اليه القرار، وكانت له نصيحة وجهها للقاضي الدولي: «انتبهوا، ما أنتم بصدده قد يؤدي الى خراب لبنان.. أي قرار من هذا النوع وحتى لو تضمن أسماء ملائكة ووضعهم في موقع الاتهام وهم أبرياء، فقد تكون له عواقب وخيمة فكيف اذا تضمن أسماء كوادر من حزب الله»؟
تلك الملاحظات وغيرها كثير تتقاطع مع أسئلة كثيرة مثارة في فضاء القرار الاتهامي، ومنها:
ـ هل صحيح ان القرار الاتهامي أصبح ناجزا، وسيصدر في أيلول أو تشرين أو في نهاية السنة، وما ينقصه هو الإعلان فقط. وما دام منجزاً فما الذي يؤخر إعلانه؟
ـ هل بيلمار يمتلك أدلة صلبة غير قابلة للطعن، أبعد من موضوع الاتصالات، يمكن أن يستند اليها لبناء قرار اتهامي وكيف توافرت تلك الأدلة، ومن أعطاه إياها، ومتى وصل الى تلك الأدلة، والى أين وصل في الاستماع الى شهود «حزب الله»؟
ـ هل تستطيع حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية التي يرأسها سعد الحريري أن تماشي قرارا اتهاميا مفبركا، وما هو مصير الوضع الحكومي في ضوء قرار كهذا؟
ـ هل سيعمد التحقيق الدولي، إثباتا للمصداقية، الى طلب التحقيق مع جواسيس الاتصالات لتبيان الحقيقة بعدما ثبتت قدرتهم، وماذا اذا انتقل ملف هؤلاء الى المحكمة، على صعيد المضمون والمواعيد؟
ـ هل إغراق البلد بالحديث عن القرار الاتهامي، يستبطن محاولة إطلاق بالون اختبار من قبل الجهات الدولية التي ترعى القرار، لمدى تقبل الساحة اللبنانية للقرار، بحيث تكمل تلك الجهات بالاتهام اذا جاء رد الفعل تحت السقف، أو تعدله فيما لو جاء رد الفعل عنيفا، وعلى غرار النبرة العالية التي قدمها السيد نصر الله في خطاب يوم جرحى المقاومة؟
يجزم أحد الضباط الاربعة بأن معلوماته وتحليلاته تقوده الى التأكيد أن «لا قرار اتهاميا حتى الآن، فقرار من هذا النوع لن يصدر بلا أدلة قوية، والادلة غير موجودة، وحتى لو قالوا ان هناك أدلة فمن أين جاؤوا بها، وإن وجدت فهي باطلة.. نعم انهم يواجهون مشكلة تمويل المحكمة للسنة التالية (2011) ومن دون قرار ظني سيكون من الصعب الحصول على التمويل وهنا المأزق».
ويقول قطب نيابي «ان أي قرار اتهامي يفتقر الى المصداقية معناه الحكم بالإعدام على المحكمة والقضاء الدولي وعلى قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بالكامل».
وأما الأوساط الحزبية فتردد «هناك فريق مأزوم يحاول أن يضع «حزب الله» في موقع المهزوم، وجاء خطاب السيد ليفرض وقائع جديدة».
|