إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

ذكرى النكبة في المهجر الأوروبي

صبري حجير

نسخة للطباعة 2009-05-19

إقرأ ايضاً


النكبة جاءت على أهلنا في فلسطين عام 1948 ، ومازالت نتائجها متواصلة وماثلة أمامنا ! من بين النتائج التي لم تتناولها المقالات والبحوث والدراسات في المناسبات المتكررة ، المدى التي وصلت اليه آثارها على الجاليات الفلسطينية في المهاجر الأوروبية .

رغم أن هذا الموضوع يكتسي أهميه كبيرة ، خاصةً اذا عرفنا ؛ أنه في كل عام تتزايد أعداد الجاليات الفلسطينية في دول المهجر الأوروبي ! وتتعدد اتجاهات أنشطتها السياسية ، والإقتصادية ، والثقافية ، والإجتماعية ، ويتعاظم دورها الوطني .

فما هي العوامل والظروف التي تكونت ، وتشابكت وترابطت ، ودفعت مئات الآلف من الفلسطينيين ، للاقامة في بلاد الفرنجة كما يحلو لبعض المسلين أن يقول ؟ .

لقد باتت أوروبا تضمّ بين دفتيها لا يقّلّ عن ربع مليون فلسطيني ، نصفهم في ألمانيا ، وثلثهم في السويد والدول الإسكندنافية ، والباقي يتوزعون على أنحاء القارة الأوروبية ! فمَن الذي أوصلنا نحن الاجئين الفلسطينيين ، الذين يحلو للبعض أن يسميهم مغتربين ، الى هذه البلاد الأوروبية ؟ نعم أنها من النتائج الخطيرة للنكبة التي حلّت علينا عام 1948

انّ ما يلفت النظر في شهر أيار ، من كلّ عام ، شهر النكبة الفلسطينية ، في أوروبا ، إلتئام وانطلاق عدد من المؤتمرات والفعاليات الفلسطينية للدفاع عن حقّ العودة الى فلسطين . وما يلفت النظر أيضا ، أن الناس ، وأعني أبناء الجاليات الفلسطينية في أوروبا ، صاروا أكثر ، من ذي قبل ، إدراكاً لدورهم الوطني في إحياء هذه الذكرى المشؤومة . بل باتوا يدركوا أكثر فأكثر لمهماتهم الوطنية في بلاد المهجر الأوروبي .

ليس غريباً أن تعي الجاليات الفلسطينية لدورها الوطني ، وللمهمات المسنودة اليها ، في مجتمعات وبيئات سياسية ناضجة ومنفتحة ، تستطيع أن ترى الأحداث الكبيرة والصغيرة ، وأن توازن بموضوعية بين المعتدي والضحية ، وأن تقدر في ميزانها القيمي مواقفها اتجاه الأحداث العالمية المتسارعة ، والمنسكبة عبر اشرطة إعلاميّة متتابعة ومكررة تجتاح الشاشات التلفزيونية .

وليس غريباً أيضا أن نرى الجاليات الفلسطينية ، التي لا يربطها أي رابط في مرجعيتها التنظيمية والسياسية ، منظمة التحرير الفلسطينية ، تنشط وتتفاعل وتبدع اشكالاً نضالية متطورة ، فالمرجعيات بل المؤسسات الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية ، باتت مؤسسات تنتمي الى ذكريات الزمن الجميل !

كلّ هذا بات يلفت النظر ، من حيثُ أنّ الجاليات الفلسطينية في أوروبا تنهض بمهام وطنية فلسطينية ، تؤسس في تراكمها تغييراً في اتجاهات الرأي الأوروبي ، الذي كان من قبلُ يتجه في مسارات معاكسة ، تصبّ نتائجه في مجريات الحركة المعادية لقضايا الشعوب ، وخاصةً الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة .

الجاليات الفلسطينية التي باتت تعبئ بأحجامها المتزايدة الساحات والشوارع الأوروبية ، في الأحداث والنكبات التي تصيب الشعب الفلسطيني ، من جرّاء الإعتداءات الصهيونية المتزايدة والمتكررة ، هي فضلاً عن أنها تعبّرعن مواقفها المعادية للاحتلال الصهيوني ، وتتضامن مع أهل فلسطين ، فإنها تعبئ الفراغ السائب الذي أهملته الحركة السياسية والإعلامية العربية ، وانشغلت عنه ببرامج تسخيفية ، تهبط وتستهتر بعقل الإنسان العربي ، وتزيل من مكوناته تراث القيم الأصيل .

الفعاليات والمؤتمرات التي تقيمها الجاليات الفلسطينية في الدول الأوروبية ، ترتفع فيها الأعلام الفلسطينية ، ومفاتيح البيوتات المسبية ، تشكل في الواقع الأوروبي حضوراً سياسياً متميزاً ، ضاقت به الدوائر الصهيونية ، وانطفأت به أشعتهم الإعلامية المضللة ، ووضعت الأوروبيين أمام حقيقتهم ، فهم الذين خانوا الحقيقة عندما دعموا وساندوا الهجرات الإستعمارية الصهيونية الى فلسطينَ ! . الجاليات الفلسطينية في هذا الشهر أقامت عدّة فعاليات في أوروبا ، بدءاً من ايطاليا ميلانو ، مروراً بهولندا وفلندا ، وبانتظار اليوم الوطني الكبير في السويد ، ومؤتمر الجاليات الفلسطينية في النمسا . فهي تواصل الجهد والعمل ، من أجل إنجاح فعالياتها الوطنية ، في شهر النكبة ، من أجل أن تكون تلك الذكرى المشؤومة حافزاً للفعل الوطني ، وليس بيانات سياسية تصدرها ومن ثمّ تنساها ، الى أن تحل الذكرى مرةً أخرى .

ان ممارسات الجاليات الفلسطينية لحقها بالعودة الى وطنها فلسطين ، تجسده بابداع الفعل الوطني المثابر ، و تأكيده والإصرار عليه ، والإصطفاف العام خلفه ، متجاوزاً العصبوية الفصائلية ، وإظهاره للرأي العام من أجل نيل تعاطفه وتضامنه مع قضيتهم ، قضية اللاجئين الفلسطينيين .

وانّ النكبة التي جاءت على الشعب الفلسطيني عام 1948 بأسوأ النتائج ، تتصدى لنتائجها تلك الجاليات الفلسطينية في المهاجر الأوروبية ، لأنها تقع في صلب مهامها الوطنية اليومية ، فليس هنالك من دواعي تحرّك الجاليات ، وتدفعها لتؤكد حضورها في قلب المجتمعات الأوروبية ، وفي عمق المؤسسات والدوائر السياسية أكثر من النكبة .

فالنكبة لم تبقَ ، بالنسبة للجاليات الفلسطينية في أوروبا ، خيمة تقي عنهم برد تشرين ، ولا شمس أيلول وتموز ! ولم تبقَ ، طينٌ يتراكم فوق ركابهم ، كما لم تبقَ طحين يتسولونه من بقايا الأمم ! ولم تبق بؤس وفراق يمزقهم ! النكبة باتت هجرتنا الدائمة ، ونثرنا الواسع في حقول التراب البيضَ ، وفي مساحات المدن الشقراء ! فهي تنثرنا في أفق الوطن ، وهي تجمعنا كطوق الياسمين فوق عنق صبية فلسطينية .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021