إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الرفيق نعمة حمادة والرفيق الشهيد محمد زغيب

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2016-03-08

الارشيف

أنت تأمر يا خالي، صبري حمادة، وأنا طوع يديك. تريدني أن أسير حيث تسير. أن أسعى للنيابة، فأصبح مثلك. أطمح للوزارة فأتولى المنصب الذي تختاره. سياستك هي سياسة لي. رغباتك أوامر وكل ما تجده خيراً هو خير، وما هو باطل، باطل أشهره واحكي عنه .

هكذا كان يتوجه الطالب الجامعي نعمة كنج حماده إلى خاله رئيس مجلس النواب و"الزعيم" البقاعي المعروف. ولأنه فعل ذلك، أضحى الطالب نعمة فيما بعد نائباً عن الهرمل، ووزيراً في الدولة، عهداً بعد عهد.

*

ما ورد أعلاه غير صحيح، ذلك أن نعمة حماده أخذ درباً غير درب خاله. رفض أن يكون إقطاعياً سليل عائلة لها جذورها العميقة وحضورها السياسي المعروف. وعندما وافته المنية لم تكن مدافن عائلته الخاصة، مثواه الأخير، إنما مدافن الناس في الهرمل، رفقائه وأصدقائه ورفاق طفولته وصباه وشبابه ومسيرة حياته .

يافعاً كان عندما لفحت وجدانه معارك الأحرار في فلسطين. كان طالباً في القسم الثاني للبكالوريا اللبنانية، يومذاك لم يكن يعلم شيئاً عن السياسة والحرب. "إنما كانت الحماسة تستوحذ على أفكاري ومشاعري، وكل طموحي أن يسيل دمي على بطاح فلسطين، ويدرج اسمي في لائحة شهدائها لإسقاط الصهيونية، وكان أترابي في المدارس يشاطرونني هذه الأفكار وهذه الأحاسيس، إذ كانت الحناجر تبحّ بالهتافات، وكانت التظاهرات والتجمعات هنا في لبنان، وفي الشام وفي الأردن وبغداد متواصلة لا تهدأ" كما يروي في تقرير حزبي له. في ذلك الجو اتفق نعمة حمادة مع عدد من التلامذة زملائه على الالتحاق بجيش الإنقاذ، "فتركنا

الدروس والامتحانات والتقينا عند " كاراج بنت جبيل" في بيروت للذهاب إلى فلسطين. لم يحضر في الموعد المحدد سوى محمد علي الرز، الذي صار أمين سر عصبة تكريم الشهداء فيما بعد، وأنا. فركبنا سيارة عمومية إلى " بنت جبيل " حيث كانت المدينة الحدودية الكبيرة تعجّ بالمسلحين من كل حدب وصوب " .

هذا ما يحكيه الرفيق نعمة حمادة عن بدء مشاركته بحرب فلسطين(1) ثم التحاقه بالنقيب محمد زغيب(2) ابن منطقته، بلدة يونين، الذي حاول ثنيه عن قراره وإعادته إلى حيث أتى. لكن اليهود هاجموا المالكية في تلك الليلة، "والمجاهدون يتسابقون في التصدي لهم بين البيوت والأزقة والمنعطفات. خرجتُ من البيت، والعراك محتدم، ومضيتُ إلى الجلّ المجاور للبيت وكان جلاً مشرفاً على البلدة وعلى السهل المنبسط أمامها، وفيه بعض شجيرات التين والصبير، وأشد ما كانت دهشتي وهلعي عندما رأيت النقيب محمد زغيب مسنداً ظهره إلى حائط قرب "صبيرة" وبندقيته بيده، والدم ينزف من صدره وقميصه وأكمامه، صرخت: محمد، محمد، هل

أصبت ؟ فأشار إليّ بإصبعه أن أصمت. فقلت له وقد صرت بقربه، تعال أحملك، أو اتكئ عليّ. فقال أنت لا تستطيع حملي، ولكنك تستطيع أن تستدعي أحداً من الرجال لينقلني من هنا. بقيت برهة أتأمل. فمن عساي استدعي وأنا لا أعرف أحداً، ثم سرت عدة أمتار وإذ بثلاثة من المجاهدين يهبطون نحونا واحداً إثر الآخر، ومن بينهم سائق النقيب محمد، واسمه محمد(3) وقبل أن أدلّهم على مكان النقيب كانوا يهجمون نحوه ليحملوه على أيديهم وظهورهم، فكنت أشارك في النظر وفي الاهتمام بحمل جنادات الخرطوش فوجدتها جميعها فارغة، ساروا بجانب الحائط وسرت وراءهم كالمسحور وفي ظني أنهم يعودون به إلى البيت الذي نمت فيه ولكنهم راحوا إلى ناحية أخرى وما إن وصلوا إلى طريق رملية حتى كانت سيارة جيب تأتي لنجدتهم، طلع فيها النقيب محمد وأطلعني معه وقال لسائقه محمد، ولمن كان معه هذه العبارة التي لا أنساها: "ابقوا أنتم هنا حتى أعود. ولا ترموا أسلحتكم" .

ويروي الرفيق نعمة كيف أن سيارة الجيب سلكت الطريق الرئيسية إلى بلدة "يارون" ومن هناك "واكبتنا سيارة تابعة لقوات العقيد أديب الشيشكلي(4) إلى مستشفى "بنت جبيل" حيث أجريت للنقيب محمد الإسعافات الأولية، ومن بنت جبيل في سيارة جيب أخرى يصحبنا الأستاذ إبراهيم بزي إلى مستشفى الدكتور سعدالله الخليل في صور.

" كانت إصابة النقيب محمد في صدره، رصاصة واحدة اخترقت ثديه الأيسر عند جيبة القميص فثقبت تلك الجيبة وثقبت معها بطاقة الهوية، وورقة نقدية بمائة ليرة لبنانية واحدة لم يكن يملك سواها كانت موضوعة في جيبه .

" لقد كانت تلك الإصابة قاتلة إذ على الرغم من العملية الجراحية التي أجريت له وللإسعافات العاجلة لم يعش طويلاً، فقد زرته خلال إقامته في المستشفى مرتين وأخبرته أن النجدات التي أتت إلى المالكية تمكنت من تحريرها، فهزّ رأسه متأثراً وقال بصوت منخفض "متأخرين" فكانت هذه العبارة آخر كلمة سمعتها منه " .

* *

ويمضي نعمة حمادة عكس تيار عشيرته ورغبات من أرادوا له أن يكون مثلهم. في 9 تموز 1949 قرأ عن استشهاد أنطون سعاده. هزّ الخبر وجدانه. وقف وحده أمام المرآة. تناول القسم. أقسم قبل أن يردد كلماته، وقرر أن تكون تعاليمه ومبادئه إيماناً له وشعاراً لبيته .

اختار لحياته رفيقة نضال من غير طائفته ومن غير منطقته، ومن غير الكيان الذي أراده الجنرال غورو كبيراً عام 1920، أدما ناصيف شقيقة رفيقه دعاس ناصيف الذي، مثله، كان محامياً ومناضلاً وتولى في الحزب مسؤوليات، وسطع .

ومع أدما، الأمينة، المناضلة، بنى عائلته خارج الأطر التقليدية، أرادها أن تكون عنواناً للبنان الذي يكتشفه البعض "يتوحد" في ساحة الشهداء، فيما هو وجد وحدته الحقيقية عام 1932 عندما انبلج من عرزال سعاده نور آخر يتجاوز حدود العشيرة والطائفة والمذهب والكيان، ليصل إلى تحقيق وحدة الروح والمصير، في عشرات آلاف الذين عرفوا الحقيقة، فراحوا يكرزون ويناضلون في سبيل أن تأخذ الأمة بها فيكون في ذلك خلاص لها من داء يقتات من عافيتها ويشلّ قدراتها .

نعمة حمادة، لم يكن فقط رفيقاً مناضلاً، أو مثقفاً قومياً اجتماعياً، أو محامياً جديراً بالمهنة، أو صديقاً وفياً لكل من عرفه وتعاطى معه. كان نعمة حمادة مثالاً حياً للتعاليم القومية الاجتماعية، نقول بها للجميع كيف أن الحزب تمكن بالفعل والتطبيق، لا بالنظريات وبالكلام، أن يجعل ابن العشيرة يتخلى عن مكاسب موروثة يهرع إليها البعض، فيأخذ بما رآه حقاً وخيراً، يذوب في الحزب الذي آمن بتعاليمه، ويستمر ينبض في أعماقه حتى الزفرة الأخيرة .

به، وبأمثاله، من رفقاء على مدى الوطن أتوا من عائلاتهم وعشائرهم وطوائفهم ليكونوا قوميين اجتماعيين مناضلين وأوفياء، يستطيع حزبنا أن يفخر أنه انتصر على كل العوائق التي تمنع توحّد المجتمع في بوتقة واحدة تنصهر فيها كل الطوائف والمذاهب والعشائر والأتنيات .

وقت طويل سيمضي قبل أن نعتاد على واقع أليم: لقد رحل نعمة حمادة، فيما هو نراه ونشعر به ونستمع إليه كل لحظة، ومع كل رفيق يرفع اليمنى، يقسم، يسير وايمانه كبير.

*

شهادة من زميل له

نشرت مجلة "البناء ــــ صباح الخير" في عددها رقم 1070 تاريخ اول تموز 2005 هذه الشهادة من محام زميل للرفيق نعمة، المحامي ياسر علي أحمد، ننقلها بالنص الحرفي، لما فيها من اضاءة صادقة على نفسية الرفيق نعمة ونهجه الاخلاقي.

" تخرّجت من كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية، وبدأت معاناتي المريرة في ايجاد مكتب محاماة أتسجّل فيه تمهيداً لتقديم انتسابي الى نقابة المحامين، وهذه المعاناة التي يعاني منها الاكثرية الساحقة من خرّيجي كليات الحقوق في لبنان حتى يصل بهم الامر الى عدم الانتساب الى نقابة المحامين بسبب عدم ايجاد مكاتب للتدرّج.

بعد معاناة لمدة سنة، ابتسم لي الحظ ابتسامة عريضة.. المحامي نعمة حمادة بحاجة لمتدرّج، والفضل في تعرّفي إليه هو استاذي في الجامعة اللبنانية القاضي الدكتور ماجد مزيحم الذي ساعدني في العثور على مكتب اتدرّج فيه.

ذهبت اول مرّة الى مكتب المحامي نعمة حمادة في منطقة بدارو، وكلّي وهم أنني سأجد شخصاً متكبراً بعد ان أمضى حوالي اربعين سنة في مهنة المحاماة .. لكن الذي حصل هو العكس تماماً. وجدتني أمام إنسان تعلو السماحة محياه، متواضع لبق، شعبي. وخلال دقائق انكسر حاجز الوهم المبني في مخيلتي وأشعرني أنني أحد أبنائه ولست متتلمذاً على يديه، وأنني صديقه ولست زميلاً له في مهنته وانني من اصحاب مكتبه ولست متدرجاً فيه.

هنا بدأت رحلة فرح المهنة مع هذا الرجل الكبير والعظيم، دخلت الى مكتبه لأتعلّم منه مهنة المحاماة فإذا به يعلمني إياها مضافاً إليها حبّ الناس والشعور بمعاناتهم ومحاولة تخفيفها ومساعدتهم قدر المستطاع، مبتعداً عن استغلالهم مادياً.

علّمني ان اربح الدعاوى لا ان اربح الاموال منها، طالباً مني عدم اعتماد اتفاقيات الاتعاب مع الموكلين كي يشعر الموكل اننا نترافع عنه ايماناً منّأ بقضية وليس ابتغاء للربح المادي منه.

علّمني النضال الشريف في سبيل قضايا الوطن والمواطن المحقّة، بالرغم من اختلاف عقيدتي عن عقيدته، لكن اختلاف العقائد لم يمنعني من آخذ عنه طريقته المتحضرّة وأسلوبه الراقي في التعاطي بالشأن العام والسياسة والقضايا الاجتماعية والفكرية والتنظيمية .

فقدت والدي في العام 1999 بعد صراع مرير مع مرض عضال، فإذا بنعمة حمادة يقف بجانبي وقفة أب حنون رؤوف ملبياً لي كل طلباتي التي يمكن ان يؤمنها الأب لابنه.

لكنني فقدت ذلك الأب مرّة اخرى.

رحل نعمة حمادة، تاركاً فينا صور تلك الابتسامة المشعّة من ثغره المتبسّم دائماً..

رحل بعد ن دخل قلوب محبيّه دون دعوة منهم ودون طلب منه.

مات بسبب مرض في القلب بعد ان عمل كثيراً في حياته من خلال سمعته واستيعابه لأعداد هائلة من الناس وانشغاله بحبهم.

غادرنا بصمت وسكينة، وأسدلت الستارة على حياة ملؤها الحبّ والعطاء والتفاني والإخلاص والنضال الشريف.

وداعاً يا معلّمي..

وداعاً نعمة حمادة "

*

هوامش

(1) للاطلاع على كامل رواية الرفيق نعمة حمادة، يمكن العودة إلى النبذة المعممة عنه في قسم ارشيف تاريخ الحزب على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info

(2) يفيد الرفيق نعمة أنه نسي الاسم الكامل للسائق، إنما "علمت فيما بعد أنه شامي من أبناء الغوطة، وانه قريب المجاهد السوري المغفور له جمعة سوسق " .

(3) كان النقيب محمد سعيد عقيل زغيب قومياً اجتماعياً . من مواليد بلدة يونين عام 1910 . انتمى إلى الحزب عندما كان طالباً في المدرسة الحربية في حمص . قاد معركة المالكية في حرب فلسطين واستشهد في أيار عام 1948 ، تحمل اسمه ثكنة الجيش اللبناني في صيدا .

(4) تولى رئاسة الجمهورية في الشام . كان وشقيقه صلاح قوميان اجتماعيان . بعد توليه الحكم بفترة ، انحرف وأسس حزباً له.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017