إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

من مآثر رفقائنا بعد الثورة الإنقلابية

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2016-04-06

الارشيف

من كتاب الأمين ديب كردية، " قسمي .. وصيتي" هذه المآثر ننقلها رافعين يدنا زاوية قائمة إحتراماً لبطولات رفقائنا ولوقفات العز.

بعد إعتقاله، وهو جريح ينزف، يروي الأمين ديب كردية في الصفحة 63 من كتابه، التالي:

" بدأت رحلة التعذيب الوحشية في غرفة معتمة رطبة حشروا فيها عشرات المعتقلين الذين غصّ بهم المكان مثل علب السردين، رموني على الأرض الباطونية مباشرة وكنت ما زلت أنزف بغزارة من قدمي المكسورة .

" الرفيق المحامي نعمة حمادة(1)، الذي اعتقل ليلة رأس السنة وهو يرتدي معطفاً جديداً إشتراه لتلك المناسبة، خلع معطفه على الفور ولفّ به قدمي النازفة في محاولة لوقف تدفق الدم. أخذني الرفيق قاسم العفي الى الحمامات لغسل الجرح، فشاهدنا صور الزعيم موزعة فوق المراحيض. أنزلني الرفيق قاسم عن ظهره، فإتكأت على الجدار بينما عمد هو الى نزع الصور ووضعها في مكان آخر.

" في الليلة الثانية نقلونا الى مهجع أشد عتمة ورطوبة من غرفة الليلة الأولى، بل هو أشبه ما يكون بــ"ياخور للبغال"، وكان عددنا قد وصل الى حوالي 350 شخصاً ولا احد منا يعرف ما هو مصيره. عنّ على بالي غناء بعض أبيات العتابا، وكان الرفيق علي نزهة(2) منزوياً في آخر المهجع، فلما سمع صوتي شقّ طريقه بصعوبة نحوي وجلس بالقرب مني. في صبيحة اليوم التالي، فتح الباب وأدخلوا علينا شخصاً طويل القامة كان يرغي ويزبد صارخاً: " أنا لبناني حرّ، فلماذا انا هنا؟ ". بعد إغلاق الباب، ظل هذا الشخص يصرخ " انا لبناني حر"، فما كان من الرفيق طالب قندولي الذي لا يتجاوز طوله المتر ونصف إلا أن حمل المكنسة وبدأ بضربه على رأسه... وذلك الشخص الطويل يهرب امامه لكن من دون جدوى!

" بعد قليل أخذوا ينادون بأسمائنا تمهيداً لنقلنا الى السيارات بعد تقييد كل إثنين سوياً. كان نصيب مهدي عاصي(3) مرافقة ذلك "اللبناني الحر"، وعند خروجهما من الباب إنهال عليهما الجنود بالضرب. قيّدوني مع الرفيق أديب الأحمدية(4)، ووقف فوق رؤوسنا في الباص العسكري جندي ساحباً أقسام بندقيته.

" أوصلونا الى المدينة الرياضية وتركونا هناك في العراء. لم أكن أستطيع الوقوف، فجلست بالقرب من الجدار. أحد الضباط اللئام أهان رفيقاً لنا من جنوب لبنان من بيت أيوب، فرد عليه بما يناسب المقام. أمره الضابط بالركوع فصرخ به الرفيق: "فشرت". أطلق الضابط النار بالقرب من الرفيق الذي هجم كالوحش عليه، فاضطر الضابط للهرب من أمامه. وأثارت الحادثة الرفقاء الذين هاجموا الأبواب بعنف، فلجأ الجنود الى إطلاق النار في الهواء ورمي قنابل الغاز المسيل للدموع. كنت عاجزاً عن الحركة بسبب قدمي المصابة. وقد سمعت شخصاً يقول إن السلطات ستفعل بنا كما فعل الألمان مع اليهود. اجبته: " لا بأس، فنحن اصحاب قضية ولن يستطيعوا أن يفعلوا معنا شيئاً... فهل يعقل أن يقتلوننا جميعاً؟ " إلتفتُ إليه، فإذا به الرفيق حسن نزهة الذي إقترب مني ليتفقدني، وسألني عما إذا كنت قد شاهدت الرفيق علي نزهة، فأخبرته أنني كنت معه أمس في الفياضية، ولم أعرف الى أين نقلوه اليوم.. وفي اليوم التالي نقلونا الى ثكنة المير بشير.

" حتى ذلك الوقت لم يكن جرى معي أي تحقيق. كنت قد أعددت قصة للتمويه، مفادها أنني مزارع من البقاع كنت أنقل خضاراً الى السوق عندما وقع إطلاق النار بالقرب من الجسر الواطي "فأصبت برصاصة طائشة في قدمي"، لكن يبدو أن قيادة الجيش كشفت بعض التفاصيل عني، فأخضعوني لعمليات تحقيق وتعذيب وحشية على مدى أيام. أخفيت دور كل من مديرية حرش تابت ومديرية الزلقا وجل الديب التي تولى الرفقاء منهما قيادة السيارات المشاركة في الإنقلاب. وكذلك غطيتُ الرفقاء الذين كانوا معي على أساس أنني كنت بقيادة الشهيد مصطفى حمزة ولم أكن أعرف أياً من المشاركين معي.

" وظلت هذه الإفادة مقبولة لدى المحققين العسكريين الى ان اعتقل الرفيقان (.....)، طلبوني الى التحقيق الساعة الحادية عشرة ليلاً، فحملني شخصان الى مكتب الشعبة الثانية حيث وجدت رفيقي وهو "يتبرع" بالمعلومات ويتهم الرفيق محسن نزهة (الامين لاحقاً) بقتل الرقيب في الثكنة. سألني المحققون: " كيف تدّعي أنك لا تعرف الذين كانوا معك، بينما يقول "الرفيق" أنك مسؤول عن كل شيء ؟ ". وتبيّن ان (.....) أعطى كل الأسماء للمحققين.

" كان خليل محمود وعلي طي ما زالا في المعتقل بينما خرج أولاد البزال إخلاء سبيل قبل إعتقال أحمد طي. وكانت النتيجة حفلة تعذيب من الطراز الأول إستمرت حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.

" وهكذا بدأت حفلات التعذيب اليومية، واحدة قبل العشاء وأخرى بعد منتصف الليل. كانوا يعبرون بي الدرج حيث سُجن أخوتي وأولاد عمي، فيشاهدوني في طريق العودة مُدمى ومحمولاً.

" ويوم ألقوا القبض على العميد بشير عبيد، أوقفوا كل المعتقلين على الجدار واستعرضوه أمامنا. كنت جالساً على الأرض بسبب الإصابة في قدمي عندما مرّ بي الملازم أول سامي الخطيب الذي توقف قربي وقال: "يا كردية، لماذا لم تؤد التحية الى وزير دفاعكم ؟ " أجبته: " أبداً، لقد أديناها بالفعل .... لكن في قلوبنا". وأطلق الخطيب سلسلة من الشتائم المقذعة لي ولأمي ولأختي، فقلت له: " لا بأس، إن أمي ولدت رجلاً مستعداً للموت في سبيل بلاده ووطنه أما أمك أنت فقد أنجبت عميلاً مرتبطاً ". جنّ جنونه ونادى على أبو أحمد العازوري، لكن الملازم أول شمعون سمع ما يجري فخرج من مكتبه يستفسر من الخطيب الذي روى له الحادثة، فقال شمعون: " لماذا بدأت بشتم امه ؟ " اجابه الخطيب: " وهل أنا مثله، أو أن أمي مثل أمه ؟ " فقال شمعون: " ممنوع على أحد منكم مسّ ديب كردية "، ثم أخذني من يدي وأدخلني مكتبه.

" مضت ستة أيام قبل أن يطلبوني الى التحقيق مرة أخرى عند الساعة الثانية فجراً. امام غرفة المحقق وجدت الرفيقين الشاميين الشقيقين مسلط ابو فخر وعادل ابو فخر(5) جالسين على مقعد. فأجلسوني الى جانبهما. ناداني سامي الخطيب الى الغرفة، وطلب مني الجلوس قائلاً: " من الذي كلفك بمهمتك في الإنقلاب ؟ " قلت: "قيادة الحزب". سألني: "ألم تتردد؟" أجبته بالنفي، فتابع يقول: " كم ولداً عندك ؟". قلت: "تسعة"، وعلّق بالقول: "من سيربي هؤلاء بعدك؟" اجبته: " الذي خلّفهم قادر على تأمين تربيتهم". قال: " لقد جنيت عليهم". فقلت: "لا بأس"! طلب مني الخروج والانتظار مع الرفيقين الآخرين في الخارج. بعد دقائق طلبوا منا التحرك بإتجاه الباحة حيث كانت تنتظرنا سيارة عسكرية صادف آنذاك وجود نائب أول في الجيش اسمه عباس المصري، كنت قد ادخلته الحزب عندما كنا في ضبيه، أدرك أن نقلنا في هذه الساعة المتأخرة من الليل لا يبشّر بالخير، فاتصل على الفور بقريبه النائب نايف المصري وحذره من أن عناصر الشعبة الثانية سينقلون ديب كردية وقوميين آخرين لإعدامهم. على الفور إتصل نايف المصري بالضابط أنطوان سعد الذي إتصل بدوره بسامي الخطيب.... فأنزلوني من السيارة لكنهم اخذوا الرفيقين ابو فخر الى حيث تمّت تصفيتهما. وكان كل الذي يجري تحت نظر أخوتي وأولاد عمي الذين شاهدوني أمرّ في الباحة وأصعد الى الجيب، وقد ظل أخي خليل متشبثاً بحديد الزنزانة من دون أن يتمكن أحد من إبعاده الى أن أنزلوني من الجيب وعادوا بي الى السجن.

" في إحدى الليالي طلبوني الى غرفة التحقيق، فوجدت هناك سامي الخطيب وإنعام رعد وبشير عبيد وصبحي ابو عبيد، بينما ابو احمد العازوري وزبانيته يمسكون الرفيق جبران الأطرش(6) ويضربونه من جدار الى آخر ويجرجرونه على الأرض طالبين منه أن يعترف بأن ديب كردية هو الذي أطلق النار، وهو يصرّ على الإنكار.

" في اليوم التالي إستدعاني المحقق حركي، وعندما وصلنا الى مكتبه طلبوا منا الإنتظار في الخارج ريثما ينتهي من لقاء الزوار. أجلسوني على مقعد أمام الباب لأنني كنت لا أزال عاجزاً عن السير لوحدي. في هذه الأثناء مرّ عبدالله سعاده يحيط به أربعة من رجال الشرطة العسكرية، كان جسمه مزرقاً من شدة الضرب والتعذيب. وعلى رغم الألم في قدمي وقفت وقدمت له التحية قائلاً: " تحيا سورية حضرة الرئيس". ولم أكد اكمل عبارتي حتى هجم عليّ رجال الشرطة العسكرية وطرحوني أرضاً وانهالوا عليّ بالضرب. خرج المحقق حركي من مكتبه على وقع هذه الجلبة متسائلاً عما يجري، ولما شاهدني على هذه الحالة خلّصني من بين أيديهم قائلاً: " هل أنتم تحاكمون سوريا أم تحاكمون الإنقلابيين ؟ " وأدخلني على الفور الى مكتبه.

هوامش:

(1) نعمة حمادة: مراجعة النبذة المعممة عنه في قسم "من تاريخنا" على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info.

(2) علي نزهة: الامين، المنفذ. عضو المجلس الاعلى. مؤسس العمل الحزبي في النبي عثمان.

(3) مهدي عاصي: منح رتبة الامانة وتولى مسؤوليات حزبية، محلية (في بيروت، في الهرمل واماكن اخرى) ومركزية. يصح ان نكتب نبذة مضيئة عنه.

(4) اديب نجم الاحمدية: من شارون. كان له نشاطاً حزبياً جيداً.كلّف بمرافقة الامين انعام رعد عند خوضه الانتخابات في الشوف عن المقعد الكاثوليكي بمواجهة سالم عبد النور، والده الرفيق نجم من اوائل الرفقاء المؤسسين للعمل الحزبي في بلدة "شارون".

(5) مسلط وعادل ابو فخر: من شهداء الثورة الانقلابية. اشرنا إليهما في اكثر من مناسبة، وسننشر النبذة عنهما عندما نتحدث عن الرفقاء الشهداء الذين سقطوا في الثورة الانقلابية .

(6) جبران الاطرش: للاطلاع على النبذة المعممة عنه الدخول الى الموقع المشار إليه آنفاً.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017