إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الكبار لا يحتاجون الى مناسبة

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2016-10-27

الارشيف

كنت مزمعاً مع أوائل حزيران الفائت، في ذكرى وفاته(1) أن أوجه كلمة الى الأمين نواف حردان، العملاق في الأدب والرواية والنضال القومي الاجتماعي، والذي كلما أعدت قراءته، ورجعت بذاكرتي الى وقفاته وتفانيه وتضحياته، وكم كان عاشقاً لسعادة وللحزب وللأمة، كلّما لمت نفسي اني لم أقعد معه أكثر، لم أدّون له ولم أسجل الكثير من الروائع عن تاريخ حزبنا التي رحلت برحيله.

الامين نواف حردان يستحق أن يُكتب عنه الكثير، وأن تكون رواياته، موضوع أطروحة، أو أكثر، لطلاب الأداب في جامعات الوطن، وخارجه.

*

في تموز 1992 عاد الأمين نواف الى الوطن بعد اغتراب دام 40 عاماً.

في العدد 844 تاريخ 11/7/1992 من مجلة "البناء" نشر الكلمة الرائعة التالية التي هي لسان حال كل من غادر وطنه، حاملاً معه لوعته وحنينه، وأمله أن يعود ذات يوم الى ربوع طفولته وملاعبها.

ل. ن.

*

عائد الى الوطن

الامين نواف حردان

انا عائد الى الوطن،

الذي كانت فوقه ترفرف روحي.. والى كل ذرة من ترابه تهفو جوارحي.

وتشتاق الى كل صخرة وكل ينبوع .. وكل زيتونة ودالية ونخلة وسنديانة.. والى مدنه وقراه التي تتكئ في أحضان الجبال، أو تستريح في السهول، أو ترصع المطلات والمشارف، أو تنحني على الأودية والبوادي، أو تشرئب الى البحر السوري الأزرق الصافي.. وميادين الحق والفروسية والصراع، والجمال والحنان والنخوة والمحبة وذرى الأعالي.

انا عائد الى الوطن.

أهرع إليه بعد هجرة قسرية دامت أربعين عاماً.. كانت اطول من الدهر.. ايامها مغمورة بالشوق والحسرات.. ولياليها مغموسة باللوعات والمرارات.

كانت الطائرة تسرع بي في طريقها الى الوطن.. وأنا لو أنها تختصر المسافة الطويلة.. وتقفز قفزة واحدة الى بيروت، حيث الابنة والاخوة والرفقاء الأحباء بفارغ صبر ينتظرون.

ولكن الطائرة كانت تأبى الاختصار.. وتتشبث عنيدة مصرّة، بطريقها الطويلة المرسومة فوق القارات والبحار.. وهي تبدو لي على سرعتها الهائلة المفترسة المسافات.. كأنها تراوح مكانها.

ذلك أن قلبي وروحي كانا أسرع منها.. وأشواقي المجنحة قد سبقتها ، للقاء الأهل والأحباء.. وعشران الصبى وزملاء الدراسة ورفقاء الصراع.. وظل جسدي وحده في الطائرة كأنه بلا روح.

أربعون عاماً .. قضيتها بعيداً عن الوطن.. أخزن أشواقي وأعبؤها، أطناناً بعضها فوق بعض، في اهراء ضخمة كبيرة.

وفي تلك الساعة التي كنت اقترب فيها من الوطن.. انفجرت تلك الأشواق دفعة واحدة، في زخم مضغوط مدفوع.. فما عدت قادراً على حصرها والسيطرة عليها.

كنت ابتسم طوراً.. وأعبس تارة وعواطفي تثور.. فاتشاغل بالتطلع من نافذة الطائرة، الى البحار والصحاري، أو المدن والجبال والغيوم، التي كانت تمر تحتنا بسرعة حثيثة.. ونمر فوقها كالسهام.

وددت لم أن الطائرة تلك الساعة.. وهي تقتحم الشاطئ السوري كالإعصار، تؤخر هبوطها في مطار بيروت، دقائق أخرى، وتقوم بجولة فوق جبال لبنان الناهضة تناطح الأعالي، أحاول خلالها ضبط أعصابي واستعادة هدوئي.


ولا أدري .. كيف قفز بي ذهني تلك الساعة.. الى بيت شعر للشاعر المهجري ايليا ابي ماضي، الذي اطلقه يزغرد وهو يصل الى لبنان بعد هجرة طويلة.. عندما وقعت عيناه على الجبال الشمّ فقال:

وطن النجوم انا هنا

حدّق .. أتعرف من أنا

تلك الساعة التي تطأ بها أقدام المغترب أرض الوطن الحبيب الغالي بعد طويل فراق.. يا لها من ساعة سمّاعة.

يشعر المغترب ساعتئذٍ.. بأن أبواب سجن مظلم عميق قاس، تنفتح أمامه دفعة واحدة على مصاريعها.. وعلى صباح مشرق لطيف حنون.. وربيع أخضر معطر بسّام مطمئن.

.. وان سنين النفي والغربة والتشريد الطويلة القاسية المريرة.. تسقط دفعة واحدة.. وتختفي ذكرياتها السود في تلافيف العدم الى الأبد.

ولا يبقى أمام المغترب العائد.. سوى ايدي المستقبلين الأحباء.. ترتفع وتلوح بالمحبة والحنان والوفاء.. وسوى عناقات الأهل والرفقاء وابتساماتهم.. تطفئ بنبلها وسخائها وحرارتها.. آلام الشوق المحبوس المضغوط الكبير.. ومرارات البعاد والنفي والغربة الموجعة.

حقاً ان حب الوطن قتّال.. وهو من الإيمان ولا شك.. الأيمان بالله والوطن والعقيدة.. والثقة برفقاء الصراع الميامين.

الإيمان بالوفاء والمحبة.. محبة الأهل والرفقاء والأصدقاء .. والأرض التي أبصرنا عليها النور.. وفيها حضنتنا أمهاتنا.. وفي ربوعها ترعرعنا ونمونا.

حياة المغترب.. غربة وتسكع وضياع وانقطاع هي..

يشعر المغترب في بلاد غريبة..أنه غريب فيها.. اقتلع من جذوره وغرس في تربة لا تلائمه.

يشعر وأنه انقطع عن ماضيه، ليرمي به القدر في دروب سوداء زوراء تسير به الى المجهول.

قد تكون تلك البلاد كبيرة عظيمة.. ولكنها ليست بلاده.

تؤثر البيئة الاولى بالإنسان وتقولبه بقالبها.. ويكسبه تفاعله معها.. عادات وتقاليد وخصائص ونفسية.. تميزه عن الإنسان الآخر في بيئات مختلفة أخرى.

كل شيء هنا.. في بيئة المغترب الأولى.. في بلاده التي ولد ونشأ فيها.. يختلف.. التربة والهواء والجبال والوهاد والمطلات والحقول والكروم.. والمأكولات والثمار.. والنسيم والرياح والفصول تختلف.

التاس أنفسهم يختلفون.. في أفكارهم وعواطفهم وتطلعاتهم وهمومهم ومشاغلهم.. والآمهم وآمالهم ومصائرهم.

حتى العصافير.. في بلاد المغترب الأولى.. لها تغريد موسيقي مختلف.. وسجعات بلدية اليفة حنون.

رحم الله الشاعر البرازيلي (اولافو بيلاك) الذي كان منفياً في البورتغال.. وهاجة الشوق ذات يوم من منفاه الى بلاده البرازيل فأنشد.

بلادي تزينها أشجار نخيل

تزقزق عليها عصافير جميلة

والعصافير التي تغرّد هنا

لا تغرد كالتي هناك

**

سبق لي أن عدت الى الوطن عشر مرات في الماضي.. ولكن العودة هذه المرة تختلف عن سابقاتها.. ولها نكهة أطيب وأعذب.. لأنها عودة نهائية .

أذكر أنني عدت للمرة الأولى عام 1974 بعد اغتراب واحد وعشرين عاماً.. عندما ذهبت أزور ضيعتي راشيا الفخار في جنوبي لبنان.. أذكر أنني عندما أشرفت عليها.. وهي غارقة في بحر من الخضرة، طلبت من رفيقي الذي كان يسوق السيارة بسرعة، أن يخفف من سرعتها .. لكي امتع ناظري بالمناظر الجميلة.. التي كنت أحلم بأني أراها أثناء غربتي الطويلة.

غرقت أنظاري في المناظر البديعة.. التي بدت أمامي.. وراحت تتجول سابحة متنقلة من منظر الى آخر.. تريد أن تشرب أن تغب.. أن تشبع.. وما كانت ترتوي أو تكتفي.

هناك.. تحت سنديانة "خميس" التاريخية العملاقة الخضراء.. كنت أمرح مع أترابي الصغار.. وهنالك في "الجنازل" كنا نحوش الزيتون.. وعلى ذلك البيدر كنا نلعب كرة القدم.. ومن ذلك الغدير الصافي كنا نسقي البقرات.. ثم نقفز اليه نسبح ونلعب ويتعالى صراخنا..

وتوالت المناظر أمامي بعضها يلاحق بعضاً.. وكل منها حبيب مشوق.. تستفيق معه ذكريات الطفولة والفتوة والشباب، ناهضة قوية عنيفة، تنخعني وتهز كياني.

وأبقى مسمراً مكاني بلا حراك.. تعصف في قلبي براكين عواطفي الثائرة.. عصفاً طاغياً غامراً مؤثراً..

ووصلت الضيعة.. ودخلتها كمن يدخل هيكلها للعبادة.. بيوتها كلها أعرفها.. رحت أقف أمام كل منها.. وبودي أن أدخلعا بيتاً بيتاً.. أستعيد ذكرياتي فيها.

تلك الشوارع الضيقة الملتوية.. والأزقة المتعرجة.. الصاعدة طوراً، المنبسطة تارة، والمنحدرة آناً.. ما أجملها واحبها الى قلبي.

تلك اللفتات والزوايا الأليفة.. تلك البيوت المتواضعة الدافئة الحبيبة، لي في كل بيت منها ذكرى.. ومع كل شجرة وجدار وربعة قصة.

إلا أن تلك البيوت البيضاء البريئة.. كانت متصدعة مدمرة.

آثار التدمير والخراب.. كانت بادية عليها.. تصرخ بوحشية وغدر ولؤم وهمجية الحقد الصهيوني الذي ليس له حدود..

كانت البيوت المتصدعة المدمرة المغدورة.. تبدو حزينة تتأوه.. سقطت عزيزة دون أن تركع.. ظلت صامدة مكانها دون أن تستسلم، حزينة تبكي أهلها الذين هجروها وراحوا.. وأيام العز والكبر والصراع.

أيام كانت تعجّ بأهلها.. وتزغرد للأفراح والأعياد في كل أول آذار.. أيام كانت تغلي بالشباب والصبايا، وتوزع في محيطها فكراً وثقافة ووعياً وصراعاً من أجل الحق والخير.. وتنشر العقيدة السورية القومية الاجتماعية.

وعلى حزنها وتدميرها وخرابها.. بدت لي بلدتي الشهيدة.. جميلة جداً.. ليس في الدنيا مكان أجمل منها.

دمّرت بكاملها.. خربت عن بكرة أبيها.. وليس في لبنان كله.. وفي لبنان الجنوبي بنوع خاص بلدة دمّرت مثلها.. لا لجريمة ارتكبتها.. سوى "جريمة" تعاطف القوميين الاجتماعيين فيها.. مع الفدائيين الفلسطينيين.

وفجأة قرع جرس الكنيسة.. فسمعت موسيقى أليفة رائعة ليس هناك أروع منها..

ثم ارتفع من القرية المجاورة القريبة، صوت المؤذن يدعو الناس للصلاة ويسبّح الله، فجمدت في مكاني مرة أخرى، أصغي وأسبّح الله أنا ايضاً، وأتمتع بسماع أجمل صوت وأبرك صلاة.

نفس الجرس الذي ألف سمعي رنينه في سنواتي الأولى.. كان يتجاوب في موسيقى شجية حنون تعطر الآفاق.

ونفس المؤذن الذي استفقت على الحياة وعلى صوته كان يتجاوب برخامته وخشوعه في تلك الربوع صائحاً.. الله أكبر.. الله أكبر.. فتخشع لسماعه الجبال والأودية والطيور والنفوس.

أعود وأسمع رنين جرس الكنيسة.. وصوت المؤذن بعد غياب أكثر من عقدين.. فأشعر أن الماضي الحبيب ينهض منتصباً أمامي دفعة واحدة، ناصعاً حاضراً متجلياً.. بدون ابهام وضباب وغموض.. مع جميع الأحباء الذين غابوا.. وكل الذكريات والأعياد والسعادات والأويقات الحلوة.. وأيام الصراع القومي الاجتماعي الحبيبة.. أتسمر في مكاني كالمأخوذ.. يريد الماضي أن يشدّني اليه.. وأريد أن أقبض عليه وأعانقه بقوة وحرارة وشوق.. فلا يفلت مني أبداً.

حنانيك أيها الماضي الحافل الحبيب.. حنانيك يا أيام الكفاح والصراع في عهد الشباب.. حنانيك يا ضيعتي البيضاء الحنون.

وأخيراً.. وصلت بيتنا في أعلى الضيعة.. البيت الذي ولدت وحبوت وترعرعت ونشأت فيه.. ووقفت أمامه وقلبي يخفق سريعاً.

لا أذكر تلك الساعة ماذا فعلت بالضبط .. هل كنت أصلّي؟ أو أتمتم كلمات غامضة.. أو ان لساني انعقد فما تلفظت بشيء.

هنا كان أهلي.. ابي وامي واخوتي واخواتي.. وكنت أراهم سعداء في صغري.. أتمتع بحبهم وعطفهم وعنايتهم.

هنا تفتحت عيوني على الحياة.. هنا أقدس مكان بالنسبة لي.. وأحبه على قلبي في الوجود.

وكان البيت وحيداً حزيناً متصدعاً مهجوراً يتيماً. بعض جدرانه مدمراً.. تركه أهله وراحوا.. بعضهم الى بيروت ، وبعضهم الى الغربة البعيدة.. وبعضهم مات.

هل كنت أصلي تلك الساعة؟ أو أناجي الذين ماتوا.. والغائبين؟ لا أذكر..

أذكر فقط أنني رأيت ثلاثة من الفدائيين الفلسطينيين يظهرون على الباب في أعلى الدرج ويدعونني للدخول.

وأذكر أنني اندفعت بعد قليل كالقذيفة.. أصعد درج البيت الى الباب قفزاً.. وانحنيت على عتبة الباب أقبلها، ثم دخلت بعد أن صافحت الفدائيين المرابطين في البيت.. ورحت أتفقد الغرف والجدران والخزائن واليوك والطاقات والشبابيك والدشك وموقد النار.. وأرى آثار طفولتي وفتوتي وشبابي موزعة مغروسة .. قطع من حياتي مزروعة هناك.

بعض الصور والرسوم لا تزال هي هي.. معلقة على الجدران بعضها منحنِ.. وبعضها ممزقاً.. أخذت ترنوا لي بحزن وعتب غامرين.

بعض الكتب لا تزال مكدسة في الخزائن على غير نظام.. تشكو الاهمال.. يقرأ بعضها الفدائيون في ساعات الفراغ.. ويعيدونها الى مكانها.

طلبت من الفدائيين معذرة على موقفي العاطفي وقلت لهم:

- " ليس في الدنيا كلها أقدس وأحب على الانسان من البيت الذي ولد وترعرع فيه.. وما من شيء يهز الانسان أكثر من العودة الى بيته بعد غياب طويل"، فأجابوا:

- " نحن فقدنا أرضنا وبيوتنا.. واليها تحن نفوسنا وتشتاق، وحولها، تحوم أفكارنا ليلاً ونهاراً.. نحن نقدّر موقفك وهذا البيت عزيز علينا كما هو عزيز عليك"..

أنا عائد الى الوطن .

الذي فوق ربوعه كانت ترفرف روحي.. والى كل ذرة من ترابه تهفو جوارحي.

عائد الى الوطن.. وليس في الدنيا مكان أقدس من الوطن.. ولا أحب منه.

إليه كانت تتوجه أفكاري.. وحوله كانت تدور آمالي وأحلامي ..

إليه كانت تطير أشواقي مسرعة.. كل يوم وكل ساعة.

" بلادي وإن جارت عليّ عزيزة

وأهلي وإن ضنوا عليّ كرام "

* *

هوامش

(1) لمن يرغب الاطلاع على النبذة المعممة عن الأمين نواف حردان، الدخول الى قسم "من تاريخنا" على موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017