إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

بعض من الأمين مسعد حجل(1)

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2017-06-07

الارشيف

تزخر مذكرات الامين مسعد حجل الصادرة مؤخراً(1) بالكثير من المعلومات التي تغني تاريخ حزبنا، منذ ان رفع يمينه بالقسم عام 1937 مروراً بما تولاه من مسؤوليات في كل من الوطن وعبر الحدود وصولاً الى توليه رئاسة الحزب أكثر من مرة.

من المجلد الأول من مذكراته، اخترنا هذه المقاطع من تاريخنا الحزبي:

توزيع المناشير الحزبية:

" بعد حادثتي مع أخي ميشال وقسمي له ألا أخبر أحداً بما كان بيني وبينه، وبعد أن وثق بي هو واصدقاؤه، راحوا يكلّفونني بمهمات على وسعي وقدرتي، وكنت انا متحمساً ومستعداً لكل ما طلبوه مني، فرحتُ أوزّع المناشير، أو أحمل السلّم القصبي (من القصب الفارسي والخفيف الوزن)، وسطل الغراء والفرشاة واجول في الزواريب والأزقة والطرقات وأفتّش على عواميد الكهرباء الخشبية، لألصقها عليها، دون مبالاة مني وتقدير لخطورة الوضع، كان ذلك في زمن الإنتداب الفرنسي الذي حظّر نشوء الأحزاب والتجمّعات وممارسة النشاطات السياسية. وكان يمنع اجتماعات تضمّ أكثر من خمسة أشخاص، كما سنّ قانوناً يمنع وضع الأيدي في جيوب الألبسة حين يمرّ المواطن بالقرب من الفرنسي أو الجندي السنغالي، وسميّ هذا القانون بـ (قانون البّا بّوش Pas Poche).

" في ذلك الوقت تعهّدني عدد من المسؤولين الحزبيين، أذكر منهم نهاد ملحم حنا(2) الذي شغل مسؤولية منفذ عام الساحل لغاية جونية، والاستاذ عبدو زينون (ابو حردبّه) صاحب مدرسة خاصة له في "جل الديب"، وجريس خليل ابو جودة(3)، مدير المديرية، وعبدو رزق الله (زينون) من رومية – يعمل في شركة (التابلاين) وكان لهم فضل كبير في إدخال العديد من أبناء المنطقة الى صفوف الحزب، كما تعهّدوا العديد من ابناء قريتنا، فكانوا يجمعوننا في حلقات ويلقون علينا المحاضرات ويعلّموننا حب الوطن وفهم العقيدة ومبادئ الحزب ويطلقون علينا تسمية (الأشبال والزهرات)."

*

سعادة في جل الديب:

" كلّفني أخي ذات يوم بمهمة تقضي بأن انتظر في ساحة "جل الديب" قدوم شخص ملتحِ، في سيارة عمومية. عليّ التعريف بنفسي ومن ثمّ اصطحابه الى باحة المدرسة الرسمية دون أن أتطفّل وأطرح أي سؤال عليه.

وبعد أن تمّ ذلك وألقى الملتحي خطابه الرائع بالمنتظرين هناك، عرفنا أن الاستاذ هو الزعيم انطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي.

وانقلبت الصورة بين الذهاب والعودة. عند اصطحابي للأستاذ من ساحة البلدة الى مكان الاجتماع، كنت اتحاشى معارفي وأقربائي وأتجاهل المارّين، كي لا يسألوا عن صاحبي ومرافقي، وكأننا نتسلل خفية.

وفي طريق العودة، وبعد أت عرفت هوية (الاستاذ)، لعب فيّ الغرور والافتخار، أحسست معهما كأني أطاول النجوم والكواكب ولا أسير على أديم الارض وترابها! "

*

"اتقّ شرّ مَن أحسنت إليه"... إذا كان ليئماً

" اشترى والدي من أحد المحال التجارية في بيروت، لوحتين علّقهما في صدر صالون الاستقبال، مثل سائر الناس في ذلك الوقت، إحداهما تحمل جملة "رأس الحكمة مخافة الله" والأخرى "إتق شر من أحسنت إليه".

وعندما زارنا الزعيم بعد مدة، ولاحظ اللوحتين قال لوالدي، بتهذيبه المعهود: يا ابو جورج من المستحسن أن نكتب على هذه اللوحة، مشيراً الى الاولى ـــ رأس الحكمة الاعتماد على النفس، وعلّق على الثانية قائلاً: "لا يجب أن نعمّم السلبية"، وكأن المعروف مات في قلوب الناس، وأنا أقترح ان نضيف عليها "إذا كان ليئماً"."

*

الانتماء الى الحزب:

" عندما بلغنا السادسة عشر من عمرنا، وعند حلول الأول من اذار 1937، بلّغنا المسؤولون عن اجتماع مخصص لجلسات أداء القسم، عملاً بأحكام مواد دستور الحزب ذات الصلة ".... كل سوري ذكراً كان أم انثى، بلغ السادسة عشرة من عمره، يحق له الانتماء الى الحزب السوري القومي الاجتماعي..." وذلك ضمن الشروط المنصوص عنها والتي يجب أن يتمتّع بها طالب الانتساب!

كنّا يومها ثلاثة: رومانوس ابو جودة(4) ونديم خوري(5) وأنا. أدخلونا واحداً بعد الأخر الى غرفة منفردة في منزل مدير المديرية جريس خليل ابو جودة، الذي راح يتلو على كلّ منا، قسم العضوية، وانا أردّده وراءه: "انا مسعد حجل اقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي، على أن انتمي الى الحزب السوري القومي الاجتماعي بكل إخلاص وكل عزيمة صادقة...".

كنت أردّد الكلمات وانا أتصبّب عرقاً، من عظم المسؤولية المترافقة مع ولادتي انساناً جديداً آمن بقضية تساوي وجوده. "

*

الاجتماعات السرّية:

" قبل انكشاف أمر الحزب، وزمن السنوات السرّية من عمره، كان القوميون الاجتماعيون يحضرون الاجتماعات الدورية (السرية) على ضوء القناديل أو الشموع في الجنائن والبساتين. هرباً من جنود وعملاء الانتداب الفرنسي، وحفاظاً على الحزب والاعضاء معاً.

" كان يقف حراس منهم ومراقبون، على مقربة من مكان الاجتماع، يرسلون إشارة مُتّفق عليها حين اشتباههم بأحد المارة أو بمرور دورية عسكرية، فيعمد المسؤول الى إعطاء الأمر بإطفاء الأنوار الخافتة أصلاً ريثما يزول الخطر، وعند الإشارة التالية يعاود المسؤول إكمال أعمال برنامج الاجتماع.

في غالب الأحيان كان الرفيق (حمزة البنّا) بائع الحلوى، يقف حارساً، وهو المعروف باسم (حمزة النمّورة) وصدرُ الحلوى أمامه، ينادي، كلما شعر بحركة مشبوهة: دبّر حالك بالربع... اللي بدوق ما بيَعرفْ. ثم يعقب ذلك، عندما يطمئن: النمّورة بربع... النمّورة بربع... دبّر حالك بالربع..

وحرصاً على سلامة الاجتماع، وتضليلاً للعسس والجواسيس والمخبرين وللضرورة الأمنية، كان المسؤول ينقل مكان الاجتماع في الليلة الواحدة الى عدّة أمكنة...

" انتمى العديد من أبناء عائلات المنطقة الى الحزب الفتيّ، وقلّما تجد بيتاً لم تدخله النهضة القومية الاجتماعية، أو عائلة لم ينتسب أفراد منها الى التنظيم الجديد.

عند انكشاف أمر الحزب 1935، أي بعد ثلاث سنوات من العمل السريّ، قدّم والدي مكاناً في وسط ساحة جل الديب، ليكون مركزاً ومقراً للمنفذية، بقي هذا المركز عاملاً لغاية شهر أيلول 1939، وحالما بدأت الحرب العالمية الثانية، أقدمت حكومة الانتداب الفرنسي على ختمه بالشمع الأحمر. وبقي هكذا طيلة فترة الحرب وطيلة وجود الانتداب.

" لما أقسمتُ اليمين لأصبح عضواً في الحزب، تبيّن لي أن العديد من أبناء جل الديب، كان عضواً ملتزماً، أو التزم لاحقاً، أذكر منهم على سبيل المثال:

فهد نادر بجاني – الياس نادر بجاني – حنا نادر بجاني – بطرس وبولس عقل ابو جودة – يوسف وعقل عقل ابو جودة – سمعان وجورج نقولا – الياس زرد – ناصيف الياشوعي– عيد فرنجية – نهاد حنا (المنفذ العام) – عفيف حنا وسلوى حنا – يوسف الخوري – يعقوب عبد الله راشد – جورج زينون – يوسف زينون – جورج سمعان عقل – عقل سمعان عقل – خليل فؤاد عقل – جرجي البرمّاني– سليم كعدي – الياس عباس الحجل – يوسف أسعد خزاعي – الياس جريس ابو جودة – يوسف حبّو – سبع نقولا الهاشم وشقيقه ميشال – فريد شكري ابو جودة – سمعان سليم هاشم – اسعد كنج – جريس المرّ – داوود بو عنتر – طانيوس كميل ابو جودة – ناصيف فضّول – الفرد عطيّه – نجيب الياس داغر – اسعد يوسف نعمة – كميل لبنان – جريس يوسف يونس – ميلاد مارون ابو جودة – جوزيف غريّب – رشيد جبران عطيّه – خزاعي أسعد راشد – ادوار نصار – نقولا خباز – يوسف اسعد خزاعي – سليم لويس عطيّه – نعمة الله نادر – موريس الأشقر – الياس جرجي ابو جودة – رشيد بشارة رومانوس – سمير جريس خليل – جورج سلوان – خزاعي أسعد راشد – سليم سعد الله ... وتطول لائحة المنتمين في جل الديب.

عندما انكشف امر الحزب وتعرّض أعضاؤه المعروفون الى الاعتقال والمحاكمة والأحكام والسجن، انتشر وتعمّم وزاد نمواً واهتمت بدراسة مبادئه، الشبيبة الوطنية وطلاب المدارس والجامعات ومختلف البيوت والعائلات، حتى عمّ الوعي القومي ربوع الوطن شاملاً لبنان وفلسطين والشام (الجمهورية العربية السورية) والاردن..."

*

مسؤوليات إدارية وحزبية:

" تعيّنتُ مسؤولاً محلياً في هيئة مديرية جل الديب: محصلاً ثم ناموساً ثم مديراً، وبعد ذلك، منفذاً عاماً على منفذية المتن العامة، سنة 1937 بمرسوم من قبل حضرة الزعيم، حين تدهورت صحة المنفذ العام الرفيق نهاد حنا فأرسل بكتاب استقالته الى المراجع الحزبية المركزية، مقترحاً تعييني أنا منفذاً عاماً مكانه.

كانت العلاقة بين عائلتينا متوترة بشكل دائم وصدامية في بعض الأحيان.

كل هذا كان قبل انتماء الرفيق نهاد الى الحزب القومي إبان أشهره السرّية الأولى، أما بعد هذا التاريخ، ونظراً لانتماء أخي ميشال أيضاً الى صفوف الحزب وجاء العمل الحزبي السري مشتركاً في مديرية جل الديب، الأولى في تاريخ التنظيم، مما ساهم الى حد كبير، في إزالة كل الشوائب والإشكالات والحساسيات بين الجيران، فبات أهلنا جميعاً من مؤيدي الحزب وانتمت إثر ذلك عدّة شقيقات للمنفذ العام الى الحزب كما انتميت انا لاحقاً.

" كانت المنفذية العامة حينها تشمل المتون الثلاثة: المتن الشمالي والمتن الجنوبي والمتن الأعلى، كان زمنها الامين جورج عبد المسيح هو المسؤول الاول(6). أو هكذا تصّورت، لأن علاقتي الحزبية كمنفذ عام، كانت، حصرياً، معه ومن خلاله."

*

الدراجة النارية وسيلة التنقل الوحيدة:

" كان والدي قد اشترى لي دراجة نارية لاستعمالي الشخصي، وكانت الوحيدة في منطقتنا. أدت تلك الدراجة خدمات جلّى في عملي الحزبي، كنت أجوب القرى والبلدات والدساكر في نطاق منفذيتي على تلك الوسيلة، مصطحباً معي في كثير من الأحيان مسؤولين مركزيين: جورج عبد المسيح أو عميد الثقافة فايز الصايغ أو رشدي معلوف (والد أمين) أو معروف صعب، لنقيم الندوات ونعقد الجلسات والاجتماعات وننشئ الفروع الحزبية المتوالدة كالفطر حيث أنني انشأت أكثر من ثلاثين وحدة حزبية منتظمة بين مديرية ومفوضية، فضلاً عن إنشاء نوادٍ رياضية ثقافية واجتماعية على مساحة المنفذية، كان نادي بيت شباب أكثرها نشاطاً.

" تشكّلت هيئة المنفذية من الرفقاء المسؤولين على الشكل التالي:

الدكتور يوسف الحايك – ناموساً.

الرفيق جورج نصّار – ناظراً للإذاعة

الرفيق أمين سري الدين – ناظراً للتدريب

الرفيق جريس خليل ابو جودة – ناظراً للمالية

والرفيق نديم خوري – خازناً

مارسنا مسؤولياتنا دون انقطاع منذ سنة 1937 حتى عودة الزعيم سنة 1947.

حينها قدّمت استقالتي، لممارسة وظيفتي مهندساً زراعياً مسؤولاً عن منطقة الجنوب اللبناني كله.

وضعنا في هيئة المنفذية برنامج عمل يشمل في ورشته كل المرافق:

الإعلامية والثقافية مسؤول عنها الرفيق جورج نصار، التدريب والنظام المنضم ورفع المعنويات ومجابهة الخطر والثقة بالنفس والحزب والقضية، كانت في عهدة الرفيق أمين سري الدين.

الاشتراكات المحلية والمركزية وجبايتها وتأمين مصادر الاكتفاء الذاتي، نجح فيها الرفيق جريس خليل ابو جودة الذي تعاون مع الخازن الرفيق نديم خوري.

تحوّلت المنفذية المترامية الاطراف الى خلية نحل. بعد مدة قصيرة نمت الفروع وتضاعفت المديريات، فمن ثلاث مديريات ناشطة أصبحنا فوق الثلاثين."

*

في سجن الميه وميه:

" كنت في أوج نشاطي الحزبي فأقوم بواجبات مسؤوليتي في المنفذية وأسهر على أعمال كافة المديريات والفروع على كامل رقعتي الإدارية. وكنت ايضاً ضابط الاتصال بين العميد جورج عبد المسيح (العمّ) الملاحق والمحكوم والمتخفيّ. وبين المفوّض عن لبنان الرفيق عبد الله سعادة الذي كان لا يزال طالباً في كليّة الطب التابعة للجامعة الأمريكانية في بيروت.

واعتقل الرفيق عبد الله وأودع السجن ولم يعرف منه الفرنسيون شيئاً عن نشاطات المسؤولين السريين لم يُعتقلوا بعد، وأنا منهم.

" أمام هذه المستجدات لم يكن لي خيار إلا أن أقوم بتحمل المسؤولية الكبيرة التي كان يتولاها الرفيق عبد الله، وبتُّ أقوم بمهمات خاصة على رقعة الكيان، تكلّفني بها القيادة المركزية التي كنت اسمع اسماء بعضها، دون ان تكون لي علاقة مباشرة مع أفرادها، منهم: فؤاد ابو عجرم، كامل ابو كامل، رفيق المعلوف، فهد حريق(7)، نعمة تابت وشقيقته كلودا، ومأمون إياس الذي هرب من قبضة الفرنسيين مرتدياً لباس رجل دين مسيحي والتجأ الى "بقنايا" وسكن حي (قاطع الروم) قبل أن تعتقله لاحقاً سلطات الاحتلال.

" ففي النهارات كنت أجوب المناطق لأعطي التعليمات للمسؤولين والرفقاء، على وسع الرقعة الجغرافية، وفي الليل ألتقي بالعمّ (جورج عبد المسيح) لأنقله تحت جناح الظلام الى أمكنة الاجتماعات السريّة في شتى الامكنة.

كانت نسيبةٌ لي، جورجيت، على علاقة وطيدة مع نسيبي الأخر، ميشال كنج، وكانت تقوم بزيارتهم بشكل يومي ومتكرّر، وكانت تسمع ما يدور عندهم من احاديث تعلمني عنها.

كنا في عملنا الحزبي نتوخّى الحذر، في كثير من الاحيان كنا نخدع عملاء الفرنسيين فنجتمع دون أن يلاحظوا نشاطنا.

وعندما هدأ اوار الحرب قليلاً، دخلتُ الجامعة الأميركية في بيروت لأدرس الهندسة الزراعية.

لكنّ هذا الانتقال في موضوع الدراسة، لم يحل دون قيامي بنشاطي الحزبي، وكان "العمّ" ينتظرني وكذلك الدكتور فايز الصايغ."

*

اول آذار في بيت الوزير إميل لحود:

" دخلتُ الجامعة الاميركية في بيروت طالباً في الكلية الزراعة، لأدرس الهندسة الزراعية.

كانت الجامعة أشبه بقفير نحل يعجّ بالنشاطات الحزبية الفكرية والثقافية تتصارع فيها الافكار على شتّى اتجاهاتها وولاءاتها. وكان للقوميين الاجتماعيين دورهم الأهم في هذه الاتجاهات. أَوَلمْ يبدأ عملهم النهضوي التنظيمي من بين أسوارها؟ أَوَليس هناك أطلق الزعيم آيته الكريمة متوجهاً نحو الطلاب قائلاً: "أنتم ركيزة العمل القومي".

وأطلّ شهر آذار سنة 1942. وكنت في زيارة مسائية للوزير اميل لحود، في بيته الكائن في "سوق النجّارين" في بيروت، يرافقني المؤرخ جورج مصروعة(8) والأديب ميشال فضّول(9). وكانت تحضر السهرة معنا زوجته (الست لوريس) التي أظهرت اهتماماً ملحوظاً بالقوميين وحزبهم حتى انها طلبت الإطلاع على مبادئ الحزب بكل رغبة وشغف.

" وعندما تولّدت لديها القناعة وقوي فيها الإيمان بصدق الغاية وصحة العقيدة، قدّمت طلباً للانتماء الى الحزب.

" وبينما نحن نتبادل الاحاديث المختلفة، دخل علينا (الجنرال) جميل لحود، شقيق صاحب الدار، واشترك معنا. ولمّا أتينا على ذكر الزعيم انطون سعادة، رفعت الرفيقة لوريس كوبها وقالت (فلنشرب كأس الزعيم سعادة)، فما كان من الضابط جميل إلا أن سحب مسدسه الأميري وأطلق ثلاث رصاصات مع عبارة "لعينيّ الزعيم".

اشعال النيران على رؤوس التلال

" أَعطيتُ التعليمات لمسؤولي الوحدات الحزبية على مدى المنفذية العامة لإشعال النيران على رؤوس التلال والجبال، إحتفالاً بعيد مولد باعث النهضة، فتى الربيع، الزعيم القائد.

" وارتفعت ألسنة وشهب النيران في سماء المنطقة منوّرة قمم وسفوح المرتفعات، تلالاً وجبالاً من قمة صنين حتى تلّة بياقوت وبقنايا وحارة الغوارنة بهمة الرفيق سليم سعد الله(10)، وغيرها من الربوات، حتى أن عدداً كبيراً من القوميين الاجتماعيين أضاءوا الشموع على سطوح بيوتهم وعلى شرفات منازلهم".

*

وفاة والدي:

" بعدما بدأت صحة والدي تضعف وتعتل، ومع مسؤولياتي الكبيرة واهتماماتي المتعددة، رحت أكرّس بعض الوقت أمضيه يومياً مع والدي. إلى أن فارق الحياة ووافته المنية وسقطت ورقته من شجرة الحياة، وأقيم له مأتم حزبي حاشد في ذلك اليوم 23 ايار 1943، لم تشهد المنطقة كلها مثيلاً له.

" حمل الرفقاء القوميون الاجتماعيون النعش على أكفّهم من منزلنا في جل الديب حتى كنيسة مار مخايل للروم الأرثوذكس في حارة الغوارنة، ملفوفاً بعلم الحزب – الزوبعة – بعد المراسم الكنائسية الدينية، بدأ التأبين بكلمات ألقاها كل من نائب جبل لبنان الشيخ ابراهيم المنذر(11) والنائب الوزير المحامي ايميل لحود والصحافي البارز الرفيق رشدي معلوف، مندوباً مركزياً، حيث أن القيادات الحزبية المعروفة في تلك الفترة كانت نزيلة السجون الفرنسية، وعلى رأسهم مأمون اياس ونعمة تابت وأسد الأشقر وجبران جريج وكامل بو كامل وفؤاد ابو عجرم وغيرهم: أما (العم) جورج عبد المسيح فكان محكوماً بالإعدام عدّة مرات والحبس المؤبد عدّة مرات لذلك لم يحضر المأتم.

" كان الرفيق ملحم ماضي ابو جودة (ابو شوقي) مدير مديرية الزلقا، معرّفاً عن الخطباء، وأعطى كلّاً منهم ما يستحقه من تقريظ مبدعاً بإظهار مكانتهم الأدبية والسياسية والحزبية.

" وعندما نقلنا الرفات، بعد مدة الى مدفن العائلة الذي أنشأته بمساعدة وتخطيط المهندس الرفيق وليم سابا، وكان الأمين اسد الأشقر قد خرج من السجن وعدد آخر من المعتقلين السياسيين القوميين الاجتماعيين، كانت الكلمة الأبرز بين الكلمات التي قيلت، للأمين اسد الذي كانت تجمعه مع المرحوم والدي علاقات صداقة ومودّة واحترام مميّزة."

*

محاضرة العميد فايز الصايغ في بيت شباب:

" كان عميد الثقافة الدكتور فايز الصايغ من الأكفّاء الذين اعتمد عليهم زعيم الحزب لنشر العقيدة وتفسيرها وشرحها، لأنه كان متمكناً من كل التفاصيل العقائدية والفلسفية والإدارية والتنظيمية، محدث لبق، عميق معرفي، لطيف المعشر، ملمّ بالأشياء إلماماً كبيراً، ذو ثقافة عالية، إذا بحث موضوعاً يأسر سامعيه، تتسابق فروع الحزب الى دعوته لإلقاء محاضرة أو إقامة اجتماع إذاعي، أو حضور اجتماع إداري دوري يتحدث فيه ويوجّه الرفقاء نحو التعمّق في مفاهيم الحزب والتمكن من المبادئ الأساسية والإصلاحية لنقلها الى المواطنين، وكان أصدر النشرة الثقافية المركزية التابعة لعمدة الثقافة التي يتولى مسؤوليتها هو دون غيره من المسؤولين. وكنا جميعاً شغوفين بقراءة ما يكتب في تلك النشرة أو في سائر الصحف والمجلات.

" دعت مديرية بيت شباب الى محاضرة يلقيها حضرة عميد الثقافة الدكتور فايز الصايغ، فاجتمعت الناس من كل المشارب والولاءات والانتماءات، من بينهم اعضاء في الحزب الشيوعي وآخرون في حزب الكتائب اللبنانية.

وعند بدء المداخلات والأسئلة، سارع الشيوعيون الى طرح العديد من الأسئلة لتسفيه ما جاء في حديثه عن القومية والفلسفة الوجودية المادية الجدلية، فكان البارع والعميق والمقنع في أجوبته وشروحه المستندة الى مراجع علمية لا يمكن دحضها. وكذلك كانت إجاباته على الكتائبيين في ما يتعلق بالكيان اللبناني والنظام القائم ومصير الطوائف، فكان الدكتور فايز مجلياً في سرده وتوسيعه، فأذهل الحاضرين بأدائه وحجة اقناعه، واستفاض في شرحه للفلسفات الغربية التي كان متأثراً بها الى حد كبير".

ملاحظة خاصة لجورج مصروعة:

" كنت واقفاً في آخر الصفوف مع الرفيق ميشال فضول والرفيق الدكتور يوسف الحايك والرفيق جورج مصروعة نستمع الى المحاضر مأخوذين بشروحاته وتفتيته لأفكار الآخرين حتى أنه بزّها جميعاً. ونحن مسرورون بتسديده مجمل المواضيع التي طُرحت عليه ومقارنته الأفكار الماركسية اللينينية المادية الجدلية والأفكار الطائفية الانعزالية، بالفكر الفلسفي القومي الاجتماعي الجديد.

" كان الرفيق الأديب جورج مصروعة يُنصت بإمعان ملفت، وعندما ذهب المحاضر بعيداً، التفت مصروعة نحوي وهمس: " إن العميد الصايغ سيشكل بأفكاره خطراً على الحزب والعقيدة القومية الاجتماعية"...

انتهت المحاضرة بنجاح كبير واقتناع واسع بصحة مبادئ الحزب وغايته ونظامه الجديد.

" ولكن بعد عودة الزعيم من مغتربه القسري 2 آذار 1947، كان العميد فايز الصايغ والأمينان القياديان مأمون إياس ونعمة تابت والرفيق غسان تويني والأمين اسد الأشقر، وبعد يأسه من اصلاحهم وتصويب مسارهم، إن لجهة الخروج على نظام الحزب أو للشرود بالعقيدة نحو النزعة الفردية، كان هؤلاء، أوائل المطرودين من صفوف الحزب، والأمين اسد الأشقر من المفصولين، إذ عمد الزعيم، الى تطهير المؤسسة الحزبية منهم جميعاً..."

*

مهرجان ضد وعد بلفور وسقوط الشهيد ابراهيم منتش:

" دعت القيادة الحزبية المركزية الى حضور المهرجان الذي أعد في بيروت في 2 تشرين الثاني لرفض وعد بلفور بإعطاء أرض فلسطين لليهود لإنشاء دولتهم العنصرية الاستيطانية عليها.

استدعيتُ ناظر التدريب الرفيق أمين سري الدين(12) وطلبت إليه تبليغ كل مدرّبي الوحدات الحزبية في المنفذية لحضور الاحتفال الكبير في ساحة البرج الذي سيخطب فيه دولة رئيس مجلس الوزراء سامي الصلح.

" تجمّع قوميو المنفذية صفوفاً بديعة النظام، وكنت اتقدّمهم على دراجتي النارية مرفوع عليها علم الحزب يرفرف بهياً بزوبعته الحمراء، وعندما وصلنا الى المكان المخصّص، ساحة المعرض امام مسرح (التياترو الكبير)، التقينا بقوميي منفذية الشوف يتقدّمهم المنفذ العام حسن الطويل على دراجته النارية أيضاً، يرفرف فوقها علم الزوبعة.

كان القوميون بكامل نظاميتهم، تمتدّ صفوفهم الرباعية على مدّ العين والنظر، على طول الطريق الآتي من منطقة البسطة حتى ساحة البرج، يقفون متأهبين لسماع خطباء المناسبة دون جلبة أو فوضى، وفي حين كان الآخرون وكأنهم في يوم العقاب، ضوضاء وحركة، ومن بينهم مجموعات من الشيوعيين بقيادة مصطفى العريس والمهندس انطون تابت والأديبة إميلي فارس ابراهيم والأديب رئيف خوري من "نابيه".

" وما ان انتهى دولته من إنهاء خطابه وهممنا بالانصراف، عندما اعطى ناظر التدريب أوامره بذلك، حتى اختلط الحابل بالنابل وعلا الصراخ وبدأ القتال والتشابك إذ هجم أحد الشيوعيين نحو دراجتي لانتزاع العلم عنها، فحذّرت الرفقاء منه، فانّقضوا عليه وامسكوا به واقتادوه ناحية منفذ عام بيروت الامين أديب قدّورة الذي أودعه محل الرفيق فهد حريق بحراسة بعض الرفقاء ريثما يرون بأمره.

" وهجم الآخرون على القوميين الاجتماعيين وحلّ عراك دموي فقدنا السيطرة على الموقف ولم نعد نميّز رفقاءنا عن المعتدين، فاستدركت الأمر سريعاً، وأوعزت لناظر التدريب فصرخ بصوت جهوري: القوميون الى الصفوف، وبلمح البصر انتظم الرفقاء رباعياً وانفرزوا عن الآخرين، وكان من محصلة الاشتباك، طعنة خنجر سقط شهيداً منها رفيقنا ابراهيم منتش، فثارت دماء القوميين وهجموا على الشيوعيين واقتصوا منهم بسقوط واحد منهم (الشرتوني) نتيجة التزاحم وانتهت الهمروجة بقتيلين واحد من كلا الطرفين، وعُدّ بطلنا أول شهيد سقط في عراك عندما هاجم عدد من الشيوعيين رتلاً لنا أمام التياترو الكبير فتصدى لهم مغوارنا، فغدروا به بطعنة خنجر في خاصرته من الوراء، خرّ على أثرها شهيداً. وبمناسبة ذكرى استشهاده الثانية احتفل القوميون بحضور الزعيم الذي ألقى خطاباً قال فيه: "الرفيق ابراهيم منتش، حاضر بيننا ولم يزل ولا يزول، إنه أول شهيد في عراك حزبي عقائدي.. إن شهداءنا يمثلون أولى انتصاراتنا الكبرى..."

هوامش:

(1)وزّعت المذكرات على من حضر المناسبة التي أقيمت في قصر المؤتمرات في منطقة "ضبية"...

(2)نهاد ملحم حنا: للاطلاع على النبذة المعممة عنه الدخول الى موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية www.ssnp.info.

(3)جريس خليل ابو جودة: والد الرفيق سمير ابو جودة الذي اصدر مؤخراً ديواناً شعرياً، وكنت تعرّفت إليه في احدى دورات

المخيم القومي الاجتماعي عام 1958 في "ضهور الشوير"، وكنا معاً في اول مديرية التحقت بها"

(4)رومانوس ابو جودة: من الرفقاء المناضلين والد الرفيقة اليسار التي تولت مسؤولية مديرة مديرية جل الديب، والرفيق الراحل وجيه.

(5)نديم خوري: من الرفقاء المناضلين ايضاً وكان تولى مسؤوليات محلية عديدة، مراجعة ما كتبت عنه عند رحيله على الموقع المذكور آنفاً.

(6)كان جورج عبد المسيح يتولى مسؤولية عميد داخلية وأو رياضة (الدفاع) ولم يكن مسؤولاً أول، مراجعة ما كنت كتبته عن مراحل العمل الحزبي في فترة اوائل الحرب العالمية الثانية، على الموقع المذكور آنفاً.

(7)فهد حريق: رفيق مناضل، كان يملك محل خياطة للأجواخ الرجالية في منطقة سينما أوبرا، ساحة الشهداء وهو عديل للامين عبد الله قبرصي، نعمل على جمع معلومات عنه.

(8)جورج مصروعة: كتبت عنه سابقاً (مراجعة الموقع المشار إليه آنفاً) ونعمل على جمع معلومات تفي سيرته ومسيرته.

(9)ميشال فضول الأشقر: من بيت شباب، سننشر عنه في وقت قريب .

(10)سليم سعد الله: سليم سعدالله يمين، اول رفيق يلّف جثمانه بعلم الزوبعة. وكان جرى له مأتم مهيب في "حارة

الغوارنة" .

(11)ابراهيم المنذر: المحامي والنائب. من المحيدثة (بكفيا) والد الرفيق صلاح المنذر الذي كان اقترن من الامينة جمال ناصيف. للاطلاع على النبذة المعممة عن كل منهما، الدخول الى الموقع المشار إليه آنفاً.

(12)أمين سري الدين: من الرفقاء المناضلين، من بلدة بزبدين. كتبنا عنه قليلاً ويهمنا أن تتأمن المعلومات من المعنيين لنبذة غنية تليق بنضاله الحزبي.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017