إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

عملية انتقال جورج عبد المسيح من دمشق الى بيروت (1)

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2017-09-07

الارشيف

بعد اغتيال العقيد عدنان المالكي، توارى رئيس الحزب في حينه، جورج عبد المسيح، الى ان امكن تأمين انتقاله من حيث كان اقام في دمشق الى منطقة الزبداني، ومنها في مرحلة ثانية، الى بيروت.

عن المرحلة الاولى من هذه العملية، روى الامين سليم سعدو سالم في مذكراته الصادرة حديثاً عن دار الفرات، اما عن المرحلة الثانية فقد رواها الامين ديب كردية في مذكراته(1).

*

مقاطع من كتاب الامين سليم سعدو سالم "حان الوقت" الصفحات 129-138:

" بعد يوم او يومين (من اغتيال المالكي) ـــــ لست اكيداً ــــ طرق باب بيتي ليلاً الامين حسن جمال(2)، وطلب مني النزول معه الى سيارة تنتظرنا على الطريق. كنت يومها اسكن مع امي واخواتي في شقة في منطقة "الحريقة" المتفرعة من "سوق الحميدية" المعروف.

" كان في السيارة الامين يوسف دعيبس(3)، ويقودها الرفيق فضل العقاد(4)، فركبتُ مع حسن جمال وانطلقت بنا السيارة باتجاه حي "المهاجرين". في الطريق نزل حسن جمال وقال فضل العقاد ان "العم"(5) يريد ان يأتي الرفيق عبد الهادي حماد(6) معنا، ولما قال له انه لا يعرف بيت عبد الهادي قال له "العم": سليم سالم يعرف، فطلب مني ان ادلّه. توجهنا الى بيت عبد الهادي حماد في منطقة "الميدان"، حيث ايقظته وسألتني امه عن توجهنا فقلت لها انه مشوار قريب وسنعود بسرعة، ثم انطلقت بنا السيارة الى بيت خالدة صالح(7) وكان السائق كما بدا لي يعرف الطرقات جيداً. كان الوقت بعد العاشرة بقليل، فصعدتُ انا والعقاد درجات البيت بينما بقي عبد الهادي حماد ويوسف دعيبس في السيارة.

وجدنا "العم" وقد لف رأسه بكوفية وعقال، نزل معنا بعد ان تأكدنا من خلو الطريق في تلك الساعة المتأخرة من الليل ولم نتبادل سوى كلمات قليلة.

" خالدة صالح التبس عليها الامر في ما كتبته في مقدمة "مذكرات الامينة الاولى" حين قالت: ان كامل حسان واسكندر شاوي هما مَـن رافقا جورج عبد المسيح حين غادر بيتها، وهذا خطأ يجب ان يُـصحح من اجل الحقيقة والتاريخ. الامين يوسف دعيبس وعبد الهادي حماد لا يزالان على قيد الحياة(8) ويشهدان على صحة ما اقول، وقد كرر دعيبس هذا على مسمع من الباحث الرفيق جان داية وتحدث عن بعض التفاصيل حين كنا في زيارة دعيبس بعد وفاة زوجته. كما ان عبد الهادي حماد يقرّ هذه الواقعة بكل تفاصيلها. مَـن رافق جورج عبد المسيح حين غادر بيت خالدة صالح هم: عبد الهادي حماد ويوسف دعيبس وفضل العقاد وكاتب هذا الكلام سليم سالم. وليس مَـن ذكرتهم خالدة صالح في مقدمة "مذكرات الامينة الاولى".

" جلس "العم" في المقعد الخلفي، بيني وبين عبد الهادي حماد، وجلس يوسف دعيبس الى جانب السائق، وفهمتُ من كلام مختصر بين "العم" ودعيبس انه يريد الانتقال الى بيت آمن بعيد عن بيت خالدة صالح.

" ما ان تحركت بنا السيارة قليلاً حتى لفت يوسف دعيبس نظري الى وجود سيارة جيب عسكرية كانت مطفأة الانوار متوقفة على بعد اربعين او خمسين متراً خلفنا وقد تحركت مع تحرك سيارتنا. بحركة غريزية امتدت يدي الى وسطي وامسكتُ بالمسدس.

" انه رئيس الحزب!

ماذا؟ هل يريدون اغتيال رئيس الحزب كما اغتالوا الزعيم. الافكار تتزاحم في رأسي والصور والمشاهد اسرع من ان ادقق في تفاصيلها، ارى صورة الزعيم وقد اعتقلوه في قصر حاكم الشام حسني الزعيم، وآراه في المحكمة واقفاً كالطود الشامخ وقد سمعت ما قال وما قيل في تلك اللحظات... مستحيل، لن يحدث ذلك مرة اخرى، هو في تلك اللحظات لم يعد في نظري القومي الاجتماعي جورج عبد المسيح بل هو رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي... ولن يظفروا برئيس الحزب، لن يحدث هذا ولن يقال للقوميين فيما بعد ان ناظر تدريب منفذية دمشق ومن معه لم يدافعوا عن رئيس الحزب حتى الموت. لا استطيع اليوم ان استعيد زخم الانفجار العاطفي الذي اجتاحني في تلك اللحظات، فالمهم ان رئيس الحزب لن يقع حياً في ايديهم، ولن نظل احياء نحمل الإهانة والعار ولعنة القوميين. صور متلاحقة ومزعجة بل مؤلمة مرت في رأسي في تلك اللحظات. هل يريدون اعتقاله، وان فعلوا فمن الاكيد انهم سوف يقتلوننا كي لا نكون شهوداً على ما حدث، ولكن من الممكن انهم سوف يقتلوننا جميعاً، لا، بل ربما انهم يريدون إجراء محاكمة مهزلة كما حاكموا الزعيم باسم العدالة، والعدالة منهم براء... المهم ان رئيس الحزب لن يقع حياً في أيديهم. لا اعرف لماذا ازدحمت في رأسي آنذاك صورة محمد أديب الصلاح وميشال الديك يوم مقتل رياض الصلح وكيف ان ميشال الديك اصيب ولم يعد قادراً على متابعة الهروب، فطلب من محمد اديب الصلاح ان يطلق النار عليه... ان يقتله حتى لا يقع في ايدي حرس رياض الصلح الذين كانوا يطاردونهما مع رجال الجيش الاردني.

لو امكن اعداد فيلم يسجل المشاعر والافكار في تلك اللحظات الخاطفة، لامتدّ الى عشرات الساعات.

" قلقت جداً حين تحركت سيارة الجيب قليلاً، لكنها لم تتبعنا، انعطفت في طريق جانبي، فاطمأن بالي بعض الشيء ولكن الافكار ظلّت تعصف بي: لماذا كانت سيارة الجيش هناك، ولماذا تحركت بمجرد ان تحركنا نحن بالسيارة التي كانت تحمل رئيس الحزب، هل كانت تراقبنا لتدفع بقوة كبيرة الى تطويقنا والقبض علينا او قتلنا... ام تراها كانت تكتفي بمراقبتنا، بمراقبة تحرك رئيس الحزب... اذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً وفي محله، فهل اكتفى من كان في سيارة الجيب ان يطمئن ان رئيس الحزب قد غادر بيت "خالدة صالح"، ام ان هناك من الفرضيات ما لم يخطر بعد في البال، لتكشفه الايام بعد حين! انها افكار ولا مكان الآن لمثل هذه الافكار . فالمهم هو تأمين سلامة رئيس الحزب.

" اقترح دعيبس اسم رفيق نذهب الى بيته ولكن "العم" رفض، فتوجهت بنا السيارة الى بيت آخر حسب ارشادات دعيبس، بعيد نسبياً عن الابنية المجاورة وله حديقة امامية صغيرة. هبط دعيبس وغاب للحظات ثم عاد ليطلب من "العم" ان ينزل من السيارة فالبيت جاهز. ولقد عرفت فيما بعد ان البيت يخص رفيقاً لنا من آل الشويري(9)، لكن عبد المسيح قال ليوسف بلهجة تأنيب: انت تعرف يا يوسف اني اسعل كثيراً في الليل ولا بدّ انهم يعرفون صوت سعالي.. كلا، كلا.. ثم التفت الى السائق ـــ العقادـــ قائلاً له بلهجة الامر: خُذ طريق بيروت.

" كان "العم" يعرف الطريق التي قادنا فيها وكأنه حفظ عن ظهر قلب المكان الذي يريد الوصول إليه. الكل في صمت رهيب، الا من صوته بين الحين والاخر يأمر السائق،في اي اتجاه يسير، اولاً طريق دمشق بيروت، ثم انعطفنا في الطريق المؤدية الى الزبداني، خذ يمينك، خذ شمالك، وهكذا حتى وصلنا الى بقعة نائية تنقطع عندها الطريق لتبرز الصخور في تلك المنطقة الجبلية الوعرة.

" توقفت السيارة وقال انه يريد النزول هنا، وعليكم الرجوع الى دمشق ولكن... اتركوا عبد الهادي حماد معي. في ذلك الموقف وفي تلك الظروف لا تستطيع ان تجادل او تناقش، ولا تستطيع ان ترفض امراً من رئيس الحزب وانت تخشى ان يكون وراء كل صخرة مخبر او رجل أمن فتكتفي بالهمس لتسمع في المقابل همساً وتنفذ الامر. والامر كان ان نعود الى المكان نفسه في اليوم التالي لنحضر له بعض الطعام، وانه سيضع قنينة الماء الفارغة على هذه الصخرة لنستدل انه على مقربة من الموقع.

" تركنا عبد الهادي حماد مع رئيس الحزب في البرية الموحشة والعتمة الكاملة، وعادت بنا السيارة، يقودها فضل العقاد الى دمشق وقد قارب الفجر ان ينبلج. نزل يوسف دعيبس قرب بيته، وانا نزلت قرب بيتي، وتابع العقاد طريقه ولا اعرف الى اين. على ان نلتقي في اليوم التالي لنحمل إلى رئيس الحزب بعض الطعام كما طلب.

" لا وقت للنوم. امضيت بعض الوقت اتلهى بالقراءة واستعد للذهاب الى عملي في مكتب المعلومات العسكري(10)، وانا مطمئن الى ان احداً لن يعرف ما حدث. الامين يوسف دعيبس لا يمكن ان ينطق بكلمة، ولا عبد الهادي حماد، والعقاد سافر ولا يمكن ان يفشي سراً. تهريب جورج عبد المسيح سيظل سراً لا يعرف به احد. وهذا ما بعث في قلبي بعض الاطمئنان.

حوالي الساعة الثامنة سمعت طرقاً خفيفاً على الباب ولما فتحته كانت المفاجأة غير المتوقعة: عبد الهادي حماد الذي ما بكى يوم نفذوا حكم الاعدام بشقيقه عباس، وقيل ان شقيقه الاخر "سعيد" سوف يعدم في اليوم التالي، عبد الهادي حماد هذا الجبار القوي الاعصاب، اندفع الى الداخل وهو يبكي.. ويجهش في البكاء.

رواية عبد الهادي حماد

" ماذا حدث! ماذا بك يا عبد الهادي! وفهمتُ من كلامه ان الرئيس إما قُتل او قبضوا عليه... حاولت تهدئته قليلاً لأسمع منه التفاصيل المرعبة:

" جلس الاثنان عند صخرة ضخمة، يتحدثان عن الوضع في دمشق وبعد نصف ساعة تقريباً، قال العم لعبد الهادي انه يريد ان يقضي حاجة وراء تلك الصخور وانه سيعود بعد قليل: انتظرني ولا تتحرك من هنا حتى لا نبعد عن بعضنا

" بقي عبد الهادي حماد في مكانه وغاب "العم" في عتمة الليل وانقضت دقائق، خمس دقائق، عشر دقائق، ربع ساعة ولم يعد "العم"، اصاب القلق عبد الهادي، فوقف وراح يدور حول الصخرة وهو ينادي بصوت هامس: حضرة الرئيس، حضرة "العم"،،،، حضرة الرئيس، حضرة "العم"، ولكن لم يكن هناك لا "عم" ولا رئيس. كان يخشى ان يبتعد عن تلك الصخرة ولكن جهوده ضاعت وصوته ارتدّ إليه دون ان يعود "العم".

" ظل على تلك الحال حتى انبلج ضوء الفجر وصارت الرؤية ممكنة الى حد ما، ويئس من المحاولة... لقد اختفى "العم". ومع بكاء عبد الهادي تنفلت الكلمات من فمه وهو يقول: لا بد ان "العم" وقع في كمين، فاعتقلوه او قتلوه... وتذكرتُ سيارة الجيب العسكرية التي لا بد انها كانت تراقبنا قرب بيت خالدة صالح، فهل كانت من ضمن الكمين المدبر؟ انتابني انا الآخر القلق والخوف ايضاً.. لكنني رحت احاول تهدئة عبد الهادي حماد بكلمات مشجعة اعرف في اعماقي انها لا تكفي لتشجعني انا بالذات.

" بعد ان يئس وطلع ضوء النهار مشى باتجاه الطريق العام، واوقف سيارة نقلته الى دمشق وجاء الى بيتي يبلغني ما حدث. كان يبكي، وحاولتُ تهدئته فقلت سننتظر الى ما بعد الظهر وسنذهب الى المكان كما طلب الرئيس منا، فقد يكون رأى دورية او احداً، فاختبأ، ولذلك لم يعد الى حيث كنتَ تنتظره ويمكن ان نجده مختبئاً بين الصخور.

*

" حضر بعد ظهر اليوم التالي فضل العقاد بسيارته كما اتفقنا، وكان فيها عبد الهادي حماد وخالدة صالح ويوسف دعيبس. اربعة كنت خامسهم، فأخذنا الطريق نفسه الى حيث تركنا "العم" في الليلة الماضية ولفت نظرنا جميعاً وجود عدة حواجز عسكرية، تبطىء السيارة قليلاً او تتوقف فيشير الجندي بمتابعة السير.

عندما شاهدنا اول حاجز ارتعبنا قليلاً، وتبادلنا حديثاً سريعاً اننا اصحاب ونقوم بنزهة وان خالدة هي خطيبتي لكن حاجزاً لم يوقفنا كما لم يوقف اي سيارة اخرى.

" لماذا لم يكن هناك ليلة امس اي حاجز تفتيش عسكري، ولماذا اليوم توجد نقاط التفتيش والتدقيق هذه؟ سؤال لا اعرف له حتى اليوم تفسيراً.

" المهم اننا وصلنا الى الموقع المحدد، حيث تركنا "العم" في الليلة الماضية، ورحنا نبحث عن قنينة ماء فارغة قال انه سيضعها على الصخرة الكبيرة لتدلنا على وجوده فلم نجد شيئاً يبعث على الاطمئنان. وتسلل القلق الى قلوبنا ومع القلق تكثر التساؤلات... لو انهم قبضوا عليه لاعلنوا ذلك، وتقفز خاطرة اخرى... لم يعلنوا لانهم يريدون ابقاء القوميين في حالة خوف في مخابئهم... من يدري... لا استطيع اليوم ان احدد او استعيد ما خطر في بالي ولا احد من رفقائي يستطيع. الفكرة المزعجة كانت ان الرئيس عبد المسيح قد اختفى وبشكل لا يبعث على الاطمئنان.

بعد ايام عرفنا انه في لبنان.

*

ندعو من لديه اية ملاحظة او اضافات على ما اورده الامين سليم سعدو سالم

ان يكتب الى لجنة تاريخ الحزب، فنحيل ذلك الى حضرة الامين لإقرار المناسب.

*

هوامش:

(1)صدرت مذكرات الامين ديب كردية، القدوة بالمواقف البطولية، تحت عنوان "قسمي... وصيتي"

(2)الامين حسن جمال: انتخب لعضوية المجلس الاعلى. كان يحتل مركزاً متقدماً في احد المصارف. انتقل الى بيروت بعد خروجه من الاسر في دمشق واستمر فيها الى ان وافته المنية. التحق لسنوات في مديرية المصيطبة ولم يكن يتخلف عن اي اجتماع، او مناسبة حزبية.

(3)الامين يوسف دعيبس: اشرت إليه في اكثر من مناسبة. بعد خروجه من سجن المزة في دمشق وانتقاله الى بيروت، انتخب عضواً في المجلس الاعلى. عرفته في الستينات يتردد الى محل الرفيق ادمون حايك في سوق الطويلة. حدثتني الامينة ادما ناصيف حماده ان الامين يوسف كان مديراً لمديرية السيدات في دمشق وقد تميّز بتعاطيه القومي الاجتماعي.

(4)فضل العقاد: من طرابلس وكان مهاجراً في مدينة اكرا – غانا. متولياً مسؤوليات حزبية، وناشطاً حزبياً.

(5)"العم": احد الالقاب الذي عرف فيها الرفيق جورج عبد المسيح.

(6)عبد الهادي حماد: شقيق الرفيقين الشهيدين عباس (الثورة القومية الاجتماعية) وسعيد (الثورة الانقلابية) كان اعلامياً معروفاً في الاردن. نشرت عنه بعيد رحيله، مراجعة موقع شبكة المعلومات السورية القومية الاجماعية www.ssnp.info

(7)خالد صالح: اديبة وشاعرة. اقترنت من الرفيق السابق الشاعر ادونيس (علي احمد سعيد) تعرف ايضاً باسم خالدة سعيد.

(8)كانا على قيد الحياة حينما كان الامين سليم سعدو سالم يحرر مذكراته. انما هما فقدا الحياة تباعاً.

(9)نجيب شويري: رفيق مناضل. استقبل في منزله في دمشق، سعاده، وعدداً لا بأس به من الرفقاء حين وصولهم الى دمشق. يصح ان نعدّ نبذة تعريفية مناسبة عنه.

(10)كان الامين سليم سعدو سالم موظفاً في مكتب المعلومات العسكري.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017