إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

"جبهة النصرة" تحت المظلة التركية

أحمد أصفهاني

نسخة للطباعة 2017-12-05

الارشيف

شيء غريب يحدث في محافظة إدلب السورية.

شيء غريب مريب يجري بصمت منذ أن أُدخلت إدلب في منظومة "خفض التصعيد" التي قررتها اجتماعات الآستانة برعاية ثلاثية من روسيا وإيران وتركيا.

قبل قرار ضم إدلب إلى تلك المنظومة، كانت المدن والبلدات الأساسية في المحافظة خاضعة لسيطرة "جبهة النصرة"، التي هي فرع لتنظيم "القاعدة" في بلاد الشام. ونحن نذكر أن "النصرة" مصنفة إرهابية على المستوى العالمي، حتى بعد أن غيّرت اسمها إلى "هيئة تحرير الشام"، في خطوة أرادها بعضهم مدخلاً لتغيير جلد الأفعى تمهيداً لدور جديد يتناغم مع التطورات الميدانية والسياسية على الساحة السورية.

تغيير الإسم لم ينفع، وظلت "هيئة تحرير الشام" تنظيماً إرهابياً من المفترض (نظرياً) أن تحاربه كل القوى المحلية والإقليمية والدولية. إلا أن الواقع أظهر نقيض ذلك تماماً. فما أن دخلت مناطق "خفض التصعيد" حيز التنفيذ في أنحاء عدة من سوريا، حتى انقض عناصر "النصرة" على مدينة إدلب والبلدات المجاورة، محكمين السيطرة التامة عليها بعد طرد أطراف "المعارضة السورية" الأخرى. يومها تداول المراقبون تكهنات تقول إن معركة إدلب هي الخطوة التالية بعد معركة تحرير دير الزور والميادين والبوكمال على طول الشواطئ الشرقية لنهر الفرات.

لكن شيئاً غريباً حدث قبيل إنجاز معارك تحرير محافظة دير الزور. فقد قرر الثالوث الروسي الإيراني التركي ضم محافظة إدلب إلى مناطق "خفض التصعيد"، وتكليف "الضامن" التركي هذه المهمة الواسعة. وهذا ما كانت تنتظره أنقرة التي مارست على مدى سنوات الأزمة السورية كل أنواع التدخل العسكري والأمني والسياسي والاقتصادي. ومع ذلك ظن بعض المراقبين السياسيين البسطاء أو المغرضين أن القوات التركية المفترض فيها "مراقبة" مدى الالتزام بـ"خفض التصعيد" ستتصدى لإرهابيي "جبهة النصرة" المسيطرين على القسم الأكبر من المحافظة.

إلا أن وكالات الأنباء المحلية والعالمية كشفت خلال الأيام الأولى لعملية "التمركز التركي" في مواقع إستراتيجية في إدلب أن التنسيق بين "جبهة النصرة" (أصبحت الآن "هيئة تحرير الشام") والقيادة التركية قائم على أعلى المستويات، بل أن إرهابيي "النصرة" لعبوا دور المرافقة للوحدات التركية المتمددة داخل الأراضي السورية. وعلى الرغم من وضوح الأدلة على تعاون أنقرة مع "النصرة"، إلا أن بعضهم حاول إيجاد المبررات بالقول إن هناك جماعات من "النصرة" قررت التراجع عن مواقفها والانخراط في "العملية السياسية"، وإن المسألة تتطلب بعض الوقت ريثما تنجلي الأمور أكثر.

وطال الانتظار... وغاب عن الأخبار أي ذكر لتحركات "جبهة النصرة" إلا في إطار صراعات الأجنحة التي لا تعكس تغيراً في فكرها ونهجها وممارساتها بقدر ما هي مظهر من تناقضات القوى الإقليمية التي رعت "النصرة" وسلحتها ومولتها واستخدمتها في مساعيها لتدمير بنية المجتمع السوري. ما يحدث الآن في محافظة إدلب هو: تغييب "جبهة النصرة" عن الإعلام، وتجنب أية مناوشات عسكرية بين قوى الأمر الواقع قدر الإمكان، وتحريك الخلافات الداخلية بين قياداتها وإدارتها بما يتناسب والمشروع التركي، وفرز الارتباطات الإقليمية، وتلميع صورة من ينقل البندقية من كتف إلى أخرى، وترسيخ الوجود التركي على مختلف الأصعدة. والمحصلة النهائية أن تعود هذه "الجبهة" تحت أي مسمى كان إلى خدمة المطامع التركية التي تظهر في الانتشار العسكري، وفي مدارس داخل الأراضي السورية تلتزم اللغة التركية والمناهج التركية... بل وفي مؤسسة تحتضنها مدينة مارع الحدودية هدفها "هداية" مقاتلي "داعش" المهزومين إلى "الإسلام الصحيح" وفق المنظور التركي. ولا بأس هنا من إعادة التذكير بحادثة سيطرة جماعات "الحزب الإسلامي التركمانستاني" على مدينة جسر الشغور في محافظة إدلب وطرد سكانها السوريين منها!

"جبهة النصرة" ومثيلاتها قد تكون غابت عن الأسماع والأبصار في مرحلة المتغيرات المتسارعة في الملف السوري. غير أنها لم تختفِ عن الساحة كلياً. فالغريب المريب الذي يحدث الآن هو أن هذه الجماعات الإرهابية يُعاد تأهيلها للعب أدوار جديدة بعد أن أنجزت لمشغليها ما أُنشأت لأجله فعلاً. وأخطر ما في الأمر أن يكون التغاضي عن هذه المناورات التركية هو الثمن المقابل لتفاهمات إقليمية بين ثالوث الآستانة على حساب المصالح القومية للشعب السوري. لا نريد بهذا الكلام إطلاق الاتهامات جزافاً. لكن التحذير واجب وضروري، فتاريخنا المعاصر مليء بالكوارث التي، للأسف الشديد، لم نستفد من أية عبرة منها!


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017