إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

سوريا منبع الرسالات الإنسانية

يوسف المسمار

نسخة للطباعة 2011-04-28

الارشيف

تميزت الأمة السورية بتعدد الرسالات الثقافية التي انطلقت منها الى كل انحاء العالم منذ رسالة ملحمة الخليقة على يد بطلها جلجامش الذي رأى الخـلود في البناء والعـمار فبنى اول مدينة في التاريخ اسمها " أور " ، وكأننا به يطـلق وصيته الحكيمة : عـمـِّروا الأرض ولا تفسدوا فيها من مهدكم الى لحدكم ليكمل أبناؤكم العـمار، ويتمتع به أحفادكم ويزيدوه ألقا ً في تعاقب أجيالهم . وبعد رسالة العمار والبناءانبثقت من صميم هذه الأمة رسالة أخرى انطلقت لتنظم العلاقات بين ابناء الوطن ومع الآخرين، فكانت رسالة القانون المنظم لشؤون الحياة القائم على الحق والعدل ، والمنسّـِق والشارح للحقـوق والواجبات الانسانية ، فبلغـت ذروتها على ايدي حبيب الشعب آنذاك القائد الحكيم حمورابي الذي لا نـزال نسمع صوته آتيا من وراء الحقب يقول : احترموا نظام العدل وقانون الصلاح ولا تقبلوا فوضى الظـلم والفساد من مهدكم الى لحدكم لكي تؤسسوا لأبنائكم وذراريكم حياة الأمان والازدهار .

ومن أرض سورية أيضا ً ومن ابنائها انطلقـت رسالة جديدة باتجاه السماء مكتشفة فكرة الله الخالق القادر على كل شيء، الحي والخالد ، نابذة كل فكر يسيء الى فكرة وحدانية الإلـه ومجده وعظـمته، فكانت حروب القائد الحكيم " نبوخـذر نصر " من اجل أن لا الـه الا الله . وكأننا به يقول لشعـبه في ذلك الزمن البعـيد : مـجـدوا الله العـظيم الذي لا اله الا هـو، من المهد الى اللحد لكي لا يضيع ابناؤكم واحفادكم في متاهات المخـرفين والمشعـوذين وعـبدة الأوثان والأصنام .

ومن سورية كانت رسالة التعارف بين الشعـوب ، وتـوطيـد علاقات التفاهم الانسانية بينها ، فإبتكر الانسان السوري في سورية حـروف الهجاء لتحفظ التراث وتكون ذاكرة لا تموت بموت أحد من الناس بل تستمر دائمة بديمومة المجتمع في تعاقب أجياله ، فجمع هذه الحروف في أول كتاب يعرفه البشر أطـلق عليه اسم " الكتاب المقدس " ( بيـبليا من بيـبلوس أي جبيـل ) لأنه دائم وخالد بخلود الوعيّ والعلم والهدى والفضيلة في الانسان .

ومن تسمية ذلك الكتاب الأم انسحـبـت تسمية كلمة " المقدس" اي الهادي الـدائم التمجـيـد على جميع الكتب التي سُميت مقدسة فيما بعد من إلهـية وانسانية . ورسالة الكتاب هذه ليست رسالة فـرد واحد بقـدر ما هي رسالة مجتمع ، وليست انتاج فرد خاص لصالح نفسه المحدودة بقـدر ماهي انتاج مجتمع عـام لصالح جـميع أفـراده، وصالح جميع أجياله المستمرة الى ما سوف تكون الحياة .

وتستمر رسالات الامة السورية في التاريخ برسالة انسانية مناقبية هي كـرسالاتها السابقة عامة وكونية ، فيطـلقها الفيلسوف السوري زينون الرواقي فلسفة اخلاقية جديدة تقول للناس في كل مكان : عـيشوا الاخلاق ومارسوا المناقب ، ولا تـتخـلوا عن الصفات الحميدة من المهد الى اللحد لكي تكون حياتكم جميلة راقية ، وتستمر جميلة راقية .

ومن القمة التي وصل اليها زينون ، يطـل على البشرية السيـد المسيح برسالته السورية العالمية التي راحت تستأصل جذور الكراهية والبغضاء من النفوس ، وتطارد فـلول الإجـرام والارهاب بممارسة المحبة فـتسطع على الـوجود آيته الكبرى : عـيـشـوا المـحـبـة ومـارسوها من المهد الى اللحد فيعـم السلام،وتصلح الحياة،وتكونون جديرين برضى الخالق العظيم . والى هذه الارض السورية المباركة تعـود مع الرسول محمد الذي هاجـر اجداده وهُـجـِّروا من سورية الى بلاد العربة بسبب مظالم الفاتحين والغزاة فاستعربوا ، تعود رسالة حضارية جديدة بلسان عربي مبين تبدأ بكلمة " اقرأ ". يعني تـعـلـّـم . يعني أخرج من الظلام الى النور . أي تخلص من الجهل وس{ر في ركاب العلم . فـتكون موعظته الكبرى والخالدة : اطلب العلم من المهد الى اللحد لأن في العـلم الغـنى وفي الجهل الفـقـر والويـل . ولن يستوي الذين يعـلمون والذين لا يعـلمون .

ولم تـتوقف الأمة السورية الانسانية يوما ًعن العطاء الرسالي،بل إستمرت تعطي وتعطي بدون انقطاع لأن العـقـل ما وُجدَ لينشل ويتجمد ، بل وُجـدَ ليستمـر فاعلا ً مبدعا ً، فكانت رسالة القـومية الاجتماعية الانسانية التي

نشأت وتقـوم على اساس تلك الـرسالات العـظيمة ، وتعاليمها الـراقـية السامية التي دعـت الى البناء ، والنظام ، ووحدانية الله رب العالمين ،

وابتكار خزانة ذاكـرات الشعوب في حروف الهجاء ، والاخلاق العالية ، والمحبة والـرحمة والعـلم ، لتـشيد صرح البناء القـومي الاجتماعي الذي رابطته المتيتة الإخـاء القومي الاجتماعي الانساني الذي يفيض بالخير على سـوريا ومحيطها العربي والانسانية جمعاء ، وهـذه الرسالة تدعو الناس الى عولمة ٍ قوامها العـقـل الإنساني المركب من جميع عقليات الأمم والشعوب المتفاعلة فيما بينها ، والمتفاعلة مع بيئاتها الطبيعة للحفاظ على سلامة الكوكب الذي نعيش عليه ، وسلام البشرية التي نحن جزء منها . فـتصل الانسانية بذلك الى طـور جديد يمكـّنها من حيازة سلطان جديد تـنفـذ به من أطباق السموات والأرض الى عالم لا يزال بالنسبة الينا من المخبآت البعيدة المنال .

انها رسالة أمتـنا الغـنية بمـوقـعـها ، والمتميـزة ببـيئـتها ، والمتعـبقـرة بإنسانها ، والمتـنوعة بمواهبها ، والمبـدعة بمـؤهلاتها ، والانسانية بكـل مطامحها . هذه هي رسالة الأخـوة القـومية الاجتماعية التي تـشيـد البناء الاجتماعي الجديد منطلقة من الانسان – الفرد المواطن الصالح، الى رحاب الانسان – المجتمع الحر الراقي الصاعد بالعـلم والاخلاق والكشف والابداع الى طور الانسان – العالمي البشري الذي سيطل حتما ً على العوالم الأرقى والأعلى والأسمى .

وهذه الرسالة تقـوم على أساس الواقع والعـلم بعقل منفتح نفـتّاذ لايستسلم أمام المغـلقات، ولاتـنهار قـدرته أمام عاديات الـزمان ، لأن نفحة الألـوهة التي فيه تطـلق ميـزة الخـلق والابداع وتجعـله قادرا على التجاوز وتخـطي

جميع الصعاب . وجميع رسل هـذه الرسالات السماوية والأرضية لم يسمح واحد منهم لنفسه أن يـدّعي أنه جاء من تلقاء نفسه ولنفسه ، بل جميعهم كانوا يعـلنون انهم يتكلمون باسم الذي أرسلهم لتحسين حال العالمين . فكان الأنبـياء رُسـل الله لهـداية الناس ، وكان العـلماء والحكماء يـرددون دائما أنهم مدينون لمجتمعاتهم بكل ما اكتشفـوه وابتكـروه وأبدعـوه . وجميعهم أيضا لم يغـلقـوا ولم يقـفـلـوا أبواب التقـدم والرقي أمام الإنسان الذي خلقه الله ومنحه مـوهبة ونعمة العقل فجاء القرآن الكريم ليعلن حكمة الخالق الخالدة : " وجعلنا لكل أمة رسولا " و " لكل أجل كتاب" و " ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ".

وبهذا كان رسول الله الدائم الى جميع بني البشر ليس بشرا ً، بل هي الروح التي تهب الحياة للبشر،ويعبـِّر عنها العـقـل ، المستوعب والمتبع للهـُدى الـذي جعـله الله الشعاع الـذي يـرفـع الانسان ، ويسمو به الى معـرفة الأسمى . ولا سلام ولا سموّ للإنسان إلا بإتباع الهـُدى . وهـذا هو طريق الانسانية القويم. وما دام الانسان هو على صورة الله ومثاله ، وخـليفة الله على الارض . وما دامت ميـزة الانسان الكبرى تكمن في العـقـل . وما دام اتباع نـور الهـُدى هـو الـرسالة الـدائمة للبشرية ، فإن رسالات الرقيّ والتسامي سوف تستمـر مع الاجيال الى أن يأتي اليوم الذي يمتليء فيه العالم بالمحبة والرحمة والعلم والحكمة والحق والعـدل والصلاح والسلام والسعادة بين الناس ، ولا يتسع بعـدها لذرة من الكراهـية والنقـمة والجهل والغـواية والباطـل والظـلم والفساد والـويـل والتعاسة .

ولا ننكر بعـد هذه اللمحة عن الرسالات السورية الانسانية ما حملته لنا أمم ودول، وهي تلك الرسالة الكبرى التي اشتركت في حملها منذ فجر التاريخ حتى اليوم حين قـدم الى بلادنا ذلك الملك المشهـور الاسكنـدر المقـدوني الـذي دمـَّر مـدينة صور وصلب أهـلنا ً ، لأنهم لـم يستسلمـوا لهـمجـيـته ووحشيته ، ويـوم دمـّر قـورش الفارسي مدينة بابل وقتل أهلها ممثلا دور الاسكندر في القضاء على أسس المدنية .

ولا ننسى دور أمبراطورية روما حين أحرقـت مدينة قرطاجة ، وخـرَّبت معالمها وأبادت شعبها . وهل ننسى ما فعـلته الامبراطورية الـرومانية يوم اجتاحت بجيـوشها مملكة تـدمـر وخربّت معابدها ومعالمها وذبحت أبناءها ؟ وهل يغيب هـولاكو عن الذاكرة واجتياحه لبغداد وتعذيـبه وقتله لأهلها وعلمائها واحراق مكتباتها ورمي

كـتـبـها في نهـر دجـلة وهـدم ودمار وحـرق آثـارها ؟ وهـل أبقـت لـنا الامبراطـورية العثمانية مـدرسة من مدارس حضارتنا تـدلنا على تاريخـنا وتـرشدنا الى مستـقبلنا سوى دكاكين الاذلال والتحـقيـر والانصياع بجبن للمستبديـن في الـداخل والخارج ؟ وهـل ينـبغي أن نـنسى ما فعـلته دول بريطانا وفرنسا وحلفاؤهما في القـرن الماضي من تفتيت وطننا ، وتمـزيق أمتنا وقتـل أبنائنا وتدمير دمشق وتثبـيت خنجـر الكيان اليهودي في قلبنا ؟

وهـل يجـوز لنا ان ننسى تآمر الـدول الكبرى علينا ومنظمتها التي تسمى زورا وبهتانا وبطلانا " منظمة أمـم متحـدة " التي خـرست عن احتـلال الجيش اليهودي لبيروت وغطت اعتدائه وتدميره لمعالم لبنان وقتل ابنائه بأرسال الجيوش المتعـددة الجنسيات من أميـركية وانكليـزية وفـرنسية وايطالية لتساعـده على شرعـنة عـدوانه ؟.

انها رسالة العـدوان والتعـدى الكبرى التي اشتـركت بحملها تلك الدول الى أمتنا ولا نـزال نعاني منها في العـراق وفـلسطين ولبنان ولهيـبها يـمتـد الى الشـام والأردن والكـويت ليجتاح العالم العـربي كـله باسم المـدنية والحضارة وحـقـوق الانسان لأن الرسالات التي انطـلقـت أمتـنا ، والداعـية الى البناء ومـواصلة العـمـران والتشريـع ووحدانية الله واختراع الكتابة والتمـرس بالأخلاق والفـضائـل وممارسة المحبة والـرحمة وتمجـيـد العـلم والأمر بالمعروف والنهيّ عن المنكر والدعـوة الى الإخاء القومي جميعها بنظر اصحاب رسالة التعـدي لا تفيد في اشعال شرارات العدوان والفتن وسفك الدماء . انها حرب مصيرية طاحنة لن تـتـوقـف ما دام في هـذا الـوجود معـتـدي ، وما دامـت رسـالة التعدي والعدوان هي دين المعتدين . فحكمة ُ الحِـكـَم هي دائما ً : " لـيـس لإبن النـور صديـق بين أبناء الظـلمة . فبقـدر ما يـبـذل لهم من المحبة ، يبذلون له من الكراهية والبغـضاء ." ولرفع شعلة النور عاليا أمام شعبنا ، فان الخيار الوحيد أمامنا هو خيار العـز، وبناء القوة ، وممارسة البطولة المؤيدة بصحة العـقيدة .

والى ان يأتي زمن نشوء ذلك العالم الجميل الخيـّر، فانه لا بـداية لنا بغـيـر الوعيّ ، ولا مفر لنا من الصراع لأن الصراع هو شرط البقاء والتقـدم ولا مهرب لنا من وعيّ انتمائنا ، ولا يحـق لنا ان نكتـفي بالنيات والمنى ، ولا ينبغي أن نستسلم للعـيش على التبرير والذرائع ، ولا يحق لنا ان نتساهل في الحق ، ولا يجوز لنا السكوت عن الفساد والباطل، ولا مبرر لأن نتخلف عن اجتـثاث بذور الفتن في مجتمعـنا .

ورسالتـنا الجديدة اليوم الى أنفسنا والى العالم أجمع هي أن نستيقظ ونوقظ ونستمـر في ايقاظ أعـزاء وأحرار ومثقـفي جميع الشعـوب أن يتـنبهوا الى خطر جرثومة أخطبوط التكبـُّر والتغـطـرس والغيِّ الـذي يطـل بـرؤوسه المتعددة من خلال الصهيونية والادارة الأميركانية والادارات الاستعمارية الأوروبية التي تـدور في فـلكها ، والمـرتبطة بالمحافـل الخـفية التي تعـد الجرائم المنظمة بحق الشعوب وتسوّقها وتعـمل على تنفيذها من أجل اقامة نظام عالمي يقوم على العدوان والتعـدي واستعباد الشعوب ، ولا يـرغـب بـديلا ً عن شريعة الظلم والباطل والنهب والسلب والقـتـل والتدمير .

لقد انتصرت الأمة السورية دائما خلال تاريخها ،وبفضل رسالاتها على كل تنين كان يظهـرويهدد وجـودها ليقضي عليها ، كما كان يهدد ثقافات الأمم ومدنياتها وحضاراتها ، وستثبت مرة أخرى انها قادرة اليوم على الانتصار على كل تنين وصرعه ، ولن تترك العالم فـريسة ً لمن يتـوهمون أن إلههم الوثـني الملعـون اصطفاهم وفضـّلهم وأمرهم بخـداع الناس وسـرقـتهـم وافساد حياتهم واستعبادهم .فاقتلاع الخبث والخبثاء من الوجود هو فضيلة الفضائل ، ولا معني لأي دين لا يجتـث بـذور الخبث والفتن ، ويستـمـر في اجتثاثها الى آخـر الحياة . فـرسالة سورية الدائمة الى جميع الشعـوب هي أن تمارس البطولة وتعـمل بما تقـتضيه آية ُ الحكمة السورية المثـلى التي أبدا ً تقـول : ما أ ُعـطيَ لأحـد ٍ أن يُهين كـرامة أحـد ، وما أ ُعطيَ لأمة أن تـظلم أمة . وما كـُتِبَ على أحـد ٍأن يقـبل الإهانة من أحـد ، وما قــُدّر لأمة ٍ أن تخضع لظلم أمـة قدرا ً.

والخيارُ الوحيدُ في الوجود هو حياة العـز التي باركها الخالق بتسمية نفسه عـزيـزا .


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017