إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الرفقاء الخمسة عشر الاوائل مع بدايات تأسيس الحزب

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2013-11-17

الارشيف

لا نعرض هنا لموضوع تأسيس الحزب، لظروفه، وللصعوبات التي واجهت سعادة وقد بيّنها في رسالته الرابعة إلى غسان تويني بتاريخ 26 أيار 1946 عندما أشار إلى النواة الجديدة التي بدأت تتكون. " لقد ظلت نبتة ضعيفة جداً، سريعة العطب طوال سنة 1933 ولم يتجاوز عدد أعضائها الخمسة عشر"، إنما نتكلم عن هؤلاء الخمسة عشر الذين كانوا أول المنتمين إلى الحزب.

بداية كان انتمى في العام 1932 خمسة رفقاء هم: جورج عبد المسيح، فؤاد جرجس حداد، جميل عبدو صوايا، زهاء الدين حمود ووديع تلحوق(1).

إلا أنه سرعان ما تبين زيف اثنين منهم: زهاء الدين حمود، من الأردن، وصديقه وديع تلحوق. ولما لم يكن قد وضع للحزب دستور، فقد رأى سعاده أن يكون طرد الفاسدين بصورة حل الحزب، فدعا الخمسة إلى اجتماع حضره الدجالان وأبدى لهم رغبته في تأجيل العمل الحزبي إلى أن يكون قد وجد استعداداً وتفاهماً تامين بين الذين يرغبون في السير معه (من خطاب سعادة في أول آذار 1938).

يروي الامين جبران جريج في الجزء الاول من "من الجعبة" عن الانتماءات التي تحققت بعد ان كان سعادة حلّ النواة الاولى، المشار إليها آنفاً، على الوجه التالي:

-عن طريق سعادة، انتمى كل من الرفقاء رجا خولي، أنيس أبو نعمة صوايا، د. محمد روح غندور،

وفارس سليم سلامة.

-عن طريق الرفيق فؤاد حداد (أحد الخمسة الأول) انتمى كل من الرفقاء فكتور أسعد حنا، ايليا ربيز،

وموسى سليمان.

-وعن طريق الرفيق المهندس رجا خولي: كل من الرفقاء المهندس بهيج الخوري المقدسي، الصناعي أنيس

قساطلي وسامي قربان.

-وعن طريق الرفيق سامي قربان: الرفيقان رفيق مروش وعمر اللبان.

هؤلاء هم الثلاثة عشرة، فإذا أضيف إليهم الرفيقان من أصل الخمسة، جورج عبد المسيح وجميل عبده صوايا فيكون عدد أعضاء الحزب الاول، هو خمسة عشر رفيقاً، سنعرض لهم بما توفر من معلومات، ومرجعنا في ذلك ما كتب الأمين جبران جريج في مجلده "من الجعبة".

فؤاد حداد

لا يصح أن نحكي عن تأسيس الحزب إلا ونقف باحترام أمام الدور التأسيسي الذي لعبه مطعم حداد في حياة سعادة، كما الحزب. فنحن إذا أردنا أن نسجل وفاءً حقيقياً لمن أعطى وناضل، فإن هذه الأسرة تنال القسط الوافر من التقدير، وهي سجلت في سنوات التأسيس الأولى وفي عز الملاحقات والسجون صفحات مضيئة لا تمحى ولا تزول.

عنهم يقول الأمين عبدالله قبرصي: " كان آل حداد ينقلون الطعام إلى سعادة يومياً (فترة السجن)، هؤلاء الطيبون الذين صاروا تحت التراب يظلون في ضمير النهضة لأنهم وقد كانوا عائلة غير ميسورة كانوا يجوعون إذا اقتضى الأمر لكي لا يجوع الزعيم أو يجوع رفقاؤهم ".

كان جرجس سمعان حداد (من الشام)، يملك مطعماً في شارع بلس، ويقيم في منزل استأجره في بناية في شارع جان دارك. مطعمه المواجه للجامعة الأميركية كان ملتقى للأساتذة والطلاب، حيث كان يتردد إليه سعادة، فتعرف إلى فؤاد الذي كان يدير مطعم والده. كان سعادة يبحث عن مكان للإقامة فسأل فؤاد أن يساعده على إيجاد غرفة قريبة من الجامعة تكون واسعة ونظيفة لأن عنده كتباً كثيرة ويرغب أن يعطي دروساً خصوصية في اللغات الأجنبية كالألمانية والروسية والإيطالية، فوعده خيراً.

المنزل الذي كان يستأجره جرجس حداد كان وسيعاً وكان يؤجر بعض الغرف منه، غرفة فؤاد كانت أكبرها ولها بلكون يطل على الشارع فسأل والدته إذا كانت لا تمانع في أن يستأجر أستاذ من ضهور الشوير غرفته، أما فؤاد فينام في الدار.

إلا أن سعادة بعد ان تفقد الغرفة وعرف بما عزم عليه فؤاد، أبلغه أن لا مانع لديه من وجود سرير آخر لفؤاد في الغرفة، فتمّ انتقال الزعيم إلى منزل جرجس حداد، مع استمراره أحد زبائن المطعم المداومين.

وهكذا كان فؤاد حداد أحد الرفقاء الخمسة الأوائل الذين انتموا إلى الحزب. منذ ذلك التاريخ راح فؤاد ينشط، كما راح منزل ومطعم آل حداد يشكلان مكاناً للقاءات والاجتماعات وواسطة اتصال بالأعضاء.

على يد فؤاد انتمى: فكتور أسعد، إيليا ربيز وموسى سليمان، ثم لاحقاً، الرفيق نعيم فتوح صاحب مقهى "فتوح" في ساحـة الشهداء (وسط بيروت) كذلك كان من معاوني الرفيق فكتور أسعد على صعيد العمل التأسيسي في بيروت، مع الرفيقين فؤاد خوري، وجورج حنكش (من رومية).

وإذا كان الرفيق فؤاد أحد الخمسة الأول، فإن شقيقته الرفيقة عفيفة كانت تقوم، وهي مواطنة، بأعمال الحراسة عند عقد الاجتماعات في منزل والدها، ثم وإذ انتمت، كلفها سعادة بتسجيل وقائع تلك الاجتماعات، وكان سعادة يأتمنها في العديد من المهمات، منها أنه كان سلمها بتاريخ 14/11/1935 مرسوماً يقضي بتعيين الرفيق زكريا لبابيدي وكيلاً لعميد الداخلية والرفيق فؤاد أبو عجرم ناموساً للعمدة، وهكذا أمكن للرفيق زكريا، عند اعتقال سعادة ومعاونيه فجر السادس عشر من تشرين الثاني، أن يشكل قيادة مؤقتة.

طيلة الأشهر التي قضاها الزعيم في السجن، كان الطعام يتأمن له من مطعم آل حداد، وكانت الرفيقة عفيفة تهتم بحاجياته من مأكل وملبس. وفي هذا الصدد تقول الرفيقة عفيفة في رسالة لها بتاريخ 22/11/1977: " عندما كان الزعيم في السجن وعندما كنت آخذ له الطعام وبعض الألبسة كنت أنا الوحيدة القادرة على مقابلة الزعيم ومدير السجن"، وهكذا أمكن للرفيقة عفيفة أن توصل تعليمات ومعلومات كان يرغب سعادة إيصالها إلى المسؤولين خارج السجن، وعلى سبيل المثال عندما رغب سعادة أن ينظم الرفقاء تظاهرة أمام سجن الرمل احتجاجاً على استمرار اعتقاله (السجن الثاني)، تمّت تلك التظاهرة في 23 أيلول 1936، في اليوم الذي سقط فيه الرفيق حسين البنا شهيداً فوق أرض فلسطين .

الرفيق فؤاد حداد الذي كان على رأس المشتركين من بيروت في التظاهرة المذكورة، أحيل إلى المحاكمة وصدرت الأحكام في 19 تشرين الأول 1936 وقضت بسجنه شهراً واحداً (حكم أيضاً وبمدد متفاوتة على الرفقاء فكتور أسعد، عجاج المهتار، جورج عبد المسيح، محمد القاضي). عند انتهاء تلاوة الأحكام سمع صوت الرفيق فؤاد حداد يهتف بحياة سورية فصدر عليه حكم فوري بالسجن ثلاثة أشهر و15 ليرة جزاء، هذا ما يورده الأمين جبران جريج في الجزء الثاني من مجلده "من الجعبة".

الرفيق فؤاد حداد اضطرته الظروف إلى أن يغادر الوطن إلى ميامي، فلوريدا في الولايات المتحدة حيث وافته المنية هناك في العام 1980.

عن الرفيقة عفيفة حداد يروي الامين عبد الله قبرصي في الجزء الاول من "عبد الله قبرصي يتذكر" (ص181) انه التقى بها في ديترويت منذ ثلاثة عشر عاماً ولها ولد ارتني صورته كولونيلاً في الجيش الاميركي.

رجا خولي

أربع عائلات كان لها دور بارز في تأسيس الحزب وفي مسيرته يصح أن نفرد لها حلقات خاصة، وهي عائلة حداد حيث قطن سعادة في إحدى غرف منزلها، عائلة الخولي وقد انتمى منها الرفقاء (رجا، بهجت، كمال وفضلو)، عائلة المعلوف (فخري، رشدي، حلمي، فوزي وفائزة) وعائلة الصايغ (فايز، أنيس ويوسف).

الرفيق رجا كان مهندساً، من بلدة بطرام – الكورة وسكان رأس بيروت. والده البروفسور بولس خولي وكانت تربطه بالزعيم روابط احترام متبادل.

شارك الرفيق رجا قريبه ورفيقه المهندس الرفيق بهيج الخوري المقدسي في وضع القاعدة الهندسية لشعار الحزب "الزوبعة"، وهو أول من استعمل في رسائله لتحي سورية، فرأى سعادة تعميمها. وقد تمّ ذلك في فترة تواجده في بريطانيا لمتابعة دروسه واختصاصه في الهندسة. كذلك فهو الذي وضع أول تصميم للباس ميليشيا الحزب، كما يفيد الأمين قبرصي في الجزء الأول من مذكراتـه.

ورجا خولي، إضافة للرفقاء بهيج الخوري مقدسي، أنيس قساطلي وسامي قربان، كان وراء انتماء عدد آخر من الرفقاء، منهم جميل بتلوني، أول قومي اجتماعي ينتمي في المصيطبة - بيروت، والده الدكتور نجيب بتلوني، وشقيقه سليم انتمى بعد ذلك بسنوات قليلة.

أنيس أبو نعمة صوايا

من الشوير، وكان رفيق لطفولة سعادة ودراسته الأولى. ليس في أدبيات الحزب ما يشير إلى دور قام به الرفيق أنيس سوى ما أورده الأمين جبران جريج في الصفحة 448 في الجزء الثالث من كتابه "من الجعبة" عندما يتحدث عن خوض الحزب للانتخابات البلدية في الشوير عام 1936 التي تمت في فترة كان الحزب فيها ملاحقاً، والزعيم في السجن، لكن ذلك لم يمنع القوميين الاجتماعيين من تشكيل لائحة انتخابية حزبية من سبعة مرشحين، وبالرغم من انسحاب رفيقين هما المحامي الناشئ يومئذ أديب عون مجاعص وأنيس أبو نعمة صوايا، فقد أصر الباقون على السير بالمعركة ورشح اثنان بدلاً عن المنسحبين فنجحت اللائحة بأكملها.

الدكتور محمد روح غندور

كان محمد غندور من أهالي وسكان عين المريسة شريكاً لسعادة في السكن في دمشق عندما توجه سعادة إليها بعد أن كان عاد إلى الوطن في 30 تموز 1930، ليبدأ فيها العمل الذي رجع من أجله، لأن دمشق كانت استقطبت العمل السياسي، من المؤتمر السوري سنة 1920 إلى الثورة السورية عام 1925 وأخبارها تملأ الوطن والمغترب، لذا وصفها سعادة في مقالته "سورية تجاه بلفور" بأنها كعبة الحركة الوطنية السورية. بدأ سعادة يعمل في جريدة "الايام"(2) التي أسستها الكتلة الوطنية وكان يرأس تحريرها عارف النكدي، ولكن تجربته مع رجال الكتلة الوطنية في دمشق أعطته صورة واضحة عن صبيان السياسة في بلادنا.

لقد اكتشف سعادة في دمشق، أن الأرض لم تكن صالحة للزرع، قضى فيها سنة كاملة وعمل في مدرسة سعد، حيث أعطى دروساً في اللغة الإنكليزية ثم في جريدة "الايام"، وفي هذا العام أنشأ سعادة بعض العلاقات والصداقات. في مدرسة سعد، مع يعقوب جبور وأديب بربر من الكورة، ومع المدرّس معروف صعب من الشويفات، كذلك مع شريك السكن طالب الطب محمد روح غندور، ومع آخرين كانوا يزورون الجريدة: محمد روحي خياط من دمشق، رياض حمادة من بعقلين وعادل الصلح من بيروت. جميع هؤلاء، ما عدا الصلح، أصبحوا فيما بعد أعضاء في الحزب.

في منزل الرفيق محمد روح غندور في عين المريسة أبصر شعار "الزوبعة" النور، وقد تم ذلك أوائل العام 1934. كان سعادة قد طلب إلى بعض مهندسي الحزب وفنانيه وضع رسم يكون شعاراً للحزب وتمثيلاً للزوبعة.

" وقد تقدم بعضهم بنماذج لم تكن موفقة كل التوفيق في شكل وتصوير حقيقة الثورة التي تمثلها الزوبعة، في هذه الأثناء تقدم الرفيق المهندس بهيج الخوري المقدسي بتصميم مستوحى من الشكل الهندسي للزوبعة، وهو شكلها الحالي"، (النشرة الرسمية – عدد 15 آب 1947) .

يفيد الأمين جبران جريج أن الرفيق بهيج قدم شكلين، شكل الأربعة رؤوس الحالي وشكلاً بثلاثة رؤوس، وحجته في ذلك استبعاد فكرة الشبه التي يمكن أن تراود البعض من الناس بين شعارنا وشعار الحزب النازي، أي الصليب المعقوف، ويضيف أن سعادة اختار الشكل الأول مستبعداً فكرة الشبه لسببين، الأول هذا ليس بصليب، والثاني هو أن شعارنا متحرك، بينما الشعار النازي جامد والبون شاسع بين الحركة والجمود.

إلا أن الأمين جبران جريج لم يوضح، حول ما أورده من أن الزوبعة أبصرت النور في منزل الرفيق الدكتور محمد روح غندور، اذا كان الرفيقان مقدسي وخولي يعملان في بيته لوضع التصميم، أو أن سعادة عقد لقاءاته هناك من أجل اختيار التصميم الأفضل ؟

الأمين عبدالله قبرصي في الجزء الأول من مذكراته يقول أن: " دور بهيج الخوري المقدسي كان أساسياً، فإلى جانب علمه وإخلاصه وحرارة إيمانه كان يضم المقدرة على الإبداع. هو الذي ابتكر زوايا الزوبعة الأربع المؤلفة كل منها من خط مستقيم وخط نصف دائري يلتقيان معاً ليرمزا إلى تلاقي الصليب والهلال، ورؤوس الزوبعة الأربعة ترمز إلى مثل الحزب العليا: الحرية، الواجب، النظام والقوة .

ليس في أدبيات الحزب الكثير عن الرفيق الدكتور محمد روح غندور سوى ما أوردناه أنفاً. إضافة واحدة: أنه كان صديقاً للطالب حسين سجعان الذي كان يتردد إليه في دمشق وينزل ضيفاً لديه، وكان طبيعياً أن يلتقي سجعان سعادة ويتعرف عليه كونه كان يقطن في شقة واحدة مع طالب الطب محمد روح غندور، وبفضل هذه العلاقة انتمى حسين سجعان لاحقاً إلى الحزب.

فارس سليم سلامة

كان الرفيق فارس أحد النواة الأولى التي راح سعادة يؤسس بها العمل القومي الاجتماعي في ما سمي: " المثلث الثقافي " المكون من ثلاث قرى: بيت مري، برمانا ورومية. فقد قام سعادة في أشهر فصل الصيف عام 1932 بزيارات عديدة إلى القرى المذكورة يرافقه في بعضها جورج عبد المسيح، وفي البعض الآخر فخري معلوف وفؤاد خليل مفرج، من برمانا. أكثر هذه اللقاءات كانت تتم إما في بيت فارس سلامة، أو سيراً على طريق دير القلعة – بيت مري حتى الوصول إلى " السنديانة "، " تلك التي شاهدت الكثير من الأبحاث والمناقشات بين سعادة، وعدد من الطلاب "، كما يروي الامين جريج.

وهكذا أصبح لسعادة ثلاث ركائز ينطلق منها لتطبيق قاعدته في انتقاء العناصر الصالحة من أجل تأسيس الحزب، في بيت مري: جورج عبد المسيح، وفي برمانا: فؤاد خليل مفرج، ورشيد أبو فاضل، زميل عبد المسيح في الدراسة وصديقه، وفي رومية فارس سليم سلامة، الذي كان زميل مفرج في الدراسة وصديقاً له.

توطدت عرى الصداقة بين سعادة وفارس سلامة الذي جعل بيته ملتقى للمثقفين، فأدى قسم الانتماء إلى الحزب السري عند مقام المقابر الواقعة في طرف القرية.

إلا أن الرفيق فارس اضطر للمغادرة إلى الولايات المتحدة حيث توفي في العام 1936، فتمّ نقل رفاته إلى حارة الغوارنة – انطلياس حيث كانت عائلته تقيم، وجرى له مأتم قومي اجتماعي – هو الأول – وحمل رفقاؤه صورته المؤطرة بالزوابع في موكب خاشع إلى كنيسة مار الياس للروم الكاثوليك حيث أقيم له قداس وجناز وتكلم على أثره الرفيق الشاعر وليم صعب مؤبناً الرفيق الفقيد بكلمات قومية اجتماعية أثارت استحسان الحضور.

إيليا ربيز

كان الأصدقاء فؤاد حداد، إيليا ربيز وفكتور أسعد يشكلون في منطقـة رأس بيروت " ثالوثاً رياضياً " معروفاً، خاصة في مجال السباحة، فما إن انتمى الرفيق فؤاد حداد حتى سعى إلى انتماء صديقيه إيليا وفكتور، وقد تم ذلك بعد أن جمعهما بسعادة.

إلا أن الرفيق ايليا اضطر للانتقال إلى طرابلس حيث تسلم وظيفة مرموقة في دائرة المحاسبة في شركة نفط العراق، فكان بذلك أول سوري قومي اجتماعي يعمل في منطقة شمالي لبنان.

في هذه الدائرة كان يعمل الموظف الياس خوري نجار(3) من بترومين – الكورة وكان يتمتع بعزيمة قوية وبحس وطني سليم، عبّر عنه عندما تصدى ذات يوم لأحد الموظفين الانجليز الكبار، عندما دخل المكتب وهو مغتاظ وتعاطى بشكل فظ وبألفاظ نابية مع أحد الموظفين، مما اضطر الموظف الكبير لأن يعتذر علناً.

هذه الحادثة كانت بداية التعاطي بين الرفيق ايليا ربيز والموظف الياس خوري نجار، وكانت لقاءات، واطلاع على المبادئ فاستعداد للانتماء، وقد توجه سعادة خصيصاً من بيروت إلى طرابلس لإجراء عملية الانتماء بنفسه، وعلى الأثر سلمه الرفيق الياس نجار تفويضاً يخوله إجراء عمليات انتماء لمن يجد فيهم الكفاءة والجدارة، ومع التفويض سلمه مستندات الإدخال: ورقتين مكتوب عليهما بقلم رصاص، الأولى مبادئ الحزب الأساسية والإصلاحية والثانية نص القسم.

كان الرفيق الياس خوري نجار أول عضو في الحزب من منطقة لبنان الشمالي كما انه أول مسؤول حزبي فيها له صفة مفوض إدخال.

غادر الرفيق ايليا ربيز بعد ذلك إلى البرازيل، ويقال أن أحد أولاده أصبح نائباً فيها.

سامي قربان

انتمى الرفيق سامي على يد الرفيق رجا خولي، وبواسطته انتمى الرفيقان عمر اللبان ورفيق مروش. ولم يمض وقت حتى تعيّن عميداً للمالية، في التعيينات المركزية التي تمت بدءاً من أواخر السنة الحزبية الثانية (1933 – 1934) وقد تشكل مجلس العمد لاحقاً على الوجه التالي: نعمة ثابت عميداً للداخلية، سامي قربان عميداً للمالية، عبدالله قبرصي عميداً للدعاية والنشر (لم تكن تسمية عمدة الإذاعة قد اعتمدت في حينه) فؤاد سليمان سكرتيراً للعمدة (لم تكن لفظة ناموس معتمدة) وزكي نقاش عميداً للحربية (بعد ذلك اعتمدت التسميات التالية: عمدة الرياضة، عمدة التدريب فعمدة الدفاع). وتولى الرفيق عمر اللبان أمانة سر المجلس.

حول تلك التعيينات يوضح الأمين جبران جريج: " ليس لدينا أية وثيقة أو معلومات تدلنا على كيفية صدور مراسيم التعيين إذ أن التشريع الأساسي الذي وضعه الزعيم والذي كان منسوخاً بخط الرفيق فكتور أسعد على دفتر عادي لم يعد له أثر. أذكر أني رأيته مرة وأذكر المادة الأولى التي كانت تنص بما معناه " تأسس الحزب القومي سراً بصورة مؤقتة ".

الرفيق سامي قربان كان واسطة تعريف صديقه مأمون أياس إلى الحزب، ثم ما لبث أن تأمن اللقاء مع سعادة عبر الرفيق رفيق الحلبي (4) الذي قاد مأمون أياس إلى منزل سعادة المتواضع في رأس بيروت الذي اصطلح الرفقاء على تسميته بـ "الكوخ" والذي كان سعادة انتقل إليه بعد مغادرته الغرفة في بيت جرجس حداد.

بواسطة الرفيق سامي انتمى أيضاً الرفيق أمين زهير، إبن أحد صاحبي مصرف " كرياكوس وزهير ". كان أمين ينوي السفر إلى البرازيل فقاده صديقه الرفيق سامي قربان إلى سعادة كي يشرح له عن البرازيل وعن اللغة البورتغالية. إعجاب أمين زهير بالزعيم، وإيمانه بالعقيدة، دفعاه ليعرّف والده نقولا على سعادة، فتوطدت عرى الصداقة بينهما.

بواسطته أيضاً، ومعه الرفيق نجيب حلاوي(5)، انتمى إلى الحزب الرفيق فؤاد بدر من ضهور الشوير، والرفيق نجيب كان مارس دوراً حزبياً جيداً في بيروت قبل أن ينتقل إلى ضهور الشوير ويساهم في تأسيس العمل الحزبي فيها.

عند انكشاف أمر الحزب وحصول الاعتقالات التي شملت سعادة ومعاونيه، كان الرفيق سامي قربان بين الرفقاء الذين أوقفوا وأودعوا سجن الرمل وحقق معهم. في عددها تاريخ 25 كانون الثاني 1936 تقول جريدة " الرابطة" (6) عن محاكمة عدد من الرفقاء من بينهم سامي قربان: " لقد خيل إلينا ونحن نستمع إليهم أننا في مباراة خطابية أو في أحد أسواق الأدب حتى أن أكثرهم، وهم من الطبقة الراقية المثقفة، حذوا حـذو زعيمهم وأضربوا عن التكلـم بالفرنسية. وقال أحدهم سامي قربان، أن لغة البلاد هي اللغة العربية فيجب أن لا يجبروا على التكلـم بغيرها كما هي الحالـة في مصر، فإن الدولة الإنكليزية هناك لا ترسل إلى الوظائف القضائية في المحاكم المختلطة إلا كل من تعلم اللغة العربية تعليماً صحيحاً، وقد كان لاعتراض السيد سامي قربان نجل فقيد العلم والأدب المرحوم داود قربان ضجة في المحكمة ".

تجدر الإشارة أن والد الرفيق سامي قربان كان عالماً في الجيولوجيا ومدرساً في الجامعة الأميركية وكانت تربط عائلته بعائلة الزعيم أواصر الصداقة.

بعد الرفيق سامي قربان الذي كان أول عميد للمالية في الحزب، تولى العمدة الرفيق الدكتور جورج حكيم الذي يعود له الفضل في وضع قانون الحزب المالي. عمل الرفيق سامي مديراً في شركة الشل.

عمر اللبان

كان عمر اللبان طالباً في الجامعة الأميركية وتربطه بالرفيق سامي قربان عرى الزمالة والصداقة.

بعد انتمائه إلى الحزب السري على يد صديقه الرفيق سامي نشط حزبياً، ومن ثمار نشاطاته انتماء الأديب فؤاد سليمان الذي كان صديقاً حميماً له.

في بداية السنة الحزبية الثالثة (16 ت2 1934 – 15 ت2 1935) شكل الزعيم أول مجلس عمد، من العمد الذين كان قد عينهم تدريجياً حسب التسلسل الزمني للانتماء، وعين رئيساً لهذا المجلس عميد الداخلية نعمة ثابت كما أنه عيّن الرفيق عمر اللبان أمين السر العام لهذا المجلس (ناموساً له).

لا نملك أي دليل على أن سعادة شكل إدارة مركزية قبل مجلس العمد هذا باستثناء ما أورده جورج عبد المسيح إذ يفيد أن الزعيم قد أنشأ في المركز مجلس مفوضين وأنه كان (عبد المسيح) مفوض الأشغال العامة فيه بالإضافة إلى مسؤوليته كمنفذ عام للمتن الأدنى، غير أنه لا يذكر أي مفوض سواه.

يفيد الأمين جريج أن لا معلومات عن تاريخ بدء عقد جلسات مجلس العمد، وان كان يفترض أن تكون جلسته الأولى قد انعقدت في التاريخ الذي ذكره الزعيم عن وضع الدستور حيز التنفيذ، 21 تشرين الثاني 1934، وهو التاريخ الذي جعله سعادة عيداً حزبياً سماه " عيد إبرام الدستور ".

ويضيف: " ليس لدينا ما يشير إلى كيفية ممارسة مجلس العمد هذا لعمله، كل ما أستطيع قوله من النتف التي حصلت عليها أن جلساته كانت تعقد عند الاقتضاء أو عند دعوة الزعيم له بصورة استثنائية، كانت أكثر أبحاثه تتناول مسألة الإدخال ونوعية الأعضاء وتعيين المسؤولين للفروع الحزبية التي كانت قد بدأت تنشأ ".

ومثل الرفقاء الآخرين الذين كانوا نشطوا في سنوات التأسيس الأولى فقد اعتقل الرفيق عمر اللبان عند انكشاف أمر الحزب وحقق معه. عمل الرفيق عمر اللبان في حقل المحاسبة.

رفيق مروش

لعل رفيق مروش (صاحب مطاعم مروش المعروفة) هو أبرز أعضاء " النبتة الضعيفة جداً "، ضعفاً، فهو ما كاد ينتمي على يد الرفيق سامي قربان حتى انتهى، وهو صارح الأمين جريج بالقول: " كنت قليل الخصية، فما كنت أحضر الاجتماعات بالرغم من المطالبة الملحاحة " لدرجة أن سعادة اضطر أن يبعث إليه برسالة يشرح له فيها خطورة هذا الكسل. (من الجعبة – الجزء الأول).

موسى سليمان

كان موسى سليمان أحد المعلمين في المدرسة (I.C.) الاستعدادية، وكان أيضاً من زبائن مطعم حداد الذي كان سعادة يتردد إليه دائماً، ولذلك سعى الرفيق فؤاد حداد إلى تأمين التعارف فاللقاء بين سعادة وموسى سليمان. كان من نتيجة تلك اللقاءات التي تخللتها أبحاث وجولات فكرية وسياسية ان انتمى الرفيق موسى سليمان. بعد فترة سعى الرفيق موسى إلى تعريف سعادة على المحاميين ابرهيم وفهيم الخوري وشقيقهما الاكليريكي بولس (المطران بولس خوري، مطران مرجعيون لاحقاً).

وهكذا أمكن للرفيق موسى أن يعرّف المحامي المتمرن في مكتب ابرهيم الخوري، عبدالله قبرصي، على سعادة، فانتمى بعد لقاءات، كذلك فهو ساهم في تأمين انتماء الرفيق الياس سمعان (من المنصف، الأمين لاحقاً) الذي كان عضواً في فريق فني للتمثيل يرئسه الرفيق موسى سليمان.

إلا أن الرفيق موسى، كمعظم الرفقاء الذين انتموا في العامين 1932 – 1933 (النبتة الضعيفة التي تحدث عنها سعادة) لم يستمر في حمل أعباء النهضة، ولقد أشار إليه سعادة في رسالته الخامسة إلى غسان تويني – 9 تموز 1946 – بقوله: " والرفيق موسى سليمان كان ضعيفاً جداً في إدراكه لقيمة وحقيقة القضية ".

الرفيق موسى سليمان من فيع، الكورة، أديب وكاتب بالإضافة إلى عمله كمدرّس، اقترن من الكاتبة ثريا ملحس، وهو الشقيق الأكبر للرفيق فؤاد سليمان.

أنيس قساطلي

" تلكأت أكثر من أربعة أو خمسة أشهر بعد أن فاتحني رجا خولي بموضوع الحزب حتى قبلت بالانضمام تحت قيادة هذا الرجل " الغريب " فليس من السهل أن تسلّم زمام أمرك إلى شخص لا تعرفه، ولكن كلما زاد احتكاكي به زاد إيماني بأني ما ضللت في اختياري ولكن كانت اجتماعاتنا قليلة أو بالأحرى كان حضوري للاجتماعات قليلاً ". هذا ما أفضى به الرفيق أنيس قساطلي إلى الأمين جبران جريج.

لم يبرز الرفيق أنيس في العمل الحزبي كما أنه لم يتول مسؤوليات حزبية، وان كان استمر مؤمناً مساهماً في واجباته المالية. الرفيق ادمون حايك – أحد سنديانات الحزب في الأشرفية – يفيد أنه كان يتصل دائماً بالرفيق أنيس ويجبي منه اشتراكه المالي. من ثمار نشاط الرفيق أنيس أنه عمل على انتماء طالب الهندسة في إحدى الجامعات الأميركية، فؤاد شاوي،(7) (الذي كان اتصل بجاره وصديقه أنيس قساطلي عندما حضر إلى بيروت لقضاء العطلة الصيفية، فبعد عدة أحاديث رافق فؤاد الرفيق أنيس إلى " الكوخ " في رأس بيروت حيث تعرف على سعادة وكان ان انتمى على يده بعد توضيح لبعض الأمور.

اتجه الرفيق أنيس للعمل في الصناعة، وهو بات أحد أعضاء حلقة "الأربعاء" التي أطلق عليها سعادة هذه التسمية، لأنه كان يلتقي أعضاءها كل يوم أربعاء من كل أسبوع. كانت الحلقة تضم عدداً من الأعضاء من ذوي الثقافة العالية وأصحاب تجارة وصناعة، منهم المحامي محسن سليم، المهندسين رجا خولي وبهيج خوري المقدسي، ناجي عيتاني وأنيس قساطلي، الذين لا يستطيعون الالتزام بالاجتماعات النظامية في المديريات.

كانت من فوائد هذه الحلقة كما يوضح الأمين جريج أن أعضاءها باتوا على تماس بمسيرة الحزب النضالية ، ومن أعمالها جمع مبلغ مالي كان كافياً لتمويل طباعة دستور الحزب بعد أن تم تصنيفه في 27 كانون الثاني 1937 (8).

بهيج الخوري مقدسي

والده جريس خوري المقدسي، شقيقته وداد قرطاس، الأديبة ومديرة المدرسة الأهلية، ابنا عمه الرفيق نديم أنيس المقدسي والوزير لاحقاً سمير المقدسي.

بعد أن انتمى إلى الحزب بواسطة قريبه الرفيق رجا خولي، عمل والرفيق رجا على انتماء كل من قريبهما فؤاد خوري، وزميلهما في الجامعة الأميركية جميل بتلوني، وشارك في حضور جلسات قسم عدد من الرفقاء الأوائل أمثال فكتور أسعد، وجميل شكر الله (الذي تولى مسؤوليات في منطقة جبيل وكان من مؤسسي العمل الحزبي فيها).

في حديثنا عن الرفيق الدكتور محمد روح غندور أشرنا إلى الدور الهام الذي قام به الرفيق بهيج مع قريبه الرفيق رجا خولي في وضع القاعدة الهندسية لشعار الحزب "الزوبعة" كما، في حديثنا عن " حلقة الأربعاء "، أشرنا إلى عضوية الرفيق بهيج خوري المقدسي فيها.

يفيد الرفيق أديب قدورة في كتابه " حقائق ومواقف " أن الرفيق المهندس بهيج خوري المقدسي الذي كان عضواً في جمعية متخرجي الجامعة الأميركية في فترة تولي الرفيق سعيد تقي الدين لرئاستها، هو الذي جهز الخرائط الأولى لمشروع بناء نادي الخريجين الذي رأى النور بفضل الجهود المضنية التي بذلها الرفيق سعيد. ويفيد الرفيق إبراهيم يموت في كتابه " الحصاد المر " ان الرفيق بهيج خوري مقدسي كان أستاذه في مادة الهندسة في صف الفرشمن في الجامعة الأميركية في العام الدراسي 1938.

جميل عبدو صوايا

في صيف عام 1930 تعرف جميل صوايا، ابن الشوير وطالب الهندسة في الجامعة الأميركية، على سعادة، وقد تم ذلك في ملعب كرة المضرب (التنس) في المدرسة العالية في الشوير حيث كان التقى سعادة لأول مرة، ثم توالت الاجتماعات وتطورت الأحاديث إلى أن دخل سعادة في صلب الموضوع الذي عاد إلى الوطن من أجله.. " لقد كان من النادر في ذلك الصيف أن نتخلف يوماً عن رياضة التنس، وكان من النادر أيضاً أن لا نلتقي بالأستاذ سعادة يقرأ كتاباً في ظل أشجار البلوط والسنديان الوارفة الظلال على كتف ملاعب التنس تلك أو متوسطاً قبضة شبان يحادثهم شارحاً أو مصغياً ". هذا ما يقوله جميل عبدو صوايا في مقال له عن نشأة الحزب السوري القومي.

في خطاب أول آذار 1938 يشير سعادة إلى جميل عبدو صوايا طالب الهندسة في الجامعة الأميركية بالقول:

" أرسل إلي كتاباً يطلعني فيه على اهتدائه إلى بعض الطلبة ذوي الإمكانيات، واحد منهم من شرق الأردن والباقون من لبنان، ويسألني الإسراع في العمل ". ويشرح جميل صوايا في مقاله عن نشأة الحزب أن جورج عبد المسيح عدل عن انتسابه للحزب الشيوعي بعد حديث طويل بينهما أقنعه فيه بأفضلية العمل على غير النهج الشيوعي، فقرر على أثر ذلك عدم الاشتراك بالحزب الشيوعي وبات أكثر المتحمسين آنذاك.

ويضيف: " وهكذا جرت اتصالات مماثلة مع رجا خولي، فخري معلوف، زهاء الدين حمود (الأردني) ووديع تلحوق ".

إلا أن جميل عبدو صوايا الذي كان له الأثر الكبير في جعل جورج عبد المسيح يعدل عن الانتساب إلى الحزب الشيوعي، تخلى هو عن الحزب والتحق بالحزب التقدمي الاشتراكي وكان تخرج مهندساً من الجامعة الأميركية.

فكتور حنا أسعد

الرفيق فكتور أسعد الذي كان له دوره المميز على صعيد النضال القومي الاجتماعي، فقد سجن ولوحق وتولى المسؤوليات العديدة، منها مسؤولية منفذ عام بيروت، انتمى إلى الحزب عبر صداقته لكل من الرفيقين فؤاد حداد وإيليا ربيز الذين كانوا يشكلون " ثالوثاً رياضياً " في منطقة رأس بيروت. يشرح الرفيق فكتور كيف تعرف إلى سعادة فانتمى، في عدد أول آذار من مجلة المعرض عام 1938، فيفيد أنه تعرف إلى سعادة لأول مـرة في حفلة موسيقية في الجامعة الأميركية " عرفتني به آنسة كنت أرافقها، وهي من الشوير، قالت: " أنه قدم حديثاً من البرازيل، إنه عالم وبحاثة ويتقن عدة لغات ".

بعد ذلك، في مطعم حداد، وبواسطة الرفيق فؤاد حداد، اجتمع بسعادة. كان موضوع الحديث في البدء عن حاجتنا إلى روايات تمثيلية عصرية، إلا أن سعادة راح يتكلم عن الفنون عموماً. يقول الرفيق فيكتور: " كنت أصغي إليه بجميع حواسي وقد أعجبني استعماله لفظة "قومي" بدل "وطني". كان منطلقاً في حديثه، لكن دونما استعجال، ومتأنياً لكن دونما تردد. أما عباراته فكانت قوية وسليمة، لا حشو فيها ولا تكرار. خيل إلي أنني أستمع إلى مقدمة لكتاب عن الدراما في سورية مكتوبة بلغة عامية عالية. وأنهى حديثه كما بدأه بسهولة، يندر أن نجدها حتى في المحاضرات المحضرة سلفاً ".

تكررت لقاءات فكتور أسعد بالزعيم، إحداها بدأت في منزل فؤاد حداد وانتهت على طريق " المنارة " واستمرت خمس ساعات متوالية، " في هذه الساعات الخمس انكشفت لي آفاق، وجدت نفسي وعرفت واجباتي الكبرى، عرفت أنني وجدت زعيم أمتي الذي ننتظره منذ عشرات من أجيال الذل والظلم والاستبداد ".

حضر جلسة قسم الرفيق فكتور الأعضاء: رجا خولي، بهيج مقدسي، سامي قربان، فؤاد حداد، أنيس صوايا. انتمى مع الرفيق فكتور، الرفيق عمر اللبان ورفيق آخر لا يزال سرياً ( كما يفيد الأمين جبران جريج في الجزء الأول من مجلده " من الجعبة ").

في صيف العام 1934 كان الرفيق فكتور أسعد يصطاف في ضهور الشوير إلى جانب سعادة الذي كان يصطاف بدوره في العرزال. في ذلك الصيف قام الرفيق فكتور بمهمة الناموس لسعادة، " كانت أفضل متعة لدي هي مراقبته في العمل، والاستماع إلى تعليماته وتعليقاته في كل نواحي الحياة. كان يسخّر كل شيء بين يديه لخدمة القضية، وكنت أنا أحد هذه الأشياء، فلم يكن يوفرني في أمر بل يطلب مني مجهوداً هائلاً وانصرافاً كلياً للعمل ليل نهار، وكنت أتوق إلى كلمة واحدة يبدي فيها تقديره لشيء حسن فعلته، فلا أظفر إلا بمزيد من الواجبات والمهمات التي كانت بحد ذاتها ثناءً غير مباشر وثقة تزيد رغبتي اضطراماً ".

في ختام السنة الحزبية الثانية (1933-1934) تولى الرفيق فكتور أسعد مهام منفذية بيروت، فيكون بذلك أول منفذ عام لها، عاونه في ذلك الرفقاء فؤاد خوري (طرد لاحقاً) فؤاد حداد، وجورج حنكش (من رومية، وأحد المناضلين القوميين الاجتماعيين).

إلى مسؤوليته كمنفذ عام بيروت كلف الرفيق فكتور أسعـد بالإشراف على عمليات الإدخال، ثم عين وكيلاً لعميد المالية بعد أن كان استقال من منفذية بيروت وتعين لها الرفيق المهندس عزيز ثابت، ثم تولى مسؤولية ضابط الاتصال بين مديرية جل الديب التي كانت أنشئت، ومنفذية بيروت.

في مقال له في " البناء "، عدد أول آذار عام 1956، يقول الرفيق فكتور: " في ذلك الصيف (لم يورد العام، نرجح انه العام 1934) تأسس فرعان جديدان احدهما في بيت مري والآخر في زرعون، واشترينا أول آلة ناسخة للحزب من شيخ درزي كان يستعملها لنسخ الكتب الدينية، ولم تكن لدينا آلة كاتبة، فكنت أكتب التعاميم الأولى كلها بيدي على الورق الناسخ وأتعاون على طبعها مع فؤاد خوري. على هذه الآلة الناسخة الأولى طبع الخطاب المشهور في أول حزيران 1935 ".

عند انكشاف أمر الحزب كان الرفيق فكتور أسعد من بين الرفقاء الذين داهم رجال الأمن منازلهم في الصباح الباكر وسيقوا إلى مكاتب الأمن العام الفرنسي.

يقول الرفيق فكتور: كنا ثمانية في اليوم الأول، بعد تحقيق استمر إلى المساء نقلنا إلى سجن الرمل، وكانت معنوياتنا ممتازة وجو المرح سائداً بيننا. لم يصل لنا إلا فراشان، لأن باب السجن أغلق في المساء دون وصول أمتعتنا، فنام الزعيم ونعمة ثابت وزكي نقاش وعبدالله قبرصي على فراش واحد ونمت مع مأمون أياس وفؤاد خوري على الفراش الآخر.

لم يمنع السجن من أن يحتفل الزعيم للمرة الأولى بالذكرى السنوية لوضع الدستور – 21 ت2 1934 – فلم يشأ أن تمر هذه المناسبة دون تكريسها رسمياً ، يقول الرفيق فكتور أسعد: " بعد خمسة أيام احتفلنا في القاووش بعيد الدستور في 21 نوفمبر، وكان قد تمّ الاتصال المنظم بيننا وبين الخارج، وانضم إلينا عدد جديد من المعتقلين ".

وفي ما خص كتاب " نشوء الأمم " الذي انصرف سعادة إلى كتابته في سجنه الأول، يقول الرفيق فكتور أسعد:

" بعد المحاكمة انصرف الزعيم إلى إكمال كتاب "نشوء الأمم" الذي بدأ بإعداده قبل عدة سنوات، وكانت الدروس المؤيدة للنظريات الجديدة الواردة فيه مدونة بشكل منظم في بطاقات صغيرة مع الإشارة إلى مراجعها، ولعل تلك البطاقات كانت أغرب مجموعة من نوعها في العالم لأنها كانت مأخوذة من المراجع العلمية بلغاتها الأصلية. فالزعيم كان يتقن عدا العربية، الألمانية والروسية والإنكليزية والبورتغالية، اتقانا تاماً، ويحسن إلى جانبها الفرنسية والإيطالية والإسبانية. شاهدته مرة يقرأ بشغف كتاباً ألمانياً فسألته عن موضوعه فإذا به الانتروبولوجيا – علم جاف في لغة أجف – يتعلق بقياسات الرؤوس ومدلولها السلالي، كان ذلك قبل كتابة "نشوء الأمم" بثلاث سنوات، كان عمره آنذاك 28 عاماً ".

في تموز 1936 أوقف الرفيق فكتور أسعد على ذمة التحقيق مع رفقاء آخرين حول مسألة تأديب الصحافي البذيء عارف الغريب الذي نفذها رفقاء من منفذية بيروت، بإيعاز من المنفذ العام الرفيق " الشيخ " عبدالله الجميل.

عن نشيد الحزب الرسمي يقول الرفيق فكتور أسعد: " في هذه الحقبة اعتقل الزعيم الاعتقال الثاني ووضع كل مدة سجنه في الانفراد، وفي أحد الأيام كان سعادة ماراً في رواق السجن فرمى إلى قاووشنا بورقة صغيرة ملفوفة تلقفناها وإذا بها شعر جميل نظمه الزعيم في الانفراد وفي أسفله يعلمنا أنه نشيد يمكن إنشاده على نظم الفولغا المشهور. كنا ستة قوميين في ذلك القاووش المزدحم. علمنا من الحارس موعد خروج الزعيم إلى الباحة في اليوم التالي، فدرسنا لحن النشيد جيداً وأنشدناه تحية له عند مروره ولم نسكت رغم تهديد الحراس، فحكم علينا كلنا بالانفراد عدة أيام، ومنعنا من مواجهة أهلنا في يوم المواجهة التالي " .

عندما نظمت قيادة الحزب خارج السجن مظاهرة أمام سجن الرمل احتجاجاً على استمرار اعتقال سعاده (الأسر الثاني)، كان الرفيق فكتور أسعد من قادة هذه المظاهرة، وقد أدى ذلك إلى اعتقاله وإلى صدور الحكم عليه في 19/11/1936 بالسجن ستة أشهر. وكان قبل ذلك، في 10/11/1936 حكم بالسجن لمدة شهرين في موضوع الاعتداء على الصحافي عارف الغريب .

واستمر الرفيق فكتور حنا أسعد عاملاً في الحزب، تولى مسؤولية منفذ عام بيروت مرة ثانية في أواسط الخمسينات، وكتب أكثر من مرة في أعداد ممتازة لمجلات الحزب، صدرت في مناسبة الأول من آذار ضمّنها ذكرياته الحزبية ومروياته.

جورج عبد المسيح

اوضحنا آنفاً الأماكن الأربعة التي تعتبر ركائز انطلاق لانتماء الرفقاء الأوائل في سنتي التأسيس 1932- 1933 هي:

-دمشق حيث عمل فيها سعادة، مدرّساً في مدرسة سعد ثم محرراً في جريدة الايام، وفيها تعرف إلى كل من معروف صعب، يعقوب جبور، أديب بربر، محمد روح غندور، محمد روحي خياط ورياض حمادة، الذين أصبحوا جميعهم رفقاء فيما بعد.

-المثلث: رومية – برمانا – بيت مري، الذي سمي بالمثلث الثقافي، حيث كثف سعادة من تواجده وزياراته ولقاءاته، ونتج عنها لاحقاً انتماء جورج عبد المسيح، رشيد أبو فاضل، فارس سلامة، فؤاد خليل مفرج، جوزف رعد، نسيب حمدان وعبدو زينون.

-الجامعة الأميركية وفي جوارها مطعم حداد، وفيها تعرف سعادة على فخري معلوف، فؤاد حداد، رجا خولي، موسى سليمان، وغيرهم.

-بلدته الشوير وفيها كان تعرف على أنيس أبو نعمة صوايا، جميل عبدو صوايا، سامي قربان، جورج ابو ناضر وابن عمته وديع الياس مجاعص.

قبل انتمائه، كان لجورج عبد المسيح دوره النشط في "المثلث الثقافي" الذي قام سعادة في فصل الصيف عام 1932 بزيارات إليه يرافقه في بعضها جورج عبد المسيح وفي الآخر، فخري معلوف وفؤاد خليل مفرج، حيث كان سعادة يجري أبحاثاً ومناقشات مع طلاب مدرسة برمانا العالية، ساعد في ذلك وجود استاذين كبيرين فيها هما نجيب شمعون وعزيز توما، وكلاهما متقدان حماساً وطنياً. أكثرية طلابهما الذين تخرجوا من مدرسة برمانا أصبحوا لاحقاً أعضاء في "الحزب السري".

من الأنشطة الثقافية محاضرة أعدها الرفيق عبدو زينون وموضوعها " أثر اللغة في بعث النهضة "، حضرها الزعيم ورافقه فخري معلوف وفؤاد مفرج. بعد انتهاء فصل الصيف تنادى خمسة من " المثلث " هم جورج عبد المسيح، خليل نصر أبو فاضل، جوزف رعد، نسيب حمدان وعبدو زينون لفتح مدرسة في المنطقة، وجعلها نموذجية في التدريس وحسن التربية وإفساح الفرص للذين لم تكن لهم قدرة مادية على تحصيل العلم. وكان من نتاج هذا النشاط الثقافي أيضاً أن تأسست مكتبة في بيت مري بفضل نشاط الرفقاء يوسف شختورة، يوسف عسراوي ورزق الله نصر أبو فاضل.

في يومياته يفيد جورج عبد المسيح " بقي البحث بين الزعيم وبيني ستة أشهر كاملة: ثلاثة منها في الفصل الدراسي الأخير من العام الدراسي 1931–1932 (كان طالباً في الاقتصاد) وثلاثة في فصل الصيف ". وفي إحدى المرات استضافه سعادة لمدة أسبوعين في ضهور الشوير.

ويضيف أن زمن معرفته بنيّة الزعيم بإنشاء الحزب تعود إلى حزيران عام 1931. فبعد الانتهاء من الفحوص دعاه سعادة، فقصدا شاطئ البحر، وهناك على صخرة بارزة وسط المياه، وفي ضوء القمر أبرز له سعادة ورقة كتب عليها المبادئ. كان عبد المسيح يعرف مواضيعها لأنه سبق وتباحثا بها، وصارحه سعادة بأنه ينوي إنشاء حزب على أسس هذه المبادئ، وإنه يرغب أن يكون من مؤسسي الحزب.

يقول عبد المسيح: بعد تأكدي من عزم سعادة على تأسيس حزب سري قلت له: " خير لك، يا أستاذ، أن تعود إلى مهجرك، فأنت مغشوش بهذا الشعب، فالفساد قد غيّر قلبه، ولا يمكن أن تجد خمسة يمكن أن يجرأوا على عمل كهذا في ظل الانتداب العسكري ".

الخمسة باتوا خمسة عشر. فثلاثين في حزيران 1934. فمئات، فآلاف وعشرات عشرات الآلاف على امتداد الوطن وفي كل أصقاع الدنيا. منهم سقط مئات الشهداء، ومثلهم مئات اخرى من الجرحى والمعوّقين، ونكبت عائلات على مساحة الوطن، وتشرّدت، وعانت، وعرف الاسر والاضطهاد والظلم والعذاب الآلاف الآلاف من رفقاء ورفيقات... وما زالوا يسيرون!

***

هوامش

(1)اصدر وديع تلحوق في العام 2001 كتاباً يتضمن الكثير من الابحاث والمعلومات التاريخية، بعنوان "بيت المقدس امام احداث التاريخ" .

(2)حصلت الكتلة الوطنية على ترخيص آخر باسم جريدة "اليوم" حتى اذا عطلت السلطات الانتدابية "الايام" حصلت حلّت محلها "اليوم" .

(3)نشرت عنه نبذة مستقلة، لمن يرغب الاطلاع الدخول الى ارشيف شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية زاوية "من تاريخنا".

(4)من بشامون، أول رفيق تولى مسؤولية مدير مديرية الطلبة، وأول رفيق غادر إلى الشاطئ الذهبي (غانا) وأسس الحزب هناك. كتبت عنه نبذة مستقلة.

(5)كتبت عنه نبذة مستقلة، عممت بتاريخ 29/04/2013.

(6)كانت تصدر في البرازيل ويتولى رئاسة تحريرها الدكتور خليل سعادة.

(7)رفيق مناضل. كما شقيقه اسكندر شاوي الذي كان حمل رتبة الامانة، وتولى مسؤوليات مركزية.

(8)يفيد الأمين جريج أن سعاده دعاه لحضور اجتماع لحلقة الأربعاء ولعرض الموضوع المالي لكلفة طباعة دستور الحزب ، كان الأمين جبران عميداً للمالية آنذاك .

***

معلومات اضافية

- في تلك المرحلة من سنوات التأسيس أعاد سعاده إصدار مجلة " المجلة " التي كان بدأ والده الدكتور خليل سعادة بإصدارها في الأرجنتين، ثم في البرازيل.

العدد الأول منها صدر في آذار 1933، وبعد صدور أربعة أعداد توقفت عن الصدور لأسباب مالية. العدد الرابع الأخير صدر في شهر حزيران 1933.

- " عدت فالتقيت بسعادة قي مطعم صديقي فؤاد حداد، واستمعت إلى حديث سياسي جرى بينه وبين طالبين يهوديين من أوروبا، لقد شعرت بالإرتباك الشديد الذي بعثه في نفس ذينك الشابين، فإذا بحججهما تنهار الواحدة تلو الأخرى، وهما يستمعان إلى الحقائق تنهال عليهما كالصخور الهاوية من قمة الجبل، والشواهد تحضر بقدرة قادر من صلب التـوراة والتلمود والتاريخ القديم والحديث، فتسد جميع الطرق وتمنع فتح غيرها حتى انهزما أخيراً بغير نظام (الرفيق فكتور أسعد).

- " بدأت بث أفكاري ودعوتي في سنة 1930 ولم أتوفق إلى تكوين نواة للعمل العقائدي السياسي إلا في أواخر سنة 1932. وبعد تكوين هذه النواة بأيام أو أسابيع قليلة اضطررت للتظاهر بحلها لإقصاء عنصرين فاسدين دخلا في صلبها ولإعادة تكوينها. وظلت نبتة ضعيفة جداً، سريعة العطب طوال سنة 1933 ولم يتجاوز عدد أعضائها الخمسة عشر". (من رسالة سعادة إلى غسان تويني، 26 أيار 1946).

- " فكتور أسعد يقف في وسط الشارع مقابل مدخل البناية مديراً ظهره بتحد مفضوح إلى الكتائبيين المسلحين المحتشدين في المقهى وخارجه . المقاتلون الخمسة مصطفون بتأهب على الرصيف، الوجوه عابسة والسلاح غير ظاهر، سعادة ينزل الدرج إلى الشارع ونحن وراءه. فكتور يصرخ بصوت عال كالرعد: " تحية للزعيم خذ " ويمتثل المقاتلون كالمشط، يرفعون أرجلهم اليمنى ويضربونها كالمطارق على الرصيف وترتفع أيديهم بالتحية الحزبية وهم يصرخون بصوت واحد: " تحيا سورية ". السكون يطبق على المقهى، الخوف يطبق على اعداء الجيل الجديد. سعادة يمرّ بهدوء وبرودة أعصاب بين فكتور والمقاتلين رافعاً يده بالتحية. يسير ببطء باتجاه المقهى حيث كانت سيارة صبحي (فرحات) متوقفة، يدخل السيارة ويدخل وراءه عصام (المحايري) وأحد المقاتلين، صبحي يقود سيارته عكس السير سالكاً الطريق العام باتجاه سينما "أمبير" فالبرج، وأقود أنا سيارتي وراءه وبقربي هشام (يوسف سلامة، من كتابه: حدثني ي.س. قال) .

- عن فكتور أسعد يقول الأمين عبدالله قبرصي أنه من الشويفات أساساً ويقطن بيروت " كان يد الزعيم اليمنى، وكان صلباً شديد الإيمان والإخلاص ".

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017