إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

مهرجانا مرجعيون في الاربعينات

الامين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2013-12-13

الارشيف

المهرجان الاول كان سيكون حاشدا لو ان رئيس الحكومة انذاك، رياض الصلح، لم يصدر القرار بمنعه.

اما الثاني فقد عقد في ساحة مرجعيون، وكان حاشداً، بحضوره وبالكلمات والقصائد التي ألقيت، كما بحجم المشاركة المركزية.

عن كتاب الامين نواف حردان، "على دروب النهضة" نروي عن كلا المهرجانين.

المهرجان الاول الذي لم ينعقد:

في يومياته، بتاريخ 20 تشرين الاول 1944، يروي الامين نواف أنه، بعد ان وافق المركز على اقتراحه إقامة مهرجان كبير للحزب في جديدة مرجعيون، بتاريخ 13 تشرين الاول، راح يبلغ فروع المنفذية

" فأظهر جميع الرفقاء حماستهم ورحنا في كل المديريات نقوم باستعدادات كبيرة للمهرجان.. خاصة رفقاء ميمس الذين قرروا ان يستعملوا كوفية حمراء مرقطة بالأبيض، موحدة القياس والشكل غطاء لرؤوسهم، كما قررنا أن يزحف جميع الرفقاء من المنطقة الى مرجعيون، ويدخلونها صفوفا منظمة من جهة الشرق. اعددنا مكان المهرجان ومكبر الصوت والمقاعد أمام مطرانية الروم الارثوذكس، وفي صباح اليوم المعين، بدأت صفوف القوميين تصل وتقف صفوفا بديعة النظام في ساحة مرجعيون، على أن تتقدم الساعة العاشرة الى مدخل البلدة الجنوبي لاستقبال الرئيس ثابت، وتسير وراءه الى مكان الاحتفال في مظهر نظامي رائع وبديع، ينال إعجاب المواطنين.

طال انتظاري للرئيس والوفد المرافق له، وصارت الساعة العاشرة دون أن يصل، فبدأت الهواجس والشكوك تساورني.

هل تمكن الشيوعيون ببرقياتهم واحتجاجاتهم على اقامة المهرجان، من إقناع وزارة الداخلية بوجوب إلغائه؟(1) ذلك أني قد علمت بأنهم بدأوا بإرسال البرقيات لمحافظ الجنوب ووزارة الداخلية، يحتجون فيها ويطالبون بإلغاء المهرجان، كما كانت جريدتهم "صوت الشعب" تضج وتهدد وتنادي بالويل والثبور، وتذيع بأن اصطداما دمويا كبيرا سيحصل في مرجعيون، في حال إقامة السوريين القوميين احتفالا لهم .

تهديدات كثيرة لجأوا إليها من وراء الستار، لكي يحولوا دون إقامة مهرجاننا في مرجعيون، التي كانوا يظنون انها قلعة حصينة لهم.

صار الوقت ظهرا دون أن يصل الرئيس، فازداد قلقي وتضاعفت شكوكي، كما راح تذمر القوميين المحتشدين في ساحة مرجعيون يتعالى، وتساؤلاتهم تعذبني وتحرجني.

وأخيرا.. بعد نصف ساعة من انتظار ثقيل مرهق، تلقيت هاتفاً من الرفيق فارس معلولي(2) في المركز، قال لي فيه، انه فيما كان الرئيس يستعد للتوجه الى مرجعيون، استدعي الى وزارة الداخلية، وربما يكون السبب، قرار من الحكومة بمنع المهرجان.. وأنه على كل حال، سوف يتوجه الرئيس يرافقه عميد الاذاعة الدكتور كريم عزقول، من وزارة الداخلية رأسا الى مرجعيون، وقد يكون الان على الطريق أو على وشك الوصول، سواء أقيم المهرجان أم ألغي.

تلقيت النبأ بدون اضطراب، وذهبت فخاطبت القوميين، طالبا منهم الهدوء والمحافظة على النظام، وأخبرتهم بالحقيقة، ثم قلت لهم بأن الرئيس سيصل بعد دقائق، فاستعدوا لاستقباله.

لم يضطربوا أو يغضبوا.. لأن وصول الرئيس كان تعويضا وتعزية لهم.

كانوا لا يعرفونه.. وفي نفوسهم شوق كبير للتعرف على رئيس الحزب، ورفاقه المركزيين الآخرين المناضلين، الذين لم ترهبهم السجون ولم تخفهم الملاحقات العديدة والاضطهادات، وحراب المستعمر الفرنسي، المسددة الى صدورهم.

بعد دقائق قليلة، توجهت الى مدخل مرجعيون الجنوبي، مع عشرة رفقاء أشداء مسلحين، لكي نستقبل الرئيس الذي قدرت بأن وصوله قد حان.

وكأننا كنا على موعد معه، إذ ما إن وصلنا حتى رأينا سيارته تتقدم نحونا.

ترجل أمامنا وأدينا له التحية، فردها ثم سلّم علينا واحدا واحدا يتبعه عميد الاذاعة، وهما يحاولان إخفاء أسفهما بابتسامات مشرقة مشجعة.

أخبرني الرئيس أن الحكومة قررت منع الاحتفال، بأمر من رئيس الحكومة رياض الصلح نفسه، ذلك العقوق الناكر الجميل، الذي لو لم يشجعه القوميون في معتقل راشيا الوادي، كان ضعف ورضخ واستسلم للفرنسيين.

-لا بأس يا حضرة الرئيس- قلت له- ان القوميين محتشدون في ساحة مرجعيون ينتظرونك، وكلمة منك لهم الان، تعزيهم وتعوض عليهم خسارتهم للمهرجان.

توجهنا بعد ذلك الى الساحة، بعد أن أرسلت من يعدّ القوميين لاستقبال الرئيس، وعندما وصل استقبلوه بالهتافات العالية والحداء، فخاطبهم الرئيس قائلا:

-لا بأس أيها الرفقاء، أن نخسر اليوم معركة صغيرة، لكي نستعد ونخوض معارك كبيرة في المستقبل ننتصر فيها.. ان النكسات والتراجعات.. لا يجب أن تجعلنا نضعف ونيأس.. بل على العكس يجب أن تشحذ الشدائد والصعوبات عزائمنا وتجعلها أقوى وأصلب.. عودوا الى مناطقكم الان.. بكل نظامية.. وأنا أعدكم أنه خلال مدة قليلة.. سنعود ونقيم في مرجعيون احتفالا كبيرا، أكبر بكثير من هذا الذي كنا سنقيمه اليوم.

تقدم منه بعد ذلك الرفيق نصار مداح مدرب مديرية ميمس، والرفيق مهنا لمع من حاصبيا وخاطباه قائلين:

-حضرة الرئيس.. إننا لن نبرح هذا المكان.. من بعد إذنك.. إلا إذا وعدتنا بزيارة تقوم بها الى حاصبيا وميمس اليوم أو غدا.

فابتسم الرئيس والتفت الي وسألني كم تبعد حاصبيا وميمس عن مرجعيون فأخبرته، فمد يده وصافح الرفيقين وقال لهما:

-اسبقونا الى حاصبيا وميمس، لأني بعد أن أقوم ببعض الزيارات في مرجعيون سأوافيكم.

توجهت بعد ذلك مع الرئيس والعميد الدكتور كريم عزقول، وبعض الرفقاء الى بيت السيد جميل فرحة أحد وجهاء مرجعيون، فاستقبل الرئيس من قبل آل فرحة استقبالا حارا، ثم زرنا كلا من السادة الوجهاء: أنيس شديد، وجورج نده، والدكتور كامل جبور، والفرد ابو سمره وقيصر راشد، فكانت استقبالاتهم لنا رائعة، وأبدى المواطنون الذين كانوا يحتشدون في البيوت التي زرناها تأييداً كبيراً للحزب، كما كانت أحاديث الرئيس والعميد موفقة ورائعة.

بات الرئيس في تلك الليلة في مرجعيون، وفي صباح اليوم التالي توجهنا الى حاصبيا، في سيارة الرفيق توفيق أبو غيدا، فوجدنا القوميين ينتظرون وصولنا، وجرى للرئيس استقبال حافل، وكان في مقدمة المستقبلين بهجت شمس واشقاؤه رؤوف وعزات، ونجيب شمس والرفقاء من آل قيس.

قام الرئيس بعد ذلك بزيارات قصيرة للرفيق بهجت شمس ثم لنجيب شمس، وكان القوميون يحيطون به، وهو مسرور جدا، يتدفق في أحاديثه العذبة كالينابيع السخية.

في رتل من السيارات، توجهنا بعد ذلك الى ميمس، فإذا بأغلبية أهاليها ينتظرون عند مدخل البلدة، ليستقبلوا الرئيس بالحداء والهتافات واطلاق الرصاص.

وسار الموكب الكبير، من مدخل البلدة، يحيط بالرئيس المختار والوجهاء وأعضاء هيئة المديرية، الى بيت الرفيق توفيق ابو مراد، حيث ألقى نجله الرفيق ميلاد ابو مراد(3) كلمة مناسبة.

تناولنا طعام الغداء في بيت الرفيق توفيق ابو مراد، وبعد الغداء، القى كل من الرئيس وعميد الاذاعة كلمة بليغة، قوبلت بالتصفيق والاستحسان".

مهرجان مرجعيون:

لم يحدد الامين نواف في يومياته، تاريخ إقامة المهرجان، انما يُفهم من تاريخ عرضه لمهرجان مرجعيون في يوميته تاريخ 20 ايار 1945، ان المهرجان أقيم قبل ذلك بفترة غير بعيدة.

من هذه اليومية (صفحة 122 من "على دروب النهضة") ننقل ما يلي:

" ذهبت بعد مدة الى بيروت وتقدمت باقتراح للمركز بإقامة احتفال في مرجعيون فقبل اقتراحي.. ولم تمانع الحكومة بإقامة الاحتفال، لأن الشيوعيين هذه المرة لم يحتجوا أو يرسلوا برقيات تطلب المنع.

قررنا ان يقام الاحتفال في الساحة الكبيرة أمام مطرانية الروم الارثوذكس، وأن يركز مكبر الصوت على شرفة بيت الرفيق سليمان غلميه الذي كان مقابلا للساحة.

وزعنا الدعوات على كل المديريات في المنفذية، وعلى أصدقاء الحزب في مرجعيون والمنطقة، وأوعزت الى المدربين في المديريات بوجوب تدريب الرفقاء على السير المنتظم اثنين اثنين.

وصباح الاحد المعين للأحتفال، وصل مرجعيون الوفد المركزي، مؤلفا من عميد الاذاعة الرفيق الدكتور كريم عزقول وعميد الدفاع الرفيق عبد الله محسن، ووكيل عميد الاذاعة الرفيق غسان تويني، والرفيق عساف كرم مدرب الحزب الضابط السابق في الجيش اللبناني، والرفيق يوسف حاتم الشاعر القومي الكبير المعروف بأمير العتابا(4)، وكانت قد وصلت باكرا الى ساحة الجديدة صفوف القوميين من المنطقة كلها، فتوجهت اليها مع الرفيق عساف كرم، الذي قدمته للرفقاء فتسلم قيادتهم وراح ينظمهم صفوفا بديعة، بعد ان قررنا ان تسير صفوفهم من ساحة مرجعيون الى مكان الاحتفال، مخترقة البلدة.

وهكذا في الوقت المعين، أعطى الرفيق عساف كرم الايعاز للرفقاء، فراحت صفوفهم تتقدم بنظام بديع على إيعازات عساف، الذي كان يسير الى جانبها بقامته الطرزانية العملاقة، ونبرات صوته الهادر تبعث الحماسة وتنشر مناخا من العزة والقوة والعزم والايمان والتحدي، الى ان وصلت الصفوف الى مكان الاحتفال، فانتشرت فيها تنتظر بدء الحفلة الخطابية.

وفي الساعة المعينة، بدأت الحفلة، فراح الرفيق غسان تويني يلقي كلمته ليقدم بعدها الخطباء.

وقبل ان ينهي كلمته، رأى من الشرفة التي كان يقف عليها أمام مكبر الصوت، منفذية الشوف تصل، وتقف صفوفها على بعد أربعمئة متر تقريبا من المكان، يتقدمها المنفذ العام الرفيق حسن الطويل حماده.

رأى الرفيق غسان ذلك ولم يره الجمهور المحتشد في الساحة.

رأى قوميي الشوف يصلون فعرفهم، وقدّر أنهم سيتحركون بعد قليل، ويتقدمون الى ساحة الاحتفال. فارتفع صوته هادرا:

-ايها المواطنون.. أيها الرفقاء.. يا أهالي مرجعيون، يا أهلنا.. أيها المواطنات..أيها الطلاب.. هوذا وفد الشوف .. يصل ليشاركنا الاحتفال.

واستولت الدهشة على الجمهور المحتشد، وبلغت الحماسة أشدها، وبدت التساؤلات على الوجوه:

-كيف وصل وفد الشوف وأين هو لا نراه؟ واذا بصوت غسان يدوي ثانية وينتزع الجموع من دهشتها ويقول:

-هوذا وفد الشوف يتحرك..

وأطل وفد الشوف على الجموع فعلا، منتظما بصفوفه البديعة، وراح يتقدم وينتشر في ساحة الاحتفال بين المحتشدين، ثم بدأت الحفلة الخطابية، افتتحها الرفيق تويني بكلمة بليغة قوطعت مرارا بالتصفيق الحاد، ثم قدمني فألقيت كلمة وصفها غسان تويني بالشعرية، ثم قدم الرفيق عبد الله محسن فعميد الاذاعة الدكتور كريم عزقول الذي ألقى كلمة مستفيضة، وأخيرا قدم الشاعر القومي الرفيق يوسف حاتم،فأنشد بصوته الداوي الرنان قصيدة خاطب بها رجال الدين الذين يثيرون النعرات الطائفية، قاطعها القوميون بالتصفيق والهتافات وفيما يلي بعض أبياتها:

سارت جيوش الزوابع افتحوا الطرقات لا تأخرون المواكب زاحفي ربوات

هيهات توقف جحافل جيشنا هيهات سرنا وسار النصر حامل أمانينا

***

انفخ يا بوق الظفر وعّي اللي كانوا نيام انفخ واطرد من عقول البشر أوهام

بالوطن لا ترفعوا للطائفية أعلام شيلوا زوابع تبيد التفرقة فينا

***

اخلوا الطريق افسحوا يا معرقلين السير يا خاملين، ابعدوا منكم لا يرجى خير

انتو قسمتوا الوطن بين جامع وبين دير نحنا جمعنا المذاهب في تصافينا

***

والجدير بالذكر أن المتروبوليت ابو رجيلي راعي أبرشية مرجعيون للروم الارثوذكس الذي اصبح بطريركا فيما بعد، كان يسمع الخطباء وهو جالس على شرفة المطرانية وقد عاتب يوسف حاتم بعد نهاية الاحتفال، لأنه خاطب رجال الدين يتلك اللهجة، فأجابه الرفيق يوسف:

-أنا قصدت المتعصبين منهم فقط يا سيدنا.. المتعصبين طائفيا.. فهل سيادتك متعصب؟

فأجاب المطران ابو رجيلي:

-له.. له يا ابني.. اسأل الدكتور كريم فهو يعرفني لأنه من تلاميذي.. وغسان تويني هو الابن الحبيب.. فاسألهم عني.. لم أكن أعلم أن غسان تويني صار خطيبا كبيرا.

دار هذا الحديث على شرفة المطرانية بعد الانتهاء من الاحتفال الذي كان موفقا جدا، عاد بعده الرفقاء الى قراهم وقلوبهم تخفق أملا وفرحا، وعاد المسؤولون الى المركز مسرورين متفائلين أيضا، يتابعون أداء مهمتهم.

*

اذ نتكلم عن الحضور المتقدم للحزب في جديدة مرجعيون، لا يسعنا الا ان نستذكر بفخر العدد الكبير من الرفقاء الذين ناضلوا ونشطوا وتولوا مسؤوليات، واستمروا مؤمنين بالنهضة حتى آخر زفرة من حياتهم.

منهم الرفقاء سامي خوري، اسعد خوري، فواز خوري، ادمون شديد، بدري عبلا، ادمون بركات.

وان نرجو للرفيقين د. اسعد رحال، وكان تولى مسؤولية منفذ عام مرجعيون، وانتخب عضواً في المجلس الاعلى واسر في الثورة الانقلابية، واميل طيار، المناضل والعنيد والصادق، العافية والحياة المديدة لمزيد من العطاء القومي الاجتماعي.

هوامش:

(1) كان الشيوعيون في حالة صدام مستمر مع القوميين في منطقة مرجعيون، حيث كان للشيوعيين حضورهم الجيد خاصة في بلدة ابل السقي. وكانوا عمدوا الى تطيير برقيات عديدة الى الحكومة اللبنانية اعتراضا على دعوة الحزب الى إقامة مهرجانه.

(2) من راشيا الوادي. منح رتبة الامانة، وتولى في الحزب مسؤوليات مركزية متنوعة، غادر الى اكرا وأسس فيها أعمالا ناجحة.

(3)غادر الى البرازيل، وبعد سنوات انضمت إليه شقيقته الرفيقة رمزة التي اقترنت من الرفيق نقولا صليبا. بعد رحيل الرفيق نقولا (محصل وناظر مالية ومن أكثر رفقائنا في سان باولو اخلاصاً للحزب). استمرت على التزامها وايمانها بالحزب. بناتها: ايلياني، مارسيا وساندرا مواطنات صديقات للحزب، يشاركن في مناسباته ونشاطاته وان لم ينتمين.

(4) كتبت عنه نبذة غنية. لمن يرغب الاطلاع الدخول الى شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية

www.ssnp.info

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017