إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

فلسطين.. بين «الدولة» والعودة

ليلى زيدان عبد الخالق - البناء

نسخة للطباعة 2011-09-24

إقرأ ايضاً


منذ أن رحل المستعمر العثماني عن بلادنا، مقهوراً تحت ضربات استعمارٍ أتى من بلاد «الغال» ومدينة «الضباب» تحت اسم ملّطفٍ ودبلوماسي للغاية، أي الانتداب، ومنذ بداية هجرة «اليهود» المنظمة إلى فلسطين بدعوةٍ من الوكالة العالمية اليهودية، وتحت مظلة «وعد بلفور» (1917)، ومؤامرة تقسيم الهلال السوري الخصيب ضمن معاهدة سايكس ـ بيكو (1916)، والتي كرّست مفاعيلها في مؤتمر سان ريمو (1917)، كانت القضية الفلسطينية هي القضية الأساس التي تقدّمت على كافة المسائل والقضايا الفرعية التي رافقت تلك المرحلة.

ومع بدء تهجير الفلسطينيين من أراضيهم (داخلياً نحو المدن الفلسطينية) وخارجياً نحو كيانات عربية مجاورة كلبنان والأردن وسورية ومصر وتونس والجزائر، ونحو دول أوروبية، بدأ حلم العودة إلى «الديار» يراود المهجرين، ثم أخذ هذا الحلم يتلقى الضربة تلو الأخرى، بهدف إضعافه وإماتته، إن كان عبر المجازر اليومية التي كانت ولا زالت ترتكبها «إسرائيل» بحق الشعب الفلسطيني، أو عبر محطات تاريخية أليمة، كإعلان «دولة إسرائيل» عام 1948، وحرب النكسة عام 1967، أو عبر اتفاقيات الخنوع التي قزّمت الحلم الفلسطيني، حيث لم يتبق من الأراضي الفلسطينية بعد اتفاقيات «كامب ديفيد» و«أوسلو» وغيرهما، سوى ربع المساحة، لإقامة «الدولة الفلسطينية» التي حلم بها المسؤولون فقط، لا كل الشعب الفلسطيني.

أما اليوم، وبعد حروب متكررة من قبل العدو الصهيوني على قطاع غزة، ومن بعد الخلافات الدامية والمرفوضة جملة وتفصيلاً بين رام الله والقطاع (حتى لو التأمت هذه الخلافات نسبياً)، وبعد أن أيقن عباس أن «الديبلوماسية» تحت قبة «الأمم المتحدة» لا يمكن أن تحقق حلمه وغيره من التائقين إلى الدولة الـ194، وأن أميركا مهما تبجحت بتبني الحقوق الفلسطينية فإنه سيأتي يوم (وقد أتى) تتبرأ هذه الولايات من ذلك التبني.

هل نسي محمود عباس كيف ماطلت الولايات المتحدة الأميركية وعلى رأسها أوباما التحرك من أجل استصدار قرار أممي يضغط على «إسرائيل» باتجاه إيقاف المدّ الاستيطاني وبناء المستوطنات؟

هل نسي المطالبون بالدولة رقم 194 كيف تشدق أوباما كثيراً بعد انتخابه مباشرة بدعمه المطلق للقضية الفلسطينية، متكئاً في ذلك على «حبه» لـ«الإسلام»؟

كيف لهم أن ينسوا أن أميركا فعلت كل ما في وسعها كي تبرر الحرب على غزة، وقتل الأطفال والنساء، واستعمال أخطر الأسلحة الفوسفورية، وكيف كانت تماطل باستصدار قرار يوقف الحرب والقتل؟

أوليست الولايات المتحدة الأميركية ذاتها تلك التي أباحت لـ«إسرائيل» قصف لبنان خلال عدوان تموز 2006؟ أَوَلَم تكن هي هي التي أخرّت عمداً قرار وقف إطلاق النار حينها؟

أسئلة على محمود عباس وكل المطالبين بدولة فلسطينية تقوم على ما يسمى بأراضي الـ1967 الإجابة عليها، وبذلك يكونون قد فهموا حقاً أن القضية الفلسطينية تعني كل شبر فلسطيني، وخصوصاً، تلك الأشبار التي تطأها يومياً أقدام محتلين مستعمرين، أتوا من بلادٍ نبتهم ليستفيدوا من خيرات بلادنا.

ولنفترض أن حلم هؤلاء قد تحقق، وأن الدولة الفلسطينية كما يطالبون بها اليوم، أي القائمة على صيغة العام 1967، (22 % من مساحة فلسطين كاملةً) قد أعلنت، ووافقت على قيامها الأمم المتحدة، ودعمت قيامها الولايات المتحدة الأميركية، ورضخت «إسرائيل» للقرار الدولي (مع استبعاد الفرضيتين الأخيرتين) فما هو مصير باقي فلسطين؟

هل إعلان دولة فلسطين كما يطالبون بها اليوم هو تكريس فعلي للاعتراف العربي والفلسطيني بدولة «إسرائيل»؟

وهل بهذا الإعلان يكون المجتمع الدولي، ومن خلفهما الولايات المتحدة الأميركية و«إسرائيل» قد وجّه الضربة القاضية نحو حلم العودة؟

ماذا سيكون موقف الفلسطينيين المهجرين والمبعدين عن أرضهم وحقوقهم؟ ماذا سيتبقى من حق حوالى 11 مليون فلسطيني بعيدين عن فلسطينهم؟

ماذا سيقول محمود عباس وغيره لفلسطيني من القدس الغربية؟ أن يأتي إلى رام الله مثلاً، أو إلى القدس الشرقية؟

ماذا سيقولون لأبناء حيفا، ويافا، وعكا، اللد والرملة، الجليل، والنقب، بئر السبع، بيسان، صفد، طبريا، وغيرها من المدن والبلدات والقرى والدساكر الفلسطينية التي لا تزال تحت الاحتلال الصهيوني، ينهب خيراتها، ويغتصب حقوق أبنائها المبعدين عنها قسراً في المياه والتراب، والزيتون والليمون.

وكما كل المسائل التي تخص الوطن، يحضر أنطون سعاده هنا في القضية الفلسطينية بقوة، ونستشهد ببعضٍ من شروح مبادئ الحزب السوري القومي الإجتماعي، خصوصاً المبدأ الأساسي الأول القائل: «سورية للسوريين والسوريون أمة تامة»، وفيه يحدد سعاده الإجابة على سؤال طرحه على نفسه: «من نحن؟»، وفي شرح هذا المبدأ الذي يوضح الهوية القومية، ينتقل إلى الحقوق في ملكية الأرض فيقول: « يعني هذا المبدأ سلامة وحدة الأمة السورية وسلامة وحدة وطنها، وانتفاء كل إبهام من الوجهة الحقوقية في أن السوريين أمة واحدة هي وحدها صاحبة الحق في ملكية كل شبر من سورية والتصرف به والبت بشأنه». ومن الطبيعي أن من يعرف سعاده من خلال كتاباته يدرك تماماً أن فلسطين تقع ضمن الوطن السوري الذي آمن به وبوجوده.

ثم أن سعاده انتقل إلى حق التصرف بالأرض، فيقول: « ويعني (هذا المبدأ) من الوجهة الداخلية أن الوطن ملك عام لا يجوز، حتى ولا لأفراد سوريين، التصرف بشبر من أرضه تصرفاً يلغي، أو يمكن أن يلغي، فكرة الوطن الواحد وسلامة وحدة هذا الوطن الضرورية لسلامة وحدة الأمة السورية».

من هنا، وانطلاقاً من تعاليم أنطون سعاده الذي حذّر من مخاطر الهجرة اليهودية الى فلسطين مطلع القرن الماضي، وحذّر من مغبة ضياع فلسطين، ودفع ثمن ثورته الواضحة والجلية في كل المحافل أن استشهد واغتيل فجر الثامن من تموز عام 1949، نقول لكل مطالب بدولة فلسطينية لا تشغل سوى خمس المساحة الفلسطينية، أن لا أحد يحق له التصرف بأراضي فلسطين، ويكون تصرفه لاغياً وحدتها، وحياتها، وسلامتها، كما لا يحق له أبداً أن يلغي حقوق الملايين ممن شرّدوا حول العالم، وأن يبقيهم حالمين بعودةٍ مفتاحها الوحيد ثورة مؤمنة بحق الصراع، وحق التقدم، ثورة مؤنة أن الولايات المتحدة الأميريكية لا يمكن أن تتخلى يوماً عن «إسرائيل» ككيان مزروع في شرق أوسطٍ غني بموارده وخيراته.

بين إعلان الدولة رقم 194، وإعلان بداية تحقيق حلم العودة كحق يُنَال بالثورة، وقفةُ عزٍّ في انتظار من يقفها لا من يوقفها.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021