إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

أنطون سعاده.. يوم أصبحت الزعامة مسؤولية حتّى الشهادة

ليلى زيدان عبد الخالق - البناء

نسخة للطباعة 2013-07-13

إقرأ ايضاً


عرف التاريخ محلياً وإقليمياً وعالمياً أيضاً «زعماء» كثيرين استمدّوا زعماتهم من إرثٍ إقطاعيّ أو ديكتاتورية نرجسية أو تحكّم مفرط برقاب العباد وخيرات البلاد. وفي هذه الحالات كلّها كان هناك «زعيم» ومتلقّو أوامر حاكمٌ ومحكومون ديكتاتور ومضطهدون. وما بين الفرد ذاك والجماعات تلك كان يسرح ويمرح المستفيدون الأزلام ومقتنصو فرص الدهر.

لكن التاريخ إياه الذي سجّل للقادة الأبطال صفحات من العزّ والمجد كما للأشرار والخونة والمتخاذلين لوحاتٍ من الذلّ عرف أسماء عديدة لا يمكن أن تمحى من سجلات العزّ مهما طال الزمان ومهما تبدّلت الظروف ومهما تقلّبت المتغيّرات وعصف «ربيع عربيّ» من هنا أو هبّت رياح الديمقراطية الأميركية من هناك.

من بين تلك الأسماء أنطون سعاده مؤسّس الحزب السوري القومي الاجتماعي وزعيمه الذي نحتفل خلال هذه الأيام من تمّوز بالذكرى الرابعة والستين لاستشهاده.

هو أنطون سعاده الزعيم الذي عرف كيف ينتقل بالزعامة من مرتبة إقطاعية ديكتاتورية إلى رتبة وظيفية لها صلاحياتها وعلى كمّ هائل من الواجبات. وكان ذلك عام 1935 حين زاره بعض أعضاء الحزب في منزله في رأس بيروت لمعايدته بعيد ميلاده في الأول من آذار حاملين معهم باقةً من الورد فما كان من سعاده إلا أن قابل الهدية بهديّة أسمى للأمة فأدّى أمام القوميين أولئك قَسَم الزعامة وجاء فيه: «أنا أنطون سعاده أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي على أنّي أقف نفسي على أمّتي السورية ووطني سورية عاملاً لحياتهما ورقيّهما وعلى أن أكون أميناً للمبادئ التي وضعتها وأصبحت تكوّن قضية الحزب السوري القومي الاجتماعي ولغاية الحزب وأهدافه وأن أتولّى زعامة الحزب السوري القومي الاجتماعي وأن أستعمل سلطة الزعامة وقوّتها وصلاحياتها في سبيل فلاح الحزب وتحقيق قضيته وألا أستعمل سلطة الزعامة إلا من أجل القضية القومية ومصلحة الأمة على كلّ هذا أقسم أنا أنطون سعاده».

القَسَم

وفي تحليل القَسَم الذي أدّاه سعاده يمكننا الوقوف عند هذه النقاط:

أوّلاً: أنّ سعاده بدأ قَسَمه بعبارة «أنا أنطون سعاده أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي....» وهنا نرى أنّ ذكر الإسم العلَم هو تأكيد على أن القسَم صادر حصراً من شخصٍ معلوم لا لبس حول هويته أو شخصه أو حتّى أهليته الكاملة التامة.

ثانياً: من أرقى العطاءات أن ينذر المرء نفسه في سبيل وطنه ورهن النفس هنا تجلّى في وقف سعاده نفسه على أمته ووطنه فوقف النفس هبة لا يمكن التصرّف بها إلا من قبل شخص ارتقى في سلّم تفكيره إلى مراتب عليا. لكن سعاده نفسه أتبع نذر ذاته لأمته ووطنه بعبارةٍ أخرى وهي: «عاملاً لحياتهما ورقيهما» ما يعني أنّ سعاده نذر كلّ دقيقة من حياته من أجل حياة أمته وارتقاء وطنه.

ثالثاً: وهنا تستوقفنا العبارة التالية: «أن أتولّى زعامة الحزب....» وبهذه العبارة نفى سعاده أيّ شبهة عن ماهية الزعامة فلم تعد ذلك المصطلح الذي يدلّ على الديكتاتورية والإقطاع وما شابه بل أصبحت «مسؤولية» يتنكّبها ورتبة يتولّاها لا بل قدوة وضمانة وحصانة لحسن سير العمل النضالي.

رابعاً: ومنعاً لأيّ تآويل قد يؤدّي إلى فهمٍ مغلوط مفاده أنّ سلطة الزعامة هي حالة فوقية تهدف إلى تحقيق مصالح خصوصية على هامش النضال القومي أشار سعاده في قسمه إلى أن غاية الزعامة الوحيدة هي «فلاح الحزب وتحقيق قضيته». فقال: «... وأن أستعمل سلطة الزعامة وقوّتها وصلاحياتها في سبيل فلاح الحزب وتحقيق قضيته....» وتأكيداً لهذه الحصرية يقول بأسلوب النفي: «... وألا أستعمل سلطة الزعامة إلا من أجل القضية القومية ومصلحة الأمة....».

ليس غريباً أن يُغتال أنطون سعاده وهو أوّل من حذّر من الخطر الصهيوني ولم يكن سوى في بدايات شبابه. ليس غريباً على أنطون سعاده أن يكون مشعّاً بالحضور رغم غيابه هذا الحضور المتمثل بالأجيال الجديدة التي آمن بها.

اغتياله

في 2 آذار عام 1947 وصلت طائرة سعاده إلى بيروت بعدما عاد من مغتربه القسري في أميركا الجنوبية والذي استمرّ حوالى تسع سنوات 1938 ـ 1947 وكان في استقباله حشد شعبيّ كبير من سائر كيانات الهلال الخصيب وألقى في هذا الحشد التاريخي خطاباً نوعياً هزّ أركان الحكم في لبنان آنذاك وحدّد فيه موقفه من استقلال لبنان ومن الاحتلال الصهيوني لفلسطين.

وأمام هذا الوضوح الجريء لم يكن مستغرباً اندفاع أعداء الحزب في حملة سريعة لاحتواء الموجة القومية العارمة فأصدرت الحكومة اللبنانية في أعقاب الاستقبال الكبير مذكّرة توقيف بحقّ أنطون سعاده وسيّرت حملات بوليسية لاعتقاله لكنّه لجأ إلى الجبل في منطقة المتن وكانت الحكومة تخشى نتائج عودة سعاده إلى الانتخابات النيابية المقرّرة في أيار 1947 فعرقلت نشاطات الحزب وأصدرت قراراً بتعطيل جريدة «صدى النهضة» الناطقة باسمه لكن سعاده استعاض عنها بجريدة «الشمس» التي عطّلت بدورها فتحوّل إلى مجلة «الكوكب» حتى آذار 1948 حيث أصدر جريدة «الجيل الجديد» وكانت الحكومة قد ألغت مذكرة التوقيف في تشرين الأول 1947.

بعد انتهاء مفاعيل مذكرة التوقيف وحسم الخلافات الداخلية في الحزب تفرّغ سعاده للعمل العلنيّ في مواجهة الأوضاع القومية المصيرية خصوصاً مسألة اغتصاب فلسطين ومع اقتراب ذكرى وعد بلفور تشرين الثاني 1948 - التي تزامنت مع اجتماع الأمم المتحدة للنظر في الصراع القائم بين أبناء شعبنا في فلسطين والمستوطنين الصهاينة الذين كانوا يتوافدون مع أسلحتهم من كل أنحاء أوروبا وأميركا - أعدّ سعاده لمهرجان شعبيّ كبير في بيروت تعبيراً عن الرفض القومي لمشروع تقسيم فلسطين لكن الحكومة اللبنانية عطّلت المهرجان فأصدر سعاده بيانه الشهير حول المسألة الفلسطينية داعياً فيه إلى إطلاق حركة مواجهة قومية شاملة وإلى تنظيم المقاومة الشعبية المسلحة مستنهضاً طاقات الأمة لمواجهة الكارثة المقبلة. في 29 تشرين الثاني 1947 أعلنت الأمم المتحدة قرارها الشهير بتقسيم فلسطين. شارك القوميون في الأعمال العسكرية أثناء حرب 1948 ومع أن الحكومة اللبنانية حالت دون ذلك بجميع الوسائل لكن السوريين القوميين الاجتماعيين في فلسطين ولبنان والشام والأردن تمكنوا من المشاركة في جيش الإنقاذ وسقط منهم عدد من الشهداء.

وإزاء النكبة بإعلان قيام «إسرائيل» دولة على أرض فلسطين رأى سعاده أن الاعتماد على القوى السياسية المهيمنة على الأنظمة في الكيانات السورية أمر لا جدوى منه وبدأ العمل بهدوء لتشكيل جهاز قياديّ من أعضاء الحزب يتولّى إطلاق حرب التحرير الشعبية وأسّس فرقة «الزوبعة الحمراء» بقيادة مصطفى سليمان كنواة لحركة المقاومة القومية. وبموازاة هذه الخطوة ركّز على إعادة بناء الحزب فكرياً وتنظيمياً باذلاً المزيد من الجهد لإعداد الأجيال الجديدة.

كان ردّ فعل الحكومة اللبنانية مباشَراً إذ أصدرت سلسلة قرارات منعت بموجبها الحزب من عقد الاجتماعات العلنية وأدّى تعسّف حكومة رياض الصلح إلى حدوث صدامات عديدة بين أعضاء الحزب والسلطة خلال احتفالات الأول من آذار 1949.

في أواخر آذار 1949 قام حسني الزعيم بانقلاب عسكري في دمشق وأعلن في حينه أن خطوته تلك جاءت ردّاً على نكبة فلسطين. في هذا الوقت كانت السلطة اللبنانية تنسّق مع الأحزاب الطائفية الداعمة لها لإنزال ضربة قاصمة بالحزب. وكانت الخطة أن يفتعل حزب الكتائب اللبنانية صداماً مسلّحاً مع السوريين القوميين الاجتماعيين يكون مبرّراً لزجّ سعاده وأعضاء حزبه في السجن. وبحسب الخطة ذاتها قام عناصر من الكتائب اللبنانية بمهاجمة مطبعة جريدة «الجيل الجديد» في الجميزة وأحرقوها وكان ذلك فاتحة إعلان الحرب على الحزب إذ بادرت سلطات الأمن إلى مداهمة مراكز الحزب وبيوت محازبيه واعتقلت أعضاءه في لبنان لكن الحكومة لم تنجح في اعتقال سعاده الذي تمكن من مغادرة بيروت وبعد أيام وصل إلى دمشق بعد أن جاءته ضمانات من حسني الزعيم بمنحه اللجوء السياسي.

هناك بادر سعاده إلى التحضير لعمل منظّم يحمي الحزب من الاندثار أمام شراسة السلطة في لبنان فأعلن الثورة القومية الاجتماعية الأولى على النظام. ولم يكن سعاده يعرف وقتئذٍ أنه استدرج إلى فخّ في دمشق ولكن لم تمض أسابيع حتى سارع حسني الزعيم بالتنسيق مع السفارة الأميركية في دمشق وعلى إثر لقائه مع موشيه شاريت «وزير خارجية الكيان الصهيوني» إلى اعتقال أنطون سعاده في 6 تموز 1949. وسلمه إلى الأمن العام اللبناني في السابع من تموز وكان الاتفاق بين حسني الزعيم ورياض الصلح أن تجري تصفية سعاده في الطريق إلى بيروت لكن الضابط فريد شهاب أبى تنفيذ الأوامر المعطاة له. وسلّم سعاده إلى نور الدين الرفاعي قائلاً: «إني أسلّمك أنطون سعاده حيّاً ولا أريد أن يحمل أحدنا ثأر القوميين». لكنّ سعاده أعدم فجر الثامن من تموز بعد محاكمة صورية جرت بسرية تامة ولم يعطَ محامي الدفاع الوقت لإعداد مرافعته واعتبرت وصمة عار في تاريخ القضاء اللبناني فقد شكل إعدامه أشهر ملف اغتيال لزعيم سياسيّ ومفكر قوميّ تآلبت على نهجه الثوري القوى التقليدية المتحالفة مع أميركا و«إسرائيل» والأنظمة المتضررة من دعوته العنيدة إلى توحيد كيانات سورية الطبيعية وإقامة جبهة عربية واحدة على غرار الوحدة الأوروبية التي نشهد اليوم ارتفاع مداميكها.

لهذه الأسباب اغتيل

يرى محلّلون كثيرون خصوصاً من درس جيّداً تاريخ المنطقة الحديث أنّ اغتيال أنطون سعاده كان قراراً اتُخذ في أروقة المخابرات الأجنبية وذلك لوضع حدّ لهذا الزعيم الذي بدأ يشكل خطراً على المشاريع الاستعمارية المستهدفة الهلال السوري وخصوبته في شتّى الميادين.

يعزو المحلّلون اغتيال سعاده إلى كونه أوّل من حذّر من مطامع الصهيوينة العالمية وأوّل من حاربها فعلاً ولكونه وجد الدواء الشافي للداء الذي زرعته «سايكس ـ بيكو» الطائفية فحذّر من خطرها وأسّس حزباً يصون وحدة الأمة ويقضي على تشظّيها وذلك من خلال تأمين بوتقة تذوب فيها الحواجز بين الطوائف والمذاهب وحتّى الطبقات الاجتماعية فيصبح القوميون الاجتماعيون متساوون في الحقوق والواجبات لا غيرة على الدين تشدّهم فيشذّون ولا خوف على مصالح طائفة يعتريهم بل جلّ ما يصبون إليه تقدّم أمّتهم الواحدة وتطوّرها وارتقائها.

حبّّذا

اغتيل أنطون سعاده إعداماً محروماً حقّ تعيين محامي دفاع لكنّه رافع عن نفسه وقال الكثير حبّذا لو استطاع أحد أن يسجّل خطابه ساعة مرافعته عن نفسه لا شكّ أنه حكى الكثير للتاريخ لأجيال يجب أن تسمع وأن تعي وأن تفعل.

سيق الزعيم إلى خشبة الإعدام قال لهم شكراً إثنا عشر جندياً يصوبون إثنتي عشرة بندقية إلى صدر الأمة فتنطلق إحدى عشرة رصاصة تمزّق جسداً يسقط فترتفع في اللحظة زوابع وأعاصير وهتافات بقيت تتردّد. استشهد سعاده فجر الثامن من تموز عام 1949 قائلاً لجلاديه: «أنا أموت أما حزبي فباقٍ». وكان استشهاده أفصح درس تعلّمته الأجيال الناهضة في الفداء القوميّ.

استشهد الزعيم جسداً وتخلّد روحاً وفكراً وحياةً لسوريا مع كلّ تحيّة يقولها شبل صغير كما تخلّدت الزعامة نبراساً ومنهلاً للقوميين ينهلون منها ما تيسّر لهم من إرادة إرادة الحياة حتى الاستشهاد.

نبذة عن حياته

هو أنطون سعاده ولد في الأول من آذار عام 1904 في الشوير قضاء المتن محافظة جبل لبنان والده الدكتور خليل سعاده الذي كان طبيباً وعالماً وأديباً ومن أبرز القادة الوطنيين في المغترب اللبناني في البرازيل. أسّس جمعيات وأحزاب مهجرية وطنية وقومية عديدة كما أسّس ونشر صحيفتي المجلة و الجريدة في سان باولو في البرازيل. أما والدته فهي نايفة داود نصير من الشوير أيضاً. وكانت أسرة سعاده مؤلفة منه ووالديه بالإضافة إلى أشقائه أرنست آرثر وتشارلي وهم الأكبر سناّ منه ليأتي بعده سليم إدوار وغريس.

تلقى أنطون سعاده سنة 1909 المبادئ الأولية للقراءة والكتابة في مدرسة الشوير على يد المعلم حنا رستم ثم أكمل دراسته الثانوية في معهد الفرير في القاهرة عام 1913 وهناك توفيت والدته أما والده فاضطر إلى المغادرة الى الارجنتين. أما سعاده فعاد مع اخوته الصغار ليعيش في كنف جده وأكمل تعليمه في مدرسة الأميركان في الشوير ثم انتقل عام 1915 إلى مدرسة البلدة الرسمية ليغادرها إلى مدرسة برمانا عام 1916.

سنة 1919 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ترك سعاده وطنه بعد أن شاهد ما شاهد من آثار المجاعة إبان الحرب وغادر إلى الولايات المتحدة الأميركية ثم وبتاريخ 7 شباط عام 1921 انتقل إلى البرازيل حيث أسهم مع والده الدكتور خليل في تحرير جريدة الجريدة ومجلة المجلة . وفي 4 حزيران من العام ذاته نشر سعاده أول مقال له يعالج فيه شؤون الوطن ولم يكن عمره آنذاك قد تجاوز السابعة عشر.

لم يكمل أنطون سعاده تعليمه الجامعي لكنه درس بنفسه حتى أصبح يتقن عدداً من اللغات من بينها الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية ما أفسح له من خلال اتقانه هذه اللغات الحية أن يكمل التعمق في العلم والفكر الإنساني في عدة اختصاصات شملت التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وعلوم الإنسان والأدب.

أسّس سعاده في البرازيل جمعية سريّة للعمل على توحيد سوريا الطبيعية وأسماها «جمعية الشبيبة الفدائية السورية» كما انخرط في عدة جمعيات لهذا الغرض وانضم الى المنظمة الماسونية العالمية إلّا أنه استقال منها بتاريخ 24 أيار 1926 موجهاً رسالة بهذا المعنى الى رئيس وأعضاء محفل «نجمة سورية» ولاحقاً في 10 أيار 1949 وجّه بلاغاً إلى القوميين الاجتماعيين حذرهم فيه من الماسونية قائلاً: «الماسونية جمعية انترناسيونية لها أهداف مستترة غامضة تحت شعار حرية أخاء مساواة».

لكنه وجد أن النضال الفعلي إنما هو الذي ينطلق من داخل الوطن لا من المهجر بعد تأسيسه أيضاً حزب الأحرار السوريين ما حدا به إلى التفكير بالعودة الى الوطن.

عاد سعاده خلال شهر تموز عام 1930 وخلال العام ذاته كتب قصة «فاجعة حب» ومن ثمّ أصدرها مع قصة أخرى تحت عنوان: «عيد سيدة صيدنايا» خلال عام 1931.

انتقل سعاده خلال هذا العام إلى دمشق. وهناك شارك في تحرير جريدة «الأيام» الدمشقية التي أصبح اسمها في ما بعد جريدة اليوم وفي العام التالي درّس في كلية الجامعة العلمية لصاحبها سليمان سعد لكنه لم يفلح بتأسيس ما كان يصبو اليه.

عاد إلى الشوير وأمضى شهر الصيف في منطقة الضهور في عرزال بناه لنفسه وهناك أمضى سعاده ساعات طوالاً من الدرس والتأمل ومن التفكير العميق في بُنَى الحزب الذي عاد من المغترب لتأسيسه.

انتقل في تشرين الأول عام 1931 الى رأس بيروت بعد توصله إلى الاقتناع أن الطلبة هم الوسط الصالح لتلقي بذور النهضة القومية الاجتماعية عمل في الجامعة الأميركية مدرّساً اللغة الألمانية لمن يرغب من الطلاب. ثم استأجر غرفة في منزل غريس حداد.

تأسيس الحزب والملاحقات

في 16 تشرين الثاني عام 1932 أسّس أنطون سعاده الحزب السوري القومي الاجتماعي سرّياً من خمسة طلاب في الجامعة الأميركية ومن هذا الوسط انتشرت دعوته إلى المناطق بحيث انتظم فيه المئات في غضون السنوات الثلاث الأولى من العمل السري لينكشف أمر الحزب عام 1935 من قبل سلطات الاحتلال الفرنسي فاعتقل سعاده وعدد من معاونيه وصدرت بحقهم أحكام مختلفة أقصاها السجن لسعاده مدة ستة أشهر كتب خلالها كتاب نشوء الأمم.

بعد خروجه من السجن بفترة وجيزة أعيد اعتقال الزعيم في أواخر حزيران عام 1936 وأثناء هذه الفترة أنجز كتيّب شرح مبادئ الحزب التي وضعها. بعد أشهر قليلة خرج سعاده من السجن ليعود إليه في بدايات عام 1937 وليبدأ من داخل السجن أيضاً كتابة كتاب نشوء الأمة السورية الذي صودر من قبل السلطات ولم تعده اليه في ما بعد.

الاغتراب القسري

في أواخر شهر أيار عام 1937 خرج سعاده من السجن وفي تشرين الثاني من العام ذاته أسّس جريدة النهضة وعام 1938 ترك لبنان إلى القسم الجنوبي من القارة الأميركية لتنظيم فروع الحزب هناك. وفي البرازيل أسس جريدة سورية الجديدة

وإثر وشايات من قبل عملاء الاحتلال الفرنسي اعتقل الزعيم لمدة تزيد عن الشهر خرج بعدها من السجن بعد اكتشاف بطلان تلك الوشايات. بعد خروجه من السجن بأسبوعين غادر سعاده الى الأرجنتين. ومكث فيها حتى أيار 1940. وهناك حاول تجديد جواز سفره لكن السفارة الفرنسية في بوينس آيرس رفضت ذلك. وفي 20 آب من العام ذاته أصدرت سلطات الانتداب الفرنسي في لبنان حكماً غيابياً قضى بسجن سعاده عشرين عاماً ونفيه من لبنان عشرين عاماً أخرى فأصبح بحكم الأسير داخل الأرجنتين لا يستطيع مغادرتها وظل في مغتربه القسري حتى عام 1947. وأصدر خلال هذه الفترة جريدة «الزوبعة» التي كانت منبراً متميزاً للصوت القومي وعلى صفحاتها ظهرت أهم كتاباته السياسية والفكرية والأدبية. وأنهى كتابة «الصراع الفكري في الأدب السوري». وكان قد تعرف إلى جولييت المير وهي من عائلة طرابلسية مقيمة في الأرجنتين فتزوجها عام 1941 وأنجب منها في المغترب كريمتيه صفية وأليسار أما راغدة فولدت بُعيد عودة العائلة الى الوطن.

العودة

بعد جلاء القوات الفرنسية عام 1946 حاول العودة الى لبنان لكن تحالف بشارة الخوري رئيس الجمهورية ورياض الصلح رئيس الحكومة كان يعرقل عودته بحجة الحكم القضائي الصادر بحقه منذ أيام الاحتلال.

أواخر عام 1946 قرر سعاده العودة نهائياً إلى لبنان ضارباً عرض الحائط بممانعات حكومة رياض الصلح وعراقيلها. فأنهى أعماله التجارية وكان قد تمكن من الحصول على جواز سفر مؤقت من السفارة الفرنسية في الأرجنتين يتيح له السفر إلى البرازيل وهناك تمكن بمساعدة رفقائه من الحصول على جواز سفر لبناني وغادر البرازيل جواً إلى القاهرة في 18 شباط 1947 وفيها التقى برئيس المجلس الأعلى في الحزب نعمة ثابت وبأسد الأشقر حيث تباحث معهما بأمر العودة إلى الوطن والموقف السياسي المتوجب اتخاذه حيال هذه الخطوة وفي هذا اللقاء تأكد لسعاده ان المجلس الأعلى في الحزب اتخذ قراراً بتكييف سياسته مع النزعة اللبنانية للعهد الذي ورث تركة الانتداب إذ تم الترخيص له تحت اسم «الحزب القومي» بما يعني التخلي عن جوهر عقيدته القومية.

الاستشهاد

عاد الزعيم في 2 آذار عام 1947 ونُظّم له حفل استقبال حاشد في منطقة الغبيري وألقى خطاباً نوعياً جعل أعداءه يتربّصون به في كل مناسبة ويكيدون له المؤامرات فظلّت المضايقات والتوقيفات التعسفية تفعل فعلها حتّى رُسمت خطّة من قبل الدولة اللبنانية تقضي بأن يفتعل حزب الكتائب اللبنانية صداماً مسلحاً مع السوريين القوميين الاجتماعيين فيكون مبرراً زجّ سعاده وأعضاء حزبه في السجن. وقعت حادثة الجمّيزة الشهيرة واضطر الزعيم إلى أن يغادر إلى الشام لكن حسني الزعيم غدر به وسلّمه إلى حكومة رياض الصلح التي اغتالته إعداماً في محاكمة صورية سريعة في الثامن من تموز عام 1949 ظناً منها أنها إن قتلت سعاده سيندثر حزبه ويضمحلّ لكن سعاده كان جوابه أسرع إذ قال قبيل استشهاده: «أنا أموت أما حزبي فباقٍ».


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021