إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

وجهة نظرالسلفيون و«التقدّم.. إلى الوراء»

ليلى زيدان عبد الخالق - البناء

نسخة للطباعة 2011-12-03

إقرأ ايضاً


لا يكاد ينقضي يومٌ ويُقبِل آخر، حتى تتضح صورة «الربيع العربي» أكثر فأكثر، وهو الذي لا يشبه الربيع، ولا يمتّ إليه بِصِلة، حيث تتأكد التحليلات السياسية وتعليلاتها، وتتكشف الأمور والمؤامرة، وتنجلي الحقيقة جلاء شمسٍ صيفية أمام أعين الملايين، ممن انبهروا مطلع هذا العام بما سُمّي «الثورات العربية».

ولعلّ الصورة الأكثر وضوحاً اليوم، رعاية الولايات المتحدة الأميركية، ومن خلفها «إسرائيل» وبعض الدول الأوروبية، وصول الجماعات «الإسلامية» المتشدّدة والسلفية، إلى سدّة الحكم في بعض البلدان العربية، كون أنظمة الحكم البائدة في هذه الدول ـ هي التي عاشت عشرات السنين ـ لم تعد تفيدها في مشروعها الكبير، الرامي إلى كسر شوكة المقاومة ضدّ «إسرائيل»، وإضعاف كل دولةٍ تدعمها وتمدّها بالعون والعتاد، والموقف الرسمي والشعبي. وهذا ما وَرَد علناً أمس على لسان برهان غليون الذي يسمّي نفسه «رئيس المجلس الوطني السوري»، خلال مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية، حيث لفت إلى أنه «إذا تمكّن المجلس من تشكيل حكومة جديدة، فإنه سيقطع علاقات دمشق العسكرية مع إيران، ويوقف توريدات الأسلحة إلى «حماس» و«حزب الله»، وسيجيء ذلك في إطار إعادة توجيه السياسة السورية، تجاه التحالف مع القوى العربية الرئيسية».

إن هذه المؤامرة باتت عناوينها مكشوفة، وإن وقع الاختلاف مع البعض حول التفاصيل، فمتى عُرف السبب، بطُل العجب، وإن أدرك مشاهدو التطورات السياسية هدف المؤامرة، بَطُلَ اختلافهم على بعض الحيثيات.

فإذا ألقينا نظرةً سريعةً على بدايات هذه الثورات، لوجدنا أن بعض الدول العربية التي من حق شعوبها أن تثور ضدّ تقييد الحريات، وانتهاك حقوق الإنسان، لم تصل إليها عدوى «الربيع العربي»، أو جرى التعتيم على تلك العدوى. ولعلّ أبرز هذه الدول تلك التي تحكم بِاسمِ الشريعة والإسلام. لكن ذلك الربيع، حلّ ضيفاً شتوياً على دولٍ تعبت أميركا من تحالفها معها، الذي لم يجدِ في فرض واقع «الشرق الأوسط الجديد»، ومركز القوة فيه «إسرائيل»، فحرّكت شعوب تلك الدول، وأسقطت الأنظمة، وعبّدت الطرق وأهّلتها أمام الحركات المتشددة، والأحزاب «الإسلامية»، والجماعات السلفية، ولم يبقَ إلا السجاد الأحمر تفرشه أميركا أمام الحلفاء الجدد للوصول إلى الحكم، وهذا ما جرى فعلاً في تونس ومصر من خلال الانتخابات «الديمقراطية».

أما في المغرب، فقد أخذ «الإسلاميون» حصتهم الكبيرة في الانتخابات، والدور آتٍ على مصر، بعد أن باتت هذا المسألة شبه مؤكدة في ليبيا وتونس، وعندما نتحدث عن سيطرة «الإسلاميين»، فهذا يعني سيطرة أكيدة لـ«القاعدة» والسلفيين ،ولكل من يريد أن يحكم بِاسمِ الدين.

ففي مصر، حيث أصبح امتداد هذه العملية واضحاً وضوح الشمس، بشكلٍ لا يقبل النقاش، ولا يحتاج إلى تحليل، أو مصادر تثبت هذا الواقع، فما نراه ونسمعه ونقرأه يشير إلى ذلك، وإلى الدور الكبير الذي سيكون لـ«الإخوان» في «هبة النيل».

ولعل الأخطر هو أن هذه الامتدادات «الإسلامية» وصلت لبنان، وهذا ما نشهده في مدينتَيْ صيدا وطرابلس، حيث ظهر السلفيون ـ ممن يدافعون عن بن لادن والعرعور والبيانوني وغيرهم ـ ويعملون على أن يكون الدستور في بلدنا مستقبلاً دستوراً «إسلامياً» دينياً متشدداً، أسوة بما قد يحصل في كل الدول التي ذكرناها آنفاً، حيث يستباح كل شيء بِاسمِ الدين.

ففي صيدا ظهرت الحركة الـ«أسيرية» التي يقودها الشيخ «أحمد الأسير»، وهي حركة سلفية، تسعى إلى تكريس «دولة دينية إسلامية متشدّدة» تعيدنا قروناً إلى الوراء. وهذه الامتدادات، سيكون لها وقعها الخطير على لبنان، فالحركة السلفية في طرابلس ـ «حزب التحرير»، هي على علاقة وطيدة بتلك المتنامية في صيدا، وإن كانت في طرابلس ذات وقع أقوى وأكثر حماوة وتحركا على الأرض.

وليتخيّل اللبناني، إن لبنانه أصبح إمارةً «إسلامية»، وليفكّر في قرارة نفسه أن القضاء في لبنان أصبح مثل القضاء في المملكة العربية السعودية، التي تشهد أغرب الدعاوى القضائية. فقد نقلت صحيفة «الرياض» السعودية في عددها الصادر يوم الأحد الواقع فيه 7- 10-2007، أن سيدة سعودية طلبت الطلاق من زوجها، «لأنه كشف برقعها خلال نومها، لرؤية وجهها لأول مرة منذ 30 عاماً، من زواجهما».

وبالعودة إلى ما تشهده البلاد، فإن راكبي أمواج المخطط الأميركي الصهيوني، ينتظرون بفارغ الصبر، سقوط الحكم في سورية، واستلام السلفيين شؤون هذا الحكم، ليحلّ «الإسلام» (ونقصد هنا التشدّد الإسلامي والحركات السلفية من "القاعدة" وغيرها) مكان حكم الرئيس بشار الأسد، وهذا ما صرّحوا هم به علناً. لذا، فهم يخوضون المظاهرات ضدّ النظام، ويعيثون في شوارع سورية قتلاً وتخريباً وتمثيلاً في جثث الضحايا، مستخدمين أسلحةً أميركية متطورة، بشهادة وزيرة خارجية أوباما هيلاري كلينتون، كما أنهم يستغلون جرائمهم أبشع استغلال، من خلال تصويرها وإرسال مقاطع الفيديو إلى القنوات الفضائية من «جزيرة» و«عربية»، والمتحالفة معهم ومع أميركا، لاتهام الجيش السوري وقوى الأمن بارتكاب تلك البشاعات، وهذا ما جرى فضحه مراراً، وآخره مع الشهيد الطفل ساري ساعود.

كما أنهم في الوقت عينه، يعتمدون على القوى السياسية اللبنانية المرتهنة سلفاً للخارج، وكانت قد أدّت قسطها من المؤامرة قبل وبعد اغتيال رفيق الحريري، ونقصد هنا قوى 14 آذار، التي تجاهر أيضاً، برهانها على سقوط الحكم في سورية، وتتظاهر وتحتفل وتقيم المهرجانات، وتسطّر المقالات، وتجيّش الأنفس، وتهيّج الشارع «السني» ضدّ سورية، وضدّ سلاح المقاومة، إعلامياً وسياسياً وشعبياً.

وفي الحديث عن مهرجان «الاستقلال» الذي نظّمه تيار «المستقبل» الأحد الفائت في مدينة الفيحاء طرابلس، لمسنا الحجم المحدود للمتظاهرين، ومردّ ذلك التضاؤل، هو عدم تأمين نقل المتظاهرين كما جرت العادة من البقاع والجنوب والجبل وبيروت، فالسيولة لم تعد كما كانت «كارجةً» لدى مسؤول تيار المستقبل، وكذلك الولاء لـ«القضية» من قبل مناصريه، ما يؤكد مجدداً ويثبت أن تيارهم هذا قائم على مبدأ «رش» المال وسهولة وصوله إلى الجيوب. كما أن تنظيم الاحتفال، وفي طرابلس تحديداً، لم يكن بمناسبة عيد الاستقلال اللبناني، بل كان الهمّ الوحيد لدى «الخطباء»، إطلاق أثقل أنواع الأعيرة النارية على الحكم في سورية، وعلى حلفائه في لبنان والمقاومة وحزب الله.

إن مراهنة البعض في لبنان، ومنهم الحركات المتشددة، على سقوط الحكم في سورية هي مراهنة ساقطة، والأشهر القليلة المقبلة، ستثبت ذلك، كما أن مراهنتهم على 14 آذار هي أيضاً فاشلة، بعدما تبيّن أن زعامة هؤلاء قائمة على مبدأ وجود الأموال. فهذه المصالح الضيقة بين الحركة الأسيرية تحديداً،والإسلامية عموماً، وبين قوى 14 آذار، تحمل في طياتها الكيدية، وقد تدمّر البلد وتغرقه في الفوضى، آملةً وصول «الإخوان» ومن لف لفهم في سورية إلى الحكم، ومن بعدها الأردن، والاستغلال متبادل بين الإثنين، وسيُترجم بشكل واضح في الانتخابات النيابية اللبنانية عام 2013.

كما أنهم تناسوا، أن العلمانيين في لبنان، هم كثر، ولعلهم الأكثر طموحاً ووضوحاً في المطالبة بالديمقراطية والحرية، وهي تضمّ النخب ومختلف قوى المجتمع، كما أن حضورها السياسي، لا يمكن تغييبه بـ «شخطة قلم»، وحتماً ستقف هذه القوى في وجه «الردّة إلى الوراء». لقد صدق أنطون سعاده حين قال قبل عقود: «إن الأمم التي تتطلع دائماً إلى الوراء، تتقدم دائماً.. إلى الوراء».

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021