إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   اصدارات  
 

المبادرة العربية بين صدمة «المعارضة» وخيبة العم سام

ليلى زيدان عبد الخالق - البناء

نسخة للطباعة 2011-11-09

إقرأ ايضاً


كبير هو المخطط المرسوم للمنطقة برمتها، وعظيمة هي الأهداف المنشودة من قبل الولايات المتحدة الأميركية وفق هذا المخطط، ومن لم يعِ أن ما سمي بـ«الربيع العربي» هو امتداد لمخططات سابقة اتخذت أسماء عديدة، من خريطة الطريق، إلى الشرق الأوسط الجديد، فهو حتماً يجهل القراءة بين السطور، كما يجهل ربط الأحداث في ما بينها.

فمن احتلال العراق بحجة أسلحة الدمار الشامل التي لم تهتد إليها استخبارات العم السام، ومن اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسلسلة الاغتيالات التي جرت عقب ذلك في لبنان، واتهام سورية بارتكاب كل تلك الجرائم، ومن صدور القرار الأممي 1559، إلى حرب تموز ودعمها بكل الحجج الدولية والترسانات العسكرية، إلى حصار غزة وقصفها وتدميرها، إلى ما سميّ بالمحكمة الدولية، وانتقال المتهم من دمشق إلى حارة حريك بسبب عدم التوصل إلى أدلة دامغة تورط دمشق، فارتأت الولايات المتحدة الأميركية أن تتهم المقاومة وحزب الله تحديداً كبديلٍ استراتيجي ومنطقي للانقضاض على المنطقة عبر بوابة الأمم المتحدة والفصل السابع، لكن القرائن والبراهين خانت أميركا مجدداً، فارتأت أن تثب على دمشق من الداخل عبر موجة «الربيع العربي» التي أطاحت بأنظمة كانت حليفة لأميركا لكنها أصبحت مؤخراً عبئاً ثقيلاً عليها وسط تنامي ظاهرة «حقوق الإنسان».

لكن ظن أميركا خاب مجدداً واضمحل على أعتاب بوابات دمشق، حيث لم ينفع ربيعها ولا أي فصلٍ من فصولها في زعزعة القيادة المقاوِمة في الشام، فلا الثورات المشبوهة أجدت، ولا التضليل الإعلامي أثمر، والقيادة التي كان متوقعاً لها أن تسقط خلال أسابيع، صمدت في وجه المؤامرة أسابيع وأشهراً، وستصمد وتنتصر لأنها قيادة منبثقة من صلب إرادة الشعب الذي رأيناه يخفق مليونياً في ساحات المدن الكبرى، ولأن هذه القيادة ترى بالعين الوطنية والمسؤولة ضرورة الإصلاح في التشريع والمؤسسات والاقتصاد حتى قبل مناداة «الربيع العربي» بذلك وتاريخ الرئيس الدكتور بشار الأسد خير دليل، هو الذي وضع المحراث منذ سنين في حقل الحداثة.

وأمام ما شهدته سورية من أحداث مؤلمة وموجعة، وبعد إفلاس الولايات المتحدة الأميركية في استصدار قرار من مجلس الأمن يؤيد شن هجوم عسكري على سورية شبيهاً بهجوم الناتو على ليبيا، ووسط ضياع ما يسمى بالمعارضة السورية وتشتتها وتبعثر أهدافها وغاياتها، كانت الورقة الأخيرة..«المبادرة العربية».

وبغض النظر عن تأخر القادة العرب عن عقد قمتهم يترجمون فيها «غيرتهم» على المصلحة السورية والشعب السوري، ووسط تساؤلات الملايين من سكان هذا العالم وعجبهم من جامعة دول عربية غابت عن أحداث تونس، وعن أحداث مصر، وليبيا، واليمن، وتغيب اليوم عمّا يجري في البحرين، وعن القمع في المملكة العربية السعودية، والقتل والذبح وحصار الأطفال والمرضى في غزة، وتصبّ جام اهتمامها «المشبوه» حول سورية وكيفية «نصرة معارضتها المسكينة» في وجه ما تسميه «النظام السوري».

وعلى الرغم من كل ذلك، وبحكم حكمتها اللامتناهية، تلقفت سورية المبادرة العربية، وكانت المفاجأة أن وافقت عليها من دون أدنى تحفظ، ما شكّل صدمة للمعارضة، إذ أنها (أي المعارضة) اعتمدت في تحليلها الخاطئ على أن القيادة السورية لن توافق على هذه المقررات، وأن هذه المبادرة ستكون مدخلاً آخر لا بل حجة دامغة لدخول القوات الدولية فضاء سورية وبحرها وبرها، كيف لا؟ والمصادقون هم ملوك العرب؟

لكن، ما إن وافقت القيادة الرشيدة في الشام على تلك المبادرة، انبرى كل أعضاء من يسمّون أنفسهم بالمجلس الوطني ليظهروا على الشاشات، ويخرجوا عن صمتهم، رافضين قرار الجامعة العربية ومبادرتها، بحجة ان سورية لن تتقيّد بالبنود الصادرة عنها.

وربما يدور في رأس المعارضة وتفكيرها حالياً، أنه وبعد انسحاب الجيش السوري من المدن والأماكن التي يتواجد فيها، دفع مناصريها بالخروج الى الشارع للتظاهر في الشكل، ولزرع الفوضى وإعاثة الخراب والفساد في المضمون، والإيعاز لحملة السلاح بإطلاق النار على المتظاهرين والمؤسسات والمدنيين، والادعاء أن الجيش والأمن السوريين هما من يطلقان النار.

لكن أن تفكّر المعارضة بهذا المنطق يعتبر غباءً سيوقعها في مأزق يصعب عليها الخروج منه. فالقيادة السورية تدرك تماماً ما تخطط له المعارضة، فهل يا ترى سيبقى الجيش متفرجاً من دون أن يقوم بحماية المواطنين؟ وهل ستعي الجامعة العربية ذلك وتباشر بمراقبة الشارع عبر لجانها؟ وفي حال اتسمت مراقبتها – أي الجامعة- بالصدق، فكيف سيكون المشهد يا ترى؟ هل سيكون مغايراُ لما حدث في تونس وليبيا ومصر والبحرين واليمن؟

من هنا، نطمئن المراقبين، أن سورية ستخرج من هذه المحنة أقوى بكثير مما كانت عليه لأنها الأقوى دائماً بممانعتها، ودعهما لمجمل القضايا العربية، وتحديداً القضية الفلسطينية، وعندما تكون سورية قوية ومتماسكة نظاماً وشعباً فهذا يشكل بحدّ ذاته انتصاراً لكل العرب وسيكون هذا الواقع نكسة كبيرة، ستكون أشدّ وطأة على الأميركيين من نكستهم في العراق.

ما لا يدركه الراكبون ركب الولايات المتحدة الأميركية ومخططاتها، أن أميركا تلعب اليوم أوراقها الأخيرة في لعبة السيطرة على المنطقة، وأنها تسجّل يومياً فشلاً ذريعاً في خططها تلك، خصوصاً بعد استفاقة الندّ الروسي، ومعه المارد الصيني، وانتكاسة تركيا حتى قبل أن يكتمل نموها ودورها في المنطقة، أما المعطيات فكثيرة: الانسحاب الخاسر في المال والارواح من العراق، عدم السيطرة على مجموعات طالبان في أفغانستان، الفشل في كسر المقاومة وسورية في السياسة والقانون والحروب والاغتيالات والمؤامرات.

صدمة كبيرة مني بها أركان المعارضة في سورية وإن لم يكونوا أركاناً في يومٍ من الأيام بل مجرد أطراف التقوا على إرادة أميركية (إسقاط الرئيس بشار الأسد) وكل طرف يغني على ليلاه، اندثرت «الرؤى النهضوية»، وتبعثرت الخطط الوهمية عند أول دعوة للحوار مع القيادة، كيف لا، وفاقد الشيء لا يعطيه، فأضحى مطلبها الوحيد: سقوط المبادرة العربية.

أما بلاد العم سام، ومن خلفها «إسرائيل»، فجلّ ما تفعله اليوم لملمة خيبة أملها، فلا مسوّغ أممياً يحدوها إلى احتلال الشام، ولا «تعنّت مفترضاً» من قبل سورية، سورية التي تعض على جرحها النازف مقابل اتقاء شرّ تعرفه وتراه في الأفق بعكس كل من يدعي المعارضة، سورية التي استبقت أي «تفكير غبي من قبل أميركا بضرب المنطقة»، فقالت لها أنها في حال إفلاسها وفكرت في ضرب سورية، فسيكون زلزال لا يسلم من نتائجه أحد.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2021