إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الفتنة الدينية بين سوريي الارجنتين - الحي الاسلامي

أنطون سعادة

نسخة للطباعة 1942-01-15

إقرأ ايضاً


ان استغلال الاسلام المحمدي والمحمديين لاغراض نفعية ولسياسات انترنسيونية ليس بالشيء الجديد. وقد تصدت الزوبعة في اعداد سابقة لتبيان تزاحم المانية وبريطانية وايطالية وفرنسة على تحريض المحمديين في كل مكان لبلوغ مآرب سياسية او حربية خصوصية. وتجد هذه المآرب دعامة في مطامع بعض الاشخاص من المحمديين في الارتقاء الى الحكم والخلافة على سلم العصبية الدينية كالسيد شكيب ارسلان الدرزي الأصل والمحمدي المذهب، الذي يريد ان يحول الدروز الى مسلمين محمديين ليكتسب بهم عصبية ضمن المجموع المحمدي لانه لا عصبية له فيه يمكنه الاعتماد عليها لتحقيق مطامعه في الخلافة والانتصار على مزاحميه في النفوذ. وكالأمير عبدالله صاحب شرق الاردن وكالشيخ تاج الدين الحسيني.


وما هذه الخلافة وما هو هذا الحكم يطمع فيه هؤلاء النفعيون والاستغلاليون؟ هما ولاية من يد اجنبية تجعل صاحبها في مقام باي تونس عند التونسيين او خليفة مراكش عند الاسبان، وبعض المال الذي يقبضونه للدعاوة!


وهنالك مصيبة اخرى تأتي مع المصيبة بالطامعين في الحكم باسم الدين هي المصيبة بصغار النفعيين الذين يقبضون اجوراً زهيدة لقاء نشر جميع ما توعز به المصادر الاجنبية مباشرة او مداورة. وهذه المصادر عندها رجال ذوو اختصاص في نفسيات الجماعات الدينية يهيئون الفكر والمواد التي يلزم نشرها ويقدمونها الى المأجورين لهذا الغرض فيتكفل هؤلاء باذاعتها او دسها في الاوساط المقصودة.


ان تأخر اليقظة القومية في اكثر الشعوب المحمدية او التي اغلبيتها محمدية هو الذي يوجد سبيلا لهذا التلاعب بعواطف المؤمنين الدينية وتسخيرها للاغراض الاجنبية. فباسم الدين تقدر الارادات الاجنبية ان تغرر بالجماعات الدينية التي لما يشملها الوعي القومي وتستغل تعصبها الديني الأعمى لأغراضها.


وتأخر اليقظة القومية في بعض الشعوب المسيحية او التي اغلبيتها مسيحية يوجد السبيل عينه للتلاعب بعواطف المؤمنين الدينية وتسخيرها للاغراض الاجنبية. والدول الأجنبية الطامعة في سورية ما زالت تثير المحمديين على المسيحيين ثم تتقدم الى هؤلاء بالحماية فيقبلونها والعاقبة السيئة كانت دائماً على الملتين. ولما كان غرض هذا المقال تناول الدعاوة الاجنبية بين السوريين المحمديين التي اخذت تفعل منذ مدة غير يسيرة في الوطن وفي الجوالي السورية وذر قرنها منذ زمن في الجالية السورية في الارجنتين فإننا نحصر الموضوع في هذه الناحية.


وصلت الينا في أوائل ديسمبر الماضي نسخة من جريدة "الاستقلال" التي يصدرها في هذه الحاضرة السيد أمين ارسلان الذي بلغنا انه تجنس منذ زمن بالجنسية الارجنتينية ولكنه بدلاً من ان يهتم بشؤون وطنه الجديد ويترك شؤون الوطن الذي انكره ونبذه لا يزال يعد نفسه من "كبار الوطنين" السوريين او "المسلمين" او غير ذلك. والنسخة هي من العدد الصادر في 15 نوفمبر الماضي بالرقم الهندي وفي 31 نوفمبر بالرقم العربي. وفيها مقالة بقلم زائر جديد للجالية السورية في الارجنتين هو الطبيب نديم المعري وخلاصة المقالة دعوة الى انشاء "الحي الاسلامي او العربي" (اي ان الاسلام والعروبة لفظتان مترادفتان بمعنى واحد) وفتح باب اكتتاب لهذا "المشروع الذي فيه حياة الجالية الاسلامية الاجتماعي" كما هو عنوان المقالة. ويكون ايجاد "الحي الاسلامي" بانشاء "جامع ومدرسة ومساكن تتهيأ فيها كل اسباب الراحة ما عدا المحلات التجارية وما يتبعها ثم تعميم المشروع ليشمل مقبرة خاصة بالمسلمين وبدون ان ننسى التفكير مبدئياً في مرجع لمرضانا. وان شئت فسمه عيادة او مستوصفاً او مصحاً على قدر ما تسمح به الظروف الخ".


وقد علق السيد امين ارسلان على مقال "صديقه الراقي الدكتور المعري بتحبيذ ما جاء فيه كل التحبيذ وبالثناء غاية الثناء على وطنيته والمشروع الجليل الذي يهتم بابرازه الى حيز الوجود لانه مشروع ضروري لحياة الجالية الاسلامية في هذه الديار الخ". وبناء عليه نجد انه لم يعد هناك حتى ولا محاولة لابقاء صبغة واحدة للجالية السورية في الارجنتين وغيرها من الجوالي.


لا ندري ما هو مذهب السيد امين ارسلان الديني. فلا نعلم هل هو باق على الدين الدرزي ام هم مسلم محمدي سني كنسيبه السيد شكيب ارسلان. وقد يكون جرى له في الدين ما جرى له في الوطنية، اي انه قد يكون تجنس بالدين المحمدي مع بقاء اشتغاله في الشؤؤن الدرزية. كما تجنس بالوطنية الارجنتينية مع بقاء اشتغاله بالمسائل "العربية السورية اللبنانية الاسلامية الوطنية القومية العنصرية الدرزية المسيحية الاستقلالية".


ولا ندري من هو الدكتور نديم المعري. وانما ندري ان احد المأجورين للدعاوة الاجنبية بين المسلمين المحمديين قدم مؤخراً من البرازيل بايعاز خصوصي للاشتغال بهذه الدعاوة بين السوريين المحمديين في الجمهورية الارجنتينية. وان مهمته هي بذل المجهود لايقاد نار التعصب الديني التي يمكن الارادة الاجنبية استعمالها عند الضرورة لاغراضها الحربية. وان هذا الشخص اتصل حال وصوله باصحاب الصحف القائمة بهذه الدعاوة من قبل فأخذت تنشر الفصول حول "مشروعه الجليل". ولم تكن جريدة "الاستقلال" الجريدة الوحيدة التي "حبذت" هذا المشروع الفاسد، بل هناك جريدة العمى العربي او "العلم العربي" والفطرة الاسلامية" او الطفرة الاسلامية.


وما هو هذا "المشروع الجليل" الذي يحبذه السيد ارسلان السوري اللبناني العربي الارجنتيني الاسلامي المحمدي الاسلامي الدرزي وتحبذه جريدتا الشقاق الديني العمى العربي والطفرة الاسلامية؟


هو جعل السوريين المحمديين في المهجر كاليهود. فيكون لهم "حارة" خاصة بهم كما لليهود "حارات" خاصة بهم فينعزلون عن ابناء وطنهم غير المحمديين ويعدون انفسهم "شعباً خاصاً" لا يجوز ان يختلط مع "الشعوب الاخرى".


ان مسألة انشاء جامع اسلامي هي مسألة يجب على جميع السوريين من محمديين ومسيحيين ودروز تحبيذها. لأن ابناء شعبنا المحمديين يحتاجون الى مسجد يمارسون فيه فروض دينهم. والزوبعة تقترح ان يناصر هذا المشروع جميع السوريين بدون تمييز ديني. وان من دواعي السرور لجميع السوريين بدون فارق ديني ان ينال كل دين من اديانهم الوسائل اللازمة لاقامة فروضه.


اما المدرسة المحمدية والمستشفى المحمدي وانشاء حي للسكن والتجارة مختص بالمحمديين فهي فتنة، الغرض منها ايجاد التباعد بين ابناء الوطن الواحد والجنس الواحد.


انها فكرة رجعية تحمل وراء مظاهرها الدينية المشبعة هوساً واغراضاً سياسية خفية هي الاغراض الحقبقبة الوحيدة. فقرائن الحال تدل على ان بعض الدول المحاربة قد قررت، لتهييج جماعات كثيرة ضد عدوتها، مباعدة المشتغلين في السياسة باسم الدين بين الجماعات المحمدية لاضرام نار الحزبية الدينية والتغرير بالجماعات المذكورة.


فمسألة انشاء حي محمدي في كل مهجر سوري لا تحمل في باطنخا فكرة دينية، بل فكرة سياسية يستفيد منها بعض المشتغلين في السياسة عن طريق الدين وتستفيد منها بعض الأمم الاجنبية المحاربة في أغراضها القومية. فلو كانت المسألة مسألة دينية بحت لكان الداعي اقتصر على فكلاة انشاء جامع للمحمديين. ولو كان في هذه المسألة غاية وطنية او قومية لكانت الدعوة وحهت الى جميع السوريين بلا فارق (اذ ما يسمى اليوم "يالمستشفى السوري اللبناني" يكاد يكون مؤسسة مارونية خصوصية).


ان مشروع "الحي الاسلامي" هو مشروع نتيجة التفرقة بين ابناء الوطن الواحد وليس لع غرض ديني صحيح. وغرضه الحقيقي استغلال شعور المؤمنين البسطاء لاغراض خفية تكون وبالاً على الأمة السورية وعلى أمم الشرق العربي. وتحبيذ هذا المشروع صادر عن نيات لا تمت الى الوطنية الصحيحة ولا الى القومية الحقيقية بصلة.


وان من الأمور المحزنة ان يصل التلاعب بعواطف المؤمنين الى حد بعيد في الشعوذة والتدجيل. فقد نقل الينا ان دعاة الاجانب من السوريين المحمديين يشيعون بين ابناء الملة المحمدية ان هتلر محمدي وانه يقوم بهذه الحرب الطاحنة ليس لخدمة المانية كما يجاهر بل لخدمة الدين المحمدي. وانه لا يجاهر بغرضه الحقيقي الآن، لأن أمته مسيحية وقد لا توافقه. ولكن بعد انتصاره سيعلن قصده الحقيقي ويفرض المحمدية على جميع الأمم التي يمتد اليها سلطانه!


ولا يبيّن للناس هؤلاء الدعاة "الوطنيون" كيف ستقبل امة هتلر المسيحية ان يفرض هتلر عليها الدين المحمدي بعد انتصاره بسواعدها هي. ولعلهم يقولون ان هتلر سيترك حينئذ امته ويستند الى الحاج امين الحسيني وحزبه او الى السيد شكيب ارسلان ومقالاته فيكتسح بقوة احدهما المانية كلها وجميع اوروبا ثم يحول هذه القوة الهائلة الى اميركة وآسيا فلا تمضي سنوات معدودة حتى نرى هتلر خليفة محمد والدين المحمدي يعم العالم!


لا قصد من هذه العجالة للتدخل في مسائل المتحاربين ولكن قصدها هو داخلي بحت يتلخص في وجوب التقارب والتفاهم والتوحيد بين جميع السوريين لاسعاد امتهم وترقية وطنهم والشقاق الديني والتفرقة والتباعد تشقي الأمة وتخرب الوطن.


وهذه كلمة لقوم يعقلون. واما الذين لا يعقلون فلا كلمة لهم.



"الزوبعة" العدد 36 في 15 يناير 1942


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018