إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

الصراع الفكري في الأدب السوري : طريق الفكر السوري ج. 6 (2)

انطون سعادة

نسخة للطباعة 1942-11-16

إقرأ ايضاً


"القتال بين معط وعلين"

"على لوح آخر من الواح رأس شمرا مدون وصف للقتال بين"معط" الرامز إلى الطبيعة المثمرة و"علين" الذي يملك على الغيث والريح.

"قتل معط علين فصار الناس يشكون إلى الآلهة. فقد جفت الأرض بسبب قتله وأمست السباع تطوف بالمدن. فتنهض الالاهة أناة (أو عناة)، أخت اله الغيث المقتول، لمناقشة معط الحساب على ما جنت يداه، فينكر هذا فعلته ويعد بتحويل الصحارى إلى مروج خضراء (بالنيابة عن علين). ولكنه يخفق وتذهب سدى جميع التقدمات التي تقدمها إليه البشرية رجاء أن يعطيها الغيث.

"حينئذ ينفذ صبر أناة فتأخذ منجلا وتضرب به معطيا فتقتله. ثم تحرق جثته. وقد تأكل بعضها، وتذري البقية في الحقول. وهكذا يتحول معط إلى الإنتاج أو الحصاد الذي يسقط تحت المنجل ليعطي الخبز للإنسانية.

"بعد انتقام أناة يبعث علين ويعود المطر إلى السقوط".

"يدخل في هذه الحكاية أشخاص آلهة آخرون. ولكن منهم رسالة يؤديها اله الحكمة الذي يذكر الناس بالصبر ويدعوهم إلى التسليم للقدر. وادون، أدونيس الفينيقيين (الكلاسكيين، الذي يملأ نفوسهم بالجذل والحماسة للجمال والحب. ثم الالاهة أماة، خادمة أشرة القوية، أو الالاهة، التي تري الناس كيف يصنعون الآجر من الطين لبناء بيوتهم.

"وبعل نفسه (رمز الشباب) يعقد عزيمته ويقدم على قتال الأفعى ذات السبعة رؤوس، التي كان البشر يخافونها خوفا شديدا. اسم هذه الأفعى في نص مؤلف رأس شمرا"لتن". وفي اشعيا 1:27 والمزامير 14:73 من التوراة نرى الحية تحمل الاسم عينه "لتن" بتحوير قليل في اللفظ "لويتان" أو التنين (اشعيا: في ذلك اليوم يفتقد الرب بسيفه القاسي العظيم الشديد لويتان الحية المقومة ولويتان الحية الملتوية ويقتل التنين الذي في البحر. المزامير: أنت رضضت رؤوس لويتان، جعلته مأكلا لزمر القفار) هنا نلمس أنباء ذات خطورة مهيجة وثوروية.

"جميعنا نتذكر دانيال، الذي كان، مع نوح وأيوب، من اتقى أهل زمانه. دانيال يظهر في أحد نصوص رأس شمرا باسم دين - ايل، الذي يجب أن يترجم: دين أو دينونة الله".

هناك حقائق أخرى غاية في الخطورة وردت في مقالة مكتشف آثار رأس شمرا ولكنها ذات علاقة قليلة بموضوع هذا البحث فلا أعرض لها الآن. أما ترجمته آنفا من مقالة المكتشف واختص بالناحية الأدبية فهو شيء يحرك أعماق نفس كل سوري وكل إنسان محب للفلسفة والفن.

إنها صورة مختصرة، ناقصة، سقيمة هذه الصورة التي يقدمها لنا كلود ف.أ. شيفر في مقالة إخبارية، مقتضبة، جامدة لا روح فيها ولا فن. وهي مع ذلك، تشتمل على ملامح شخصية نفسية أصيلة ذات سناء وبهاء. وقضاياها تبدو وضاءة، غضة، كأنها أنشئت أمس أو اليوم. فترى فيها التصور السوري قد عرض لقضايا الحياة بأسبابها وأشكالها، فتناول الشيخوخة والشباب والأبوة والنبوة والحب والبغض والحكمة والإقدام والعدل والظلم والطموح والقناعة. ترى الشباب فيها غير نابض بثورة الشهوات والحب البيولوجي، بل تراه في مطامح السؤدد وفي محاربة لويتان أو تنين الرذائل الذي كان ولا يزال يخيف النوع الإنساني. وترى اله الحكمة يعظ بالتسليم للقضاء والقدر ولكن دوره جزء من أدوار غيره وهو ليس أقواها ولعله أضعفها.

ولا ننسى ملحمة جلجامش البابلية المختومة بقصة الطوفان الرائعة، المكتشفة في مكتبة الملك الآشوري العظيم اشور باني بال، التي نقلها اليهود برمتها الى توراتهم، مع بعض تغيير سطحي في بعض جوادثها الجزئية البسيطة.

كم مجد المؤرخون والدارسون اليونان من اجل عظمة اساطيرهم التي يعود معظمها او أهمها الى سورية. فحكاية انتقام اناة من معط بالمنجل وذر بقاياه في الحقول لينبت الزرع ويسقط تحت المندل، وأساطير كثيرة غيرها منقولة بحذافيرها تقريبا إلى الأساطير الأغريكية، والعالم يعيرنا بأننا نحن الذين نقلنا عن الأغريك. والعالم مديون لنا بفلسفات جليلة ويقول أننا جميعا مدينون لليونان فقط.

متى أخذ الأدباء السوريون، الموهوبون، المدركون سمو النظرة السورية القومية الاجتماعية إلى الحياة والكون والفن، يطلعون على هذه الكنوز الروحية الثمينة، ازدادوا يقينا بحقيقة نظرتهم وعظمة أسبابها وبقوة الموحيات الفلسفية والفنية الأصلية في طبيعة أمتهم، التي يؤهلهم فهمها لإنشاء أدب فخم، جميل، خالد.

في مثل هذا الأدب، الخارج من صميم حياتنا السورية، المؤسس على النظرة الجديدة الأصلية إلى الحياة والكون والفن، نجد التجديد النفسي والأدبي والفني الذي نشتاق نحن إليه بكل جوارحنا.

إلى مقام الآلهة السورية بجب على الأدباء الواعين أن يحجوا ويسيحوا فيعودوا من سياحاتهم، حاملين إلينا أدبا يجعلنا نكتشف حقيقتنا النفسية ضمن قضايا الحياة الكبرى التي تناولها تفكيرنا من قبل أساطيرنا، التي لها منزلة في الفكر والشعور الإنسانيين تسمو على كل ما عرف ويعرف من قضايا الفكر والشعور.

الآن أخاطب، أنا، جميع شعراء سورية قائلا:

تعالوا نرفع لهذه الأمة التي تتخبط في الظلمات مشعالا فيه نور حقيقتنا وأمل إرادتنا وصحة حياتنا. تعالوا نشيد لأمتنا قصورا من الحب والحكمة والجمال والأمل بمواد تاريخ أمتنا السورية ومواهبها وفلسفات أساطيرها وتعاليمها المتناولة قضايا الحياة الإنسانية الكبرى. تعالوا نأخذ بنظرة إلى الحياة والكون والفن نقدر، على ضوئها، أن نبعث حقيقتنا الجميلة العظيمة من مرقدها- حقيقتنا التي لا ترى الحب خدودا ونهودا وقدودا دونها القتاد والقض، ولا ترى الشباب أفواها ملصقة بأفواه وشررا محتدما في المقل وثغورا لاهبة تضطرم فيها شعلات القبل، بل ترى الحب نفوسا جميلة في مطالب عليا عظيمة تحمل النفوس في سبيلها المشقات الهائلة التي يذللها اتحاد النفوس في وحدة الشعور والمطلب - الحب الذي إذا قرب فما إلى فم سكب نفسا في نفس، وكل واحدة تقول للأخرى: إني معك في النصر والاستشهاد من أجل ما تأبه نفسنا إلاه، ولا تستعظمان أمرا ولا تضحية يكون بهما بلوغه والاحتفاظ به. وترى الشباب، كما تمثله الأساطير السورية في شخص بعل، قوة عظيمة غرضها قتل لويتان الرذائل والخسائس والقبائح. وبهذا المعنى الجميل الراسخ في أصول الحياة السورية وتقاليدها، يجب أن نفهم قول الشاعر السوري الخالد، المعري:

إن الشبيبة نار، إن أردت بها *** أمرا فبادره، إن الدهر مطفئها

تعالوا نأخذ بنظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، وبفهم جديد للوجود وقضاياه، نجد فيهما حقيقة نفسيتنا ومطامحنا ومثلنا العليا. تعالوا إلى الحرية والواجب والنظام والقوة، ليس لأنها شعار حزب سياسي اجتماعي، بل لأنها رمز فكرنا وشعورنا في الحياة ولذلك صارت شعار حركة البعث القومي، التي وضعنا فيها كل رجائنا وكل قوتنا وكل إرادتنا.

تعالوا نقيم أدبا صحيحا له أصول حقيقية في نفوسنا وفي تاريخنا. تعالوا نفهم أنفسنا وتاريخنا على ضوء نظرتنا الأصلية إلى الحياة والكون والفن. بهذه الطريقة نوجد أدبا حيا جديرا بتقدير العالم وبالخلود.

"الزوبعة"، العدد 56، في 16 نوفمبر 1942.


 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2018