إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

نينوى... مركز الصراع الجديد!

سومر صالح - البناء

نسخة للطباعة 2015-12-30

الارشيف

تغيّرات دراماتيكية سياسية وعسكرية يعيشها الشرق الأوسط، ظاهرها فوضى جيو استراتيجية عارمة وتجاذبات إقليمية ودولية شديدة التنافر، لكنها تخفي في جوهرها صراع تكتيكات جيوبوليتيكية فائقة الذكاء والتنظيم على استراتيجيات دولية وإقليمية، يبدو أنها راسخة لدى أصحابها رغم مرور أكثر من خمس سنوات من الحرب والدمار عبثت بالجغرافيا السياسية والديموغرافية في الشرق الأوسط وحوّلت جغرافيته الطبيعية إلى أكبر حاضن ومولد للإرهاب بشقيه «المهاجر والأصيل».

فعلى وقع ثابتين سياسيين ظهرا جلياً بعد 25/11/2015 أي بعد حادث إسقاط الطائرة الروسية في سماء سورية، بدأت مرحلة جديدة في منطقة الشرق الأوسط بالظهور، فالثابت الأول هو انتهاء الأزمة السورية استراتيجياً بسقوط المشروع الخليجي الأطلسي في سورية، لسببين: أولهما تكريس الوجود الروسي في حوض شرق المتوسط بشكل نهائي، منهياً بذلك مرحلة التجاذبات النهائية في حلّ الأزمة السورية بين روسيا والولايات المتحدة، بعدما أُنجزت معالم الحلّ بتفاهم روسي أطلسي في أعقاب توقيع اتفاقيات مينسك للحلّ في أوكرانيا، وتكرّست بأطر فيينا الأول والثاني للحلّ في سورية.

وضعت القيادة الروسية خيارين لا ثالث لهما إما إنجاز التسوية كما اتفق عليها ولو بخطوطها العريضة بين روسيا والولايات المتحدة، أو الحسم العسكري الروسي وفق المفهوم الذي يختاره بوتين تاركاً كلّ الخيارات مفتوحة. هنا أدركت تركيا فداحة خطوتها بتهور قيادتها السياسية، وقبل الانتقال إلى التكتيك الذي اتبعه حلف واشنطن لإنقاذ استراتجياته في الشرق الأوسط، ننتقل إلى الثابت الثاني الطارئ وهو إدراك السعودية حتمية خسارتها العسكرية في سورية وأنّ الموازيين السياسية الدولية والإقليمية لا تؤشر إلى مكاسب سياسية سعودية في سورية، فقرّرت على عجل إيقاف العمليات العسكرية موقتاً في اليمن وإطلاق مسار سياسيّ لحلّ الأزمة اليمنية مواز لمسار الأزمة السورية تستطيع مقايضة روسيا وإيران به في مقابل تسوية الأزمة السورية سياسياً، في مسعى لتلميع هزيمتها العسكرية في سورية وإخفاق حملتها في اليمن، وكما قلنا إنّ جوهر الاستراتيجيات الإقليمية والدولية لم يتغيّر، خصوصاً الاستراتيجية الأطلسية والخليجية، وأنّ الصراع ما زال في أشدّ مراحله بين المحورين الأوراسي والأطلسي، رغم حدوث تغيرات جيوبوليتيكية مهمّة متمثلة بالوجود العسكري الروسي شرق المتوسط، لكنّ ذلك لم يردع القوى الإقليمية والدولية إلى تغيير جوهر استراتيجيتها في الشرق الأوسط، بل زادها عناداً على تطويق ذلك الإنجاز الروسي ـ السوري وتجميد مفاعيله إن أمكن، ولو استعرضنا تكثيف جوهر الاستراتيجية الأوروخليجية في المنطقة لوجدنا أنّ الفصل الجغرافي بين إيران وسورية أصبح قاسماً مشتركاً بين الحلف الأطلسي والخليج وتركيا، لمنع استكمال الطوق الأوراسي حول تركيا خصوصاً وأوروبا عموماً، ولا سيما بعد تثبيت روسيا أساطيلها في المتوسط، هذا إذا ما أضفنا إليه محاولة منع وصول الصين براً إلى شرق المتوسط من جهة ولاعتبارات تتعلق بهواجس الخليج بما يسمونه النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط من جهة أخرى.

الأمر الثاني هو ضمان وصول إمدادات الطاقة الخليجية إلى أوروبا بأي ثمن، وهذين الأمرين هما جوهر الحرب على سورية منذ عام 2011، لذلك تقرر إقليمياً ودولياً تغيير تكتيك الصراع في الشرق الأوسط لتحقيق ذات الأهداف والاستراتيجيات، في مقابل ذلك كان لدينا أيضاً حدثان مهمان أيضاً ظاهرهما منفصل ولكنّ الأمر قد لا يبدو كذلك، وهما دخول القوات التركية إلى معسكر بعشيقة في الموصل عاصمة محافظة نينوى بتاريخ 4/12/2015، وتشكيل مفاجئ لتحالف إسلامي لمحاربة الإرهاب قوامه مبدئياً 34 دولة بتاريخ 15/12/2014، ولكن رغم تحفظي الشخصي واعتراضي على المصطلح والكلمة إلا أنه يخفي توجهاً مذهبياً في تشكيله، فإعلان التأسيس جاء بعد دعوة عضوي مجلس الشيوخ الأميركي جون ماكين وليندسي غراهام، إلى تشكيل قوة من مئة ألف جندي أجنبي، معظمهم من دول المنطقة السنية، إضافة إلى جنود أميركيين ، لقتال «داعش» في سورية، وتشير التجاذبات السياسية بين حكومتي أربيل المحلية وحكومة بغداد المركزية ودخول القوات التركية الموصل، إضافة إلى وجود حراك سياسي معارض ومشبوه في نينوى مع تشكيل ميليشيات «الحشد الوطني» توحي بأنّ نينوى هي محطّ أنظار الإقليم والأطلسي لتنفيذ أجندات خاصة بهما ضمن التكتيك الجديد الذي أوردناه، والسؤال المهم المطروح: لماذا اختيرت نينوى لتحقيق الاستراتيجية الأطلسية في الشرق الأوسط، والجواب يكمن جزئياً في ثلاثة عوامل مهمة:

العامل الأول استعداد تركيا اللامحدود لتنفيذ هذا الخيار، لاعتبارات ثلاثة مهمّة، أولها إنهاء أي حلم بربط الإدارات الذاتية الكانتونات الكردية في سورية مع كردستان العراق، ثانياً ضمان تدفق الغاز والنفط الكرديين، مع التحفظ، إلى تركيا ولا سيما بعد توتر العلاقات بين أنقرة وموسكو. الثالث، إجهاض محاولة موسكو تطويق تركيا أوراسياً وجيوبوليتيكياً.

أما العامل الثاني، فهو إحياء المشروع الأميركي لإيجاد «الدولة الفاصلة» بين إيران وسورية لأنّ ضمان السيطرة على نينوى أطلسياً يعني حكماً انضمام الأنبار إليها سياسياً وعسكرياً نظراً لتقارب المكون الديموغرافي العشائري والسياسي المناطقي.

العامل الثالث، أنّ ميليشات «الحشد الوطني» بقيادة أثيل النجيفي، ولاؤها أميركي، وهو ما أكدته الولايات المتحدة ذاتها، والمؤشرات على جدية التحرك التركي تبرز في زيارة نائب الرئيس العراقي السابق طارق الهاشمي إلى نينوى بغطاء تركي لاستنفار القوى العشائرية التي تدعمه، وفي خضم هذه المقاربات النظرية والتحركات الفعلية على الأرض برز تحرك الرياض المبهم لتشكيل قوة إسلامية لمكافحة الإرهاب وللأسف استثنيت منه عمداً إيران وسورية والعراق وعُمان وكأنّ في الأمر تنفيذاً لنصيحة ماكين وغراهام.

فهل يتقاطع الحدثان التركي والسعودي، طبعاً كان لافتاً كلام المتحدث العسكري السعودي أحمد العسيري بأنّ التحالف لا يقتضي تشكيل جيش موحد إنما تنسيق عسكري واستخباراتي، هنا يمكن وضع سيناريوين مطروحين بمعنى أن تقوم السعودية فعلياً بتشكيل قوة إسلامية مشتركة تدخل نينوى بغطاء أميركي لمكافحة الإرهاب بالتزامن مع إرسال 4500 جندي إيطالي و3500 جندي أميركي مع زيادة أعداد الجنود الأتراك بداعي مواجهة خطر «داعش»، والسيناريو الثاني هو التنسيق «قوات التحالف، على حدّ تعبير العسيري، بمعنى أن تدخل السعودية الأنبار بالتزامن مع الدخول التركي نينوى بذريعة محاربة «داعش» بعد تزايد العمليات «الداعشية» على الحدود العراقية السعودية، هنا لن أتبنى ولن أرفض، ولكنّ السيناريوين إذا ما تحقق أحدهما سيفضيان إلى النتيجة ذاتها وهي دخول المشروع السعودي بفصل العمق الجغرافي لمحور طهران دمشق دخل مرحلة التنفيذ الفعلي، وأنّ إمدادات الغاز والنفط الخليجيتين سيتجهان إلى أوروبا وبالعكس خطوط «أنابيب السلام للمياه» قد تبصر النور، وهنا نشير إلى أنّ زيارة الهاشمي إلى نينوى هي إشارة سعودية لتحرك ما في العراق، فالجميع يدرك عمق العلاقات بين الجانبين.

بالنتيجة، مركز الثقل في أزمات الشرق الأوسط بدأ بالانزياح فعلياً شرقاً نحو العراق، وأن مرحلة جديدة من الصراع الإقليمي بين السعودية وإيران قد بدأت وعلى ما يبدو فإنّ حرارتها ستكون أكثر ارتفاعاً من سورية نظراً إلى التماس المباشر بين الطرفين على الأرض العراقية وكالة وأصالةً، وأنّ مرحلة من الصراع الدولي على أنابيب الطاقة انطلاقاً من الأرض العراقية قد بدأت فعلياً، وهذا يعني عودة القوات الأميركية إلى العراق مجدّداً بذرائع مختلفة.

طبعاً الموقف الإيراني ما زال حذراً من مجمل تلك التطورات في الأراضي العراقية، ولكنّ المؤكد أنّ لكلّ فعل ردّ فعل يساويه في المقدار والشدة ومعاكسه في الاتجاه، وفي السياسة قد تختلف الساحات وميادين الردّ، بانتظار تحولات ميادين السياسية والحرب والقادم من المعطيات لاستيضاح المواقف والسياسيات.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017