إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

مناورة سياسية روسية إيرانية في سورية؟

سومر صالح - البناء

نسخة للطباعة 2016-06-22

الارشيف

هدوء روسيّ حذر في سورية وخطوات سياسية وميدانية محسوبة بعناية وتركيز قد يكون مبالغاً فيه، وفي المقابل حذر أميركي صاخب، لما رافقه من ضجيج إعلامي أجوف، مع التأني في مسألة الإفصاح عن حقيقة التواجد الأميركي الميداني في سورية ونواياه الحقيقة ومستقبله. وضعية جعلت من الحذر سيّد الموقف الراهن في سورية، هذا الحذر لقطبي الصراع في سورية انعكس على الحلفاء الإقليميين خوفاً من المجهول الآتي، عززه عدم إفصاح قطبي الصراع لحلفائهم الإقليميين عن حقيقة التفاهمات القائمة وأطر الصراع المسموح بها أو الممكن بلوغها.

وتبدو حساسية إيران السياسية والإستراتيجية أعلى من نظرائها وخصومها الإقليميين، فتسارع لدعوة حليفيها السوري والروسي لاجتماع عسكري رسائله السياسية أكثر منها عسكرية، وترسل إشارات سياسية لخصمها السعودي لتخفيف التوتر في المنطقة بتغييرات سياسية أجرتها على مستوى شخصيات الخارجية الإيرانية، وبذات التوقيت تفاوض الأميركي مداورة على عقود بمليارات الدولارات لتجديد أسطولها الجوي، ألا يعكس هذا خوفاً من الانزلاق إلى مستنقع الاستقطاب الحادّ المأزوم إقليمياً، ومن جهة مقابلة حكومة أردوغان الجديدة وفي زمن قياسي ذي دلالة تسعى وتطمح إلى عودة العلاقات الإقليمية والدولية إلى سابق عهدها، وتشير إلى أنّ الحرب السورية عبثية، وأن لا عداوة حقيقة مع موسكو، أليس في ذلك خوف على أمنها القومي من سياسات حليفها الأميركي؟ حتى الأميركي ذاته خائفٌ من سياسات روسيا الميدانية والعسكرية في سورية، وقد يكون السبب تخوفاً من محاولة روسية لجر الأميركي إلى مستنقع الأزمة السورية، حيث لا إمكانية أميركية لحسم الحرب لصالحها، وبنفس المنطق أيضاً تبدو خطوات روسيا الحذرة تعكس قلقاً روسياً من مشروع الولايات المتحدة في شمال سورية والعراق والمتزامن مع إرهاصات جدّية لتقسيم العراق، قلقٌ دفع بموسكو إلى تأجيل ساعة الصفر لتنفيذ تفاهمات فيينا الثالثة مراتٍ متكرّرة واستعانت مؤقتاً بنظام التهدئة لكسب مزيد من الوقت لفهمٍ أكثر عمقاً إلى أين تسير الإستراتيجية الأميركية فعلياً، دون أن نغفل أو نتجاهل فرضية استجرار الأميركي إلى مستنقع تبدو فيه روسيا أكثر قوةً ميدانية وتفاوضية.

ومع هذا الموقف الحذر والقلق لجميع الأطراف المتصارعة في الأرض السورية بدا لافتاً وجود نشاطٍ سياسيّ منفصل، وعسكريّ مشترك لروسيا وإيران بُعيد القرار الأميركي فتح معركة الرقة ولاحقاً تحويلها إلى مدينة منبج، قد يكون هدفه احتواء المفاعيل والتداعيات السياسية والميدانية لقرار إدارة أوباما «النزول إلى ميدان الحرب السورية مباشرة»، بدايةً من تأجيل الموعد المفترض لتنفيذ الضربات الروسية ضدّ «جبهة النصرة» وحلفائها 25/5/2016 ، ودعوة الخارجية الروسية إلى تنسيق معركة الرقة مع الأميركي 6/6/2016 ، وصولاً إلى كلام الرئيس بوتين في منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي 17/6/2016 حول «موافقته على الاقتراح الأمريكي لإشراك ممثلي المعارضة السورية في حكومة الرئيس بشار الأسد»، لتتوّج الأحداث المتسارعة بتفاهم مقبول حول «تحسين التنسيق الجوي» في سورية في ظرف عصيب للطرفين 19/6/2016 ، وبدورها إيران أيضاً أجرت مراجعة سياسية بوصلتها الأزمة السورية وقامت بإقصاء حسين أمير عبد اللهيان الذي يمثل تيار المحافظين والمرشد الأعلى للثورة الإيرانية علي خامنئي في الخارجية الإيرانية، لتفعيل الحوار الإيراني السعودي باعتباره رغبة سعودية وبدقة أكثر مطلباً سعودياً، ومدّت اليد الاقتصادية إلى إدارة أوباما بشكل غير مباشر برغبتها بتجديد طائراتها البوينغ بعقود قد تصل إلى 25 مليار دولار .

إذاً في الخطوات الروسية الإيرانية أبواب مفتوحة ويد ممدودة لإيجاد مخرج مناسب لجميع الأطراف من الأزمة السورية وتجنّب الصدام المباشر، توّجت بكلام الرئيس بوتين عن «هيئة قيادة يثق بها جميع السكان» تكون مخرجاً لسيناريو الكارثة وهو تفكك البلاد الذي يهدّد الاستقرار الدولي حسب تصريحات القادة الروس، والذي جعل من مواجهته خياراً روسياً لا بدّ منه في سورية، في إشارة واضحة إلى نوايا واشنطن لتقسيم سورية وأقله فرض كانتونٍ كرديّ يصل البحر المتوسط بكردستان العراق، يعجّل من تقسيم العراق أولاً، وإذا ما انهارت حدود دولة شرق أوسطية على أسس أثنية ستجد لها صدىً قوياً في «القوقاز الروسية». وأمام هذا السيناريو الاسوأ على حدّ تعبير الرئيس بوتين، بادرت روسيا وإيران بسياسة اليد الممدودة لحلّ الأزمة السورية على قاعدة وضع دستور جديد وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية تحت إشراف الأمم المتحدة واجتمع لأجل ذلك الرئيس بوتين مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ومبعوثه الخاص إلى سورية دي ميستورا في روسيا 16/6/2016 لمناقشة الأمر وفق رؤية «هيئة قيادة» لمحاكاة «هيئة الحكم الانتقالية»، وبدورها إيران وعلى لسان وزير خارجيتها محمد جواد ظريف قالت «لا يمكن الوصول إلى حلّ سياسي في سورية ما دام هناك تركيز على شخص بعينه»، قد يكون هذا العرض الإيراني هو لزيادة الإغراءات السياسية للدخول بمحادثات دولية جدّية واستكمالاً لمبادرة بوتين الأخيرة، لتكتمل معه دائرة الحلّ السياسي على مبدأ وحدة الأراضي السورية أولاً، لتصبح الكرة الآن في ملعب إدارة أوباما، ولكن، وفي مقابل ذلك اتفق المحور الروسي السوري الإيراني مع حزب الله على ضرورة الاستعداد الميداني لاحتمال فشل مبادرة بوتين السياسية، والتي يعني فشلها، أنّ إدارة أوباما ماضية في مشروع تقسيم سورية وأنّ الآتي ميدانياً صعب ومعقد مع إمكانية تدحرج كرة التدخل الأميركي و»الناتوي» في سورية ضمن مسارات محفوفة بالمخاطر، فكان الاجتماع الثلاثي بين وزراء دفاع الدول الثلاث روسيا وإيران وسورية لتنسيق معركتي ريفي الرقة وحلب، ومناقشة جميع مسارات التدخل الأميركي في سورية، وتبعته زيارة لوزير الدفاع الروسي إلى سورية لتحمل في أحد وجوهها خيار الاستعداد للمواجهة ومن بوابة مطار حميميم الذي تشغله القوة الجوية الروسية العاملة في سورية، وفي ردّ مباشر على أوهام أميركية مستجدة بغزو سورية، لتنطلق بعدها جملة من التصريحات الروسية بأنّ عقود تسليح الجيش السوري ماضية على وتيرة متصاعدة ضمن التزامات متفق عليها سابقاً، مع تأكيد الرئيس بوتين ذاته على خيار مواجهة المشروع الأميركي بتفكيك سورية، تأكيد كان قد أشار إليه الرئيس الأسد في خطابه الأخير أمام مجلس الشعب السوري الجديد 7/6/2016 ، بأن «لا خيار أمامنا سوى الانتصار»، وأنّ معركة حلب هي الفيصل لكلّ مخططات الشّر التي تتربّص بسورية…

إذاً تسود المشهد الراهن للأزمة السورية صورة بوجهين، الوجه الأول هو مبادرة الرئيس بوتين الأخيرة للحلّ السياسي على هامش منتدى بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، والتي لاقت دعماً من الخارجية الإيرانية، وفي الوجه الآخر اجتماع لجنرالات وزارات الدفاع السورية الإيرانية الروسية، الذي يشير بوضوح وحسم إلى حجم الاستعداد الكبير لمعركة تبدو كغير سابقاتها في مشهد الحرب السورية، فالمحور على ما يبدو حسم أمره بلا رجعة إما الحرب الضروس لضمان وحدة سورية بما فيها من تحقيق المناعة القومية لكلّ دول المحور، أو الحلّ السياسي المتوازن على قاعدة توازن المصالح في الشرق الأوسط، والفيصل في ترجيح أحد الوجهين هو مسار المشروع الأميركي ما بعد معركة منبج التي بات حسمها مسألة وقت لا أكثر، والذي من الممكن الاستفادة منه أميركياً في جولات جنيف السياسية بتعزيز الثقل الميداني لأدواتها إذا ما قرّرت رفع الفيتو عن المشاركة الكردية في جنيف وإعادة هيكلة وفد المعارضات السورية، وخلاف ذلك فأيّ محاولة أميركية للاقتراب من مدينتي الباب أو مارع، يعني مضياً أميركياً بمشروع تفكيك سورية، وهو ما سيواجهه المحور الروسي السوري الإيراني، سياسياً وميدانياً وعلى أكثر من جبهة ومحور وبكلّ قوة متاحة… بدأت ملامح قساوته ترتسم في معارك ريف حلب الجنوبي.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017