إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

طلاق وشيك لتفاهمات فيينا في «جنيف 3»

سومر صالح - البناء

نسخة للطباعة 2016-01-28

الارشيف

مع اقتراب الموعد المفترض لانعقاد جلسات «جنيف 3» السوري، وفق مخرجات القرار 2254 وتوافقات فيينا للحلّ السوري، وتفاهمات أخرى أميركية – روسية مؤرّخة بتاريخ 15/12/2015، بدأت السعودية حملة شرسة لإجهاض مخرجات ما سبق، سواء بإطلاق النار على مبدأ الحلّ تارة، عبر سياساتها التصعيدية ضدّ موسكو وطهران بشكل مباشر، أو عبر أدواتها في المعارضة السورية بشكل غير مباشر، وتارة أخرى ترفع من سقوفها التفاوضية عبر ذات الأدوات بشكل استفزازي متعمّد، لذلك نستطيع القول إنّ مؤتمر «جنيف 3» يواجه خيارين لا ثالث لهما، إما الإسقاط أو السقوط، وفي كلا الحالتين يبدو ظاهرياً أنّ الرياض هي السبب سواء بإدراج فصيل إرهابي هو «جيش الإسلام» في المفاوضات، أم بمطالبتها بخروج روسيا عسكرياً من سورية، ورفع حدّة الاستقطاب مذهبياً ضدّ إيران وحزب الله في المنطقة… وغيرها من الاستفزازات السعودية اللاعقلانية، ولكن هنا سنتوقف قليلاً عند حقيقة الموقف السعودي وفعاليته وجدواه، فلو عدنا إلى أطر فيينا للحلّ والمؤرّخة بتاريخ 30/10/2015 و14/11/2015، نجد أنها في الجوهر اتفاق أميركي- روسي جرى بحضور المجموعة الدولية للعمل حول سورية، وعلى هذا الأساس وضمن تفاهمات 15/12/2015 صدر القرار 2254، وأخذت الدول على عاتقها فرض وقف إطلاق النار وإطلاق العملية السياسية في سورية، وفق إعلان «فيينا 2» والنص الختامي يؤكد ذلك «أنّ المجموعة الدولية تعهّدت كدول منفردة وداعمة لمختلف الأطراف المتحاربة في سورية على اتخاذ جميع الخطوات الممكنة بغية الالتزام بوقف إطلاق النار من قبل الجماعات أو الأفراد التي تدعمها»…

إذاً الخروج السعودي عن أطر فيينا للحلّ من المفترض ألا يوقف مسار «جنيف 3» بل من المفترض معاقبة السعودية على أعمالها وسياساتها، ولكن ما نجده هو العكس، دعم فرنسي وتركي ومتعدّد الأطراف لخطوات السعودية في محاولاتها لإجهاض «جنيف 3»، وصمت أميركي مشكوك فيه، لذلك نحن أمام خيارين إما أنّ السعودية بلغت من القوة والنفوذ ما مكّنها من مجابهة الإجماع الدولي في فيينا وفق مصالحها وأجنداتها المنفردة، والخيار الثاني هو أنّ الولايات المتحدة دفعت بها إلى إجهاض «جنيف 3» لتحقيق أجندات أميركية تتقاطع مع مصالح السعودية، وطبعاً الخيار الأول مستبعد لأنه في مواجهة روسيا والدرس الروسي لتركيا ما زال حاضراً، ولو كان الأمر محض إقليميّ لقبلنا به شكلاً، إذاً الأمر واضح الولايات المتحدة هي من تريد عرقلة «جنيف 3» السوري، وأنا أقول عرقلة ولا أقول إجهاض «جنيف 3» مبدئياً كما هي الرغبة السعودية والفرنسية.

كما هو معلوم الأزمة السورية هي ساحة الاشتباك الدولي الأبرز، وبالتالي أيّ تغيّر في قواعد الصراع الدولي وشكله من الطبيعي أن ينعكس على الأزمة السورية سياسياً وعسكرياً، وهو ما جرى مؤخراً في محاولة عرقلة «جنيف 3»، فعلى وقع صدمات ثلاث تلت 18/12/2015 أيّ تاريخ صدور القرار الدولي 2254، حاولت الولايات المتحدة عرقلة كلّ التفاهمات مع روسيا وعلى جميع الصعد والأزمات، بانتظار اتخاذ قرار أميركي حاسم بشأنها، سواء في سورية أو أوكرانيا أو قضية الدرع الصاروخية والدرع المضادة الخ… وأولى الصدمات هي إجراء محتمل لاختبار القنبلة الهيدروجينية الكورية الشمالية والتسلح الباليستي النووي، والذي يعني إجهاضاً مسبّقاً لمسار الإستراتيجية الأميركية بخروجها الآمن من الشرق الأوسط باتجاه الشرق الأسيوي، وتعزّزت تلك الصدمة باتجاه حليف كوريا الشمالية الأهمّ والمنافس اللدود للولايات المتحدة وهي الصين إلى اختراق قلاع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لا سيما السعودية ومصر والأردن، الأمر الذي أربك كلّ الحسابات الأميركية استراتيجياً وجيو اقتصادياً في العالم.

أما الصدمة الثانية فهي ثبات الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط على عكس المتوقع أميركياً بعد إنجاز التسوية بشأن برنامجها النووي، والتي ازدادت تصلباً سياسياً وعسكرياً في الشرق الأوسط عبر برنامجها الباليستي وتأكيد قوتها العسكرية باحتجاز البحارة الأميركيين في رسالة إثبات النفوذ في الخليج، إضافة إلى موقفها في العراق وموقفها من العدو الصهيوني، الأمر الذي استدعى مراجعة أميركية لموقفها من إيران.

والصدمة الثالثة وهي بعكس الصدمتين الأولى والثانية هي إيجابية في مضمونها أميركياً وتمثلت بانخفاض حادّ في أسعار النفط واشتعال حرب نفطية بين السعودية من جهة وإيران وروسيا من جهة ثانية، أنعشت الاقتصاد الأميركي ومن المحتمل على المدى المتوسط أن تربك الحسابات الروسية في مختلف مناطق الصراع الدولي، الأمر الذي استدعى أيضاً عرقلة أميركية لكلّ التفاهمات المبرمة مع روسيا بانتظار النتائج المحتملة التي ستسفر عنها حرب أسعار الطاقة.

وعلى وقع الجموح السعودي لإثبات القوة ورسم النفوذ وخصوصاً ضدّ إيران وروسيا، وعلى وقع الامتعاض الفرنسي من السياسية الأميركية في الشرق الأوسط، كان للولايات المتحدة ما تريد، من عرقلة تفاهمات فيينا للحلّ وإجهاض مسبق لـ»جنيف 3»، بانتظار تبلور رؤية أميركية جديدة تراعي الصدمات الثلاث السابقة الذكر، أو تعيد حساباتها تلك وفق المعطيات الجديدة بما يعظم ناتج الصراع الكلي لمصلحتها، مع تجنّب الخسارة الاستراتيجية المحتملة بخسارتها في الشرق الآسيوي… مع فقدانها الزعامة في الشرق الأوسط، لذلك كان القرار الأميركي هو التريّث على المستوى الدولي والعرقلة على مستويات الحلّ الإقليمي مبدئياً…

هذا الأمر له خلاصة واحدة على مستوى الأزمة السورية ضمن سيناريوين، الأول هو انعقاد مؤتمر «جنيف 3» شكلاً، وتدل مؤشراته على فشله نتيجة، نظراً إلى حجم العراقيل والألغام المزروعة في مساره التي ولو تمّ تجاوز بعض النقاط العالقة، ومنها مسألة التمثيل المعارض المتعدّد الاتجاهات في الوفد أو مسألة إدراج ميليشيا «جيش الإسلام» ضمن الوفد وغيرها… وهنا أفترض ضغطاً أميركياً على السعودية لإتمام الأمر، وهو ما حدث في زيارة كيري إلى الرياض مؤخراً، ولكن الشك في ظلّ هذه المناخات التصعيدية سواء من السعودية أو أدواتها المعارضة في الداخل السوري، واستماتة اردوغان بدعمه العسكري لميليشيات الإرهاب في سورية وحدّة الانقسامات بين «مجلس سورية الديمقراطية» و»هيئة التنسيق» من جهة مع «هيئة الرياض» من جهة أخرى… لا تدع مجالاً للشك باحتمال الفشل.

أما السيناريو الثاني فهو انعقاد مؤتمر «جنيف 3» ولكن عدم اكتمال عقد الجلسات وتأجيل موعد اللقاءات المباشرة بين الوفود الحاضرة، بانتظار نضوج مناخات الحل، وبالتالي فشله شكلاً ومضموناً، وفي كلا الاحتمالين خلاصة واحدة وهي سقوط أطر فيينا للحلّ السوري ومخرجاتها سواء القرار 2254 أو تفاهمات 15/12/2015 كيري – بوتين ، وحدوث طلاق بين الولايات المتحدة وروسيا على ما اتفق عليه سابقاً، لأنها نكوص في الثقة المتبادلة من الجانب الأميركي والتي على أساسها وافقت موسكو على سلة الحلول المتكاملة، وموسكو تدرك جيداً المساعي الأميركية للعرقلة والمماطلة، وبالتالي أيّ محاولة لعقد مؤتمرات ولقاءات في جنيف أو غيرها مستقبلاً بين الولايات المتحدة وروسيا، في حال إجهاض هذا المؤتمر شكلاً ومضموناً، تعني حكماً الاحتكام إلى سلة متكاملة وجديدة من التفاهمات الروسية الأميركية من جهة، والأميركية -الإيرانية من جهة مقابلة، والتي أجزم انها ميدانية بحتة من الجانب الروسي والسوري بشقها السوري، وميدانية أيضاً من الجانب الإيراني بشقها المتعلق باليمن…

وضمن جميع السيناريوات والنتائج المحتملة، فالحرب على الإرهاب مستمرة في سورية، باعتبارها الشرط اللازم والضروري لإخراج سورية من أزمتها، بل وعلى عكس ما يعتقد البعض، يشكل فشل جنيف 3 أو عدم انعقاده فرصة سورية مهمة لإجراء المراجعات سواء على مستوى الحكومة السورية الشرعية والتي قدّمت تنازلات لإنجاح جهود عقد مؤتمر «جنيف 3»، والتي لن تجد في العودة عنها مستقبلاً أيّ حرج، وأول تلك التنازلات مبدأ قبول التفاوض مع وفد معارض مرتهن كلياً لأجندات آل سعود وآل ثاني ونظام اردوغان، وعلى مستوى المعارضات السورية المتشظية شكلاً ومضموناً وخصوصا ًالداخلية منها، يشكل الموقف المتشدّد والإقصائي لمعارضة الرياض واسطنبول فرصة تاريخية لمراجعة أجنداتها وتوحيد جهودها وتصويب بوصلتها باتجاه الشعب السوري في مواجهة طغيان معارضة الرياض وأخواتها… بدلاً من تصويب البوصلة في الاتجاه الخطأ سياسياً…

الآتي من الأيام والأحداث قد يحمل الجديد وأحياناً اللا متوقع في السياسية، لذلك تبقى أولوية مكافحة الإرهاب هي الثابت والأساس وانتصارات الجيش السوري هي البوصلة والفيصل هو الميدان.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017