إتصل بنا اخبار الحزب  |  شهداء الحزب  |  الحزب بالصور  |  نشاطات إغترابية  |  من تاريخنا  
 

قراءة جيوسياسية في أبعاد التصعيد الأميركي ضدّ إيران.. و آثاره المحتملة على المنطقة

سومر صالح - البناء

نسخة للطباعة 2017-02-09

الارشيف

صحيحٌ أنّ التصريحات الانفعالية غير المرتبطة بتصعيدٍ ملموسٍ على أرض الواقع لا تعدو كونها أسهماً مدّخرةً في بورصة التسويات الإقليمية والدولية، يختلف مفعولها باختلاف الهدف منها وتوقيته من جهة، وردّ فعل الطرف الآخر والمضاربة عليه من جهةٍ مقابلة، وهو حال الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب الذي صعّد النبرة العدائية ضدّ إيران في رسم مبدئي لمعالم سياسة إدارته في ملفات «الشرق الأوسط»، قابله سريعاً رد إيراني عالي النبرة مقروناً بأفعال عسكرية تشكل سيناريوات محتملة لطبيعة الرّد المُحتمل، أضعفت القيمة السياسية لمضاربات رجل الأعمال والرئيس ترامب، لكنّ هذا لا يعني أنّ الحدث عابر وآني مرتبط بالظروف الراهنة للشرق الأوسط الذي يقع على خط الزلازل الدولية في مرحلة إعادة الصياغة والتشكل.

ولفهم الدوافع الحقيقية لسلوك ترامب العدائيّ تجاه إيران، علينا أن ننطلق من عاملين: العامل الأول هو المكانة الجيوسياسية لإيران، أما العامل الثاني فهو ما بات يُعرف اصطلاحاً بـ«الأمن القومي الإسرائيلي» وبتحديدٍ أكبر مشروع «يهودية الدولة في إسرائيل»، حسب التعبير الصهيوني، ومعوقاته الفعلية. وبالتالي علينا أن نفهم وندرك الأهمية الجيوسياسية والجيوبوليتكية لإيران بالنسبة إلى الاستراتيجيات الأميركية الجديدة والرؤية «الترامبية» ومن خلفها مراكز القوة المالية والعسكرية العابرة للقارات للنظام الدولي المستجد الآخذ بالتبلور حالياً. فإيران هي نقطة التقاء جيوستراتيجية لمشروعين حيويين وحزام أمان لمشروع آخر، وهذه المشاريع تشكل بمجملها إضعافاً للإمبراطورية الأميركية ونهاية الأمركة كنظام سياسي وثقافي للعولمة.

لنبدأ بعدو ترامب اللدود الصين وقد أعلن رسمياً نيته مواجهتها في بحر الصين الجنوبي، حيث تشكّل الجمهورية الإسلامية الإيرانية أهم المحطات في مشروع واستراتيجية «الحزام والطريق» الصينية وطريق الحرير البحري للقرن 21. ونستذكر هنا مثلاً «قطار طريق الحرير» الذي وصل مدينة يويي في مقاطعة تشجيانغ شرق الصين في 28 كانون الثاني 2016، ومر عبر كازاخستان وتركمانستان وصولاً إلى إيران. وبالتالي هذا يُجهض الاستراتيجية الأميركية في تطويق واحتواء الصين ويحطم الهيمنة الأميركية على قناة «ملقا» الفائقة الأهمية البحرية التي تشكل ربع الملاحة الدولية التجارية، ويفقد الولايات المتحدة معنى القوة البحرية وسطوتها التجارية في هذا الجزء الحيوي من العالم. ومن المرجح أن تنقل الصين جزءاً مهماً من قدرتها الإنتاجية إلى إيران حيث رابع أكبر مخزون للنفط والغاز، وبذلك تعزِّز الصين قدرتها التجارية التنافسية العالمية في ظلّ طموحات اقتصادية للبلدين تتطلع إلى 600 مليار دولار.

وبالانتقال إلى الهمّ والهاجس التاريخي للولايات المتحدة وهي روسيا الاتحادية، فإنّ الجمهورية الإسلامية تشكل أيضاً مرتكز المشروع الروسي لخط النقل شمال ـ جنوب مع روسيا وأذربيجان، كما تشكل إيران حزام الأمان للمشروع الأوراسي برمته ومنفذه غرباً وجنوباً. ومع هذه المكانة الجيوسياسية المهمة وقع خبر استخدام القوات الفضائية الروسية لقاعدة «همدان» كالصاعقة على الولايات المتحدة لأنها تشبيك مهمٌ بين ثلاثة فضاءات اقتصادية وهي شنهغاي وخط شمال جنوب ولاحقاً تمدُّد الاتحاد الجمركي الأوراسي جنوباً إلى إيران كمنطقة تجارة حرة، ومجموع كلّ هذه الأهمية الجيواقتصادية يعطّل الاستراتيجية الأميركية في وسط آسيا والقوقاز وهي منطلق المواجهة الأميركية الصينية سياسياً واقتصادياً مستقبلاً ومركز الصراع الروسي الأميركي أيضاً، ولا نبالغ إذا قلنا إنها تصيب المخطّطات الأميركية بمقتل، لا سيما مع إمكانية التشبيك العسكري الروسي الإيراني مستقبلاً عبر قاعدة همدان الجوية.

وبالانتقال إلى العامل الثاني لهذا التصعيد فهو مرتبط بالرؤية «الترامبية» للعدو «الإسرائيلي» ودوره في المنطقة على المدى المتوسط، ويبدو أنّ قراراً ما قد اتُّخذ في الولايات المتحدة بنقل المشروع الصهيوني نقلة باتجاه تهويد كامل للأراضي التاريخية الفلسطينية تحت مسمى «يهودية الدولة الإسرائيلية» كما أقرّه الكنيست «الإسرائيلي» عام 2003، على مراحل عدّة تبدأ بشرعنة الاستيطان الصهيوني، وما قرار الكنيست الأخير إلا خطوة على هذا النهج وبضوء أخضر أميركي، ومن ثم نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة على مراحل، وانتهاء باعتراف أميركي بـ«إسرائيل» دولة يهودية، وللأسف في محيط عربي، عدا محور المقاومة، يتماهى مع المخططات الأميركية، هنا تصبح الجمهورية الإسلامية في إيران عائقاً في وجه هذا المشروع سياسياً وحتى عسكرياً، إن اقتضى الأمر، عبر دعم حركات المقاومة العربية ودعم الدولة السورية الرافضة لمبدأ التوطين واستلاب الحقوق التاريخية للشعب العربي الفلسطيني، ومن هنا يمكن فهم التصعيد الأميركي ضدّ إيران من بوابتي المكانة الجيوستراتيجية والدور السياسي، ولتحقيق الأهداف الأميركية ينبغي على الولايات المتحدة نقل إيران من موقع الفاعل الإقليمي المرجّح إلى موقع المدافع، وتصبح ذريعة خرق الاتفاق النووي والتهديد بالانسحاب منه وسيلة الضغط المتاحة على إيران بيد الإدارة الجديدة ووسيلة الجذب الخليجي وجعل هؤلاء رأس الحربة الأميركية لقبول «يهودية الدولة الإسرائيلية» وتقويض القوة الإيرانية تحت مبدأ «الدفاع عن أمن الحلفاء» وهو مبدأ عادت إليه الإدارة الأميركية الجديدة في تراجع واضح عن البرنامج الانتخابي. وفي المقابل، هي محاولة للحصول على تنازلات تاريخية من إيران في ملفات إقليمية متعدّدة، ولكن الردّ الإيراني والسلوك المتمثل بالمناورات ورفع الجاهزية العسكرية والصاروخية ساهم في تخفيف الاندفاعة الأميركية موقتاً، وانطلاقاً من هذه الرؤية ننتقل إلى الإجابة عن الجزء الثاني من السؤال وهو «هذا التصعيد إلى أين يجر المنطقة». والجواب مرتبطٌ بمدى استعداد الولايات المتحدة للمغامرة بـ«الأمن القومي» للعدو «الإسرائيلي» لأنّ تكلفة المخطط «الترامبوصهيوني» باهظة على «إسرائيل» حكماً فمحور المقاومة وفي مقدمه إيران لديه من وسائل الردع والمواجهة ما يخشاه «كيان العدو» ويحسب له ألف حساب، لذلك الموضوع لن يتجاوز محاولة الاستنزاف ولن يصل مرحلة المواجهة حسب معطيات اليوم، فالميدان السوري واليمني أثبتا قدرة هذا المحور على المواجهة ولكن إذا أصرّ ترامب على مشروعه فإنّ الملفات السورية واليمنية ستبلغ مستويات غير مسبوقة من التعقيد لأنّ هذا المشروع لن ينجح إلّا إذا تحول «الشرق الأوسط» إلى فيدراليات على أسس إثنية وهذا ما تسعى إليه الولايات المتحدة لفدرلة اليمن وأقلمة العراق وجعل ليبيا كونفدرالية هشة، وتحويل الكرد الانفصاليون منهم في سورية إلى قوة أمر واقع. ومن زاوية أخرى، لن يكون لبنان في منأى عن عدوان «إسرائيلي» بلبوس معرّب، لمحاولة إضعاف محور المقاومة قد يأخذ أشكالاً مختلفة منها دعم التطرف الإسلاموي المموَّل في لبنان لاستجرار حرب استنزاف لحزب الله»، لأنّ تكلفة الحرب على لبنان ستكون كارثية على كيان العدو، ومن هنا الحديث المتواصل لوسائل الإعلام «الإسرائيلية» عن تهديد المقاومة لأمن الكيان المعادي ووجوب فتح الجبهة الشمالية واتخاذ إجراءات استباقية.

وفي إطار البحث عن علاقة الارتباط بين تصريحات ترامب العدائية تجاه إيران، من جهة، وتطورات الملف السوري، من جهة أخرى، فمن الصعوبة تجزئة الملفات في المنطقة ولا في أيّ منطقة عالمية تؤثر مخرجاتها على شكل البنية الدولية الآخذة بالتشكل مجدداً، ومنه الساحة السورية طبعاً، وإذا ما قرّرت الإدارة الأميركية خوض صراعٍ متعدّد الأشكال مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية فستكون الساحتان السورية واليمنية ميدانهما في المرحلة الأولى ومع استبعاد المواجهة المباشرة كخيار. لن يتم هذا الأمر إلّا إن استخدمت الولايات المتحدة أدواتها من الفصائل المحسوبة على البنتاغون و CIA والفصائل المحسوبة على السعودية، وفي هذا الأمر تقويض تام لمسار أستانة وهو ما سيغضب روسيا، وقد ينتج عنه عاصفة سوخوي ثانية أقوى وأشد، والولايات المتحدة ليست في هذا الوارد أقله في التصريحات المعلنة حالياً، ولا ننسى أيضاً أنّ إيران طرف ضامن للحكومة السورية ومكرّس بقرار أممي 2336 ، لكنّ الولايات المتحدة ستحاول تخفيف المفاعيل الاستراتيجية للانتصار السوري الإيراني الروسي في الحرب على الإرهاب على توازنات المنطقة الجديدة.

 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2017