إتصل بنا مختارات صحفية  |  تقارير  |  اعرف عدوك  |  ابحاث ودراسات   ادب وشعر  
 

الاستقلال اللبناني ودور القوميين الاجتماعيين

الأمين لبيب ناصيف

نسخة للطباعة 2006-11-22

إقرأ ايضاً


إذا كان الرفيق سعيد فخر الدين هو الشهيد الوحيد الذي سقط في بشامون، والرفيق حسن عبد الساتر هو الشهيد الوحيد الذي سقط دفاعاً عن العلم اللبناني المرفوع فوق قبة البرلمان، الا ان القوميين الاجتماعيين منذ تأسيس الحزب كانوا في صميم المواجهة مع الاحتلال الفرنسي، ليس فقط على صعيد التوعية العقائدية، انما على صعيد التصدي والمواجهة اللتين لم تتوقفا رغم الاعتقالات التي تعرض لها زعيم الحزب وقياديوه والكثير من اعضائه.

نحن إذا رغبنا ان نسطر لكل المواجهات التي تمّت مع السلطات الفرنسية، منذ انكشاف أمر الحزب في 16/11/1935 في لبنان والشام لاحتجنا الى الكثير، انما نحصر حديثنا في المشاركة الفعلية التي قام بها القوميون الاجتماعيون في معركة الاستقلال التي جرت في لبنان.

معركة الاستقلال في لبنان وإن هي بدأت في 11 تشرين الثاني عندما أفاق اللبنانيون على نبأ اعتقال السلطات الفرنسية خلال الليل كلا من رئيس الجمهورية المنتخب حديثاً (في 21 ايلول) بشارة الخوري، رئيس الحكومة رياض الصلح، والوزراء كميل شمعون، عادل عسيران، سليم تقلا، ونائب طرابلس عبد الحميد كرامي، وسوقهم مكبلين الى مكان مجهول في حراسة عسكرية فرنسية مشدّدة (تبيّن لاحقاً انه قلعة راشيا الوادي)، الا ان الانطلاقة الحقيقية كانت في 8 تشرين الثاني عندما انعقد مجلس النواب بصورة عاجلة للنظر في تعديل الدستور الموضوع عام 1926، والاقتراع على مشروع اعده مجلس الوزراء قبل ثلاثة ايام، مضمونه إلغاء جميع المواد المتعلّقة بالانتداب الفرنسي وصلاحيات المفوض السامي وكل ما يتصل به، وجعل اللغة العربية وحدها لغة لبنان الرسمية.

جاء ذلك تنفيذاً لما كان قد ورد في البيان الوزاري الذي نالت الحكومة على اساسه الثقة في 26 ايلول.

تلك الجلسة انتهت بالموافقة على تعديل الدستور وإعلان الاستقلال اللبناني واستعادة السيادة الوطنية، بعد ان كانت مناقشة حادة قد دارت، انسحب على اثرها النائب اميل اده.

في الساعة الثامنة من صباح يوم الخميس 11 تشرين الثاني وجّه رئيس مجلس النواب صبري حمادة دعوة الى اعضاء المجلس لعقد جلسة مستعجلة، الا ان الجنود الفرنسيين كانوا طوّقوا مبنى البرلمان لمنع النواب من الاجتماع. مع ذلك استطاع عدد من النواب، رغم الحصار العسكري والمظاهرات التي كانت اندلعت في بيروت، ثم في باقي المدن اللبنانية، الدخول الى المبنى فبلغ عددهم سبعة بمن فيهم رئيس المجلس، وهم: سعدي المنلا، هنري فرعون، صائب سلام، رشيد بيضون، محمد الفضل ومارون كنعان.

اتخذ النواب الحاضرون بعد مشاورات هاتفية مع النواب الذين تعذر عليهم الوصول، قراراً يؤكد المواقف السابقة في تعديل الدستور واعتبار الانتداب الفرنسي لاغياً.. كما رفعوا مذكرة شديدة اللهجة وقّعها النواب الحاضرون، وخليل تقي الدين (امين السر العام لمجلس النواب) وعمدوا الى تأمين ارسالها الى حكومات الولايات المتحدة، بريطانيا، وروسيا كما الى ملوك ورؤساء وحكومات البلاد العربية (1) كذلك تقرر الاستمرار في اعتماد الحكم القائم وحده شرعياً ورفض رئاسة السيد اميل اده بعد أن كان عيّنه المفوض السامي، والحؤول دون تأليفه اية حكومة.

من أبرز ما تقرّر في هذا الاجتماع تغيير العلم اللبناني الذي كان قائماً في ظل الانتداب، وهو العلم الفرنسي (أزرق - أبيض - احمر) مع أرزة في الوسط، وجرى الاتفاق على علم جديد هو المعروف والمعتمد حالياً، وقد تمّ رسم العلم الجديد على ورقة نزعت من دفتر ووقع عليها النواب الحاضرون.

بينما كان المجلس منعقداً، بنوابه السبعة، اقتحمت قوة فرنسية على رأسها ضابط برتبة نقيب وهو شاهر سلاحه قاعة الاجتماع وطلب الى الرئيس والنواب مغادرة القاعة، ومبنى البرلمان، والا يجرى اخراجهم بالقوة.

توجه النواب وسط بحر صاخب من اللبنانيين المتظاهرين الى منزل رئيس الجمهورية بشارة خوري في منطقة القنطاري (المعتقل في راشيا) وكان نواب آخرون قد توجهوا الى هناك، فبلغ عدد النواب 17 نائباً، الا ان اطلاق الجنود الفرنسيين النار على القصر الجمهوري جعلهم يتلاقون في اليوم التالي، 12 تشرين الثاني، في منزل النائب صائب سلام، حيث قرّروا ما يلي: - اعتبار الدستور قائماً.

- منح الثقة للحكومة المؤقتة التي كانت تواجدت في بشامون، والمؤلفة من الوزيرين الباقيين خارج الاعتقال: الامير مجيد ارسلان وحبيب ابو شهلا.

- اعتبار الحكومة التي يرأسها اميل اده باطلة وكل قرار او قانون او مرسوم او تدبير تتخذه باطلاً لا يعتد به.

- تفويض الحكومة تفويضاً تاماً مطلقاً باتخاذ جميع التدابير، والقيام بجميع المساعي والمخابرات في سبيل عودة الحياة الدستورية والافراج عن المعتقلين.

هذا على صعيد مجلس النواب، أما بالنسبة للحكومة المؤقتة التي انضم اليها رئيس مجلس النواب صبري حماده فكانت اتخذت من منزل المواطن حسين الحلبي (2) في بشامون مقراً لها، وراحت تشهد، كما بشامون والمنطقة المحيطة، تدفق مئات المتطوعين من كل انحاء لبنان اتوا ليذودوا عن رجال الاستقلال، والدفاع عن بشامون فيما لو هاجمتها القوات الفرنسية.

بدورهم كان القوميون الاجتماعيون يهرعون الى بشامون من مناطق الجبل، وخارجه، حتى قدر عدد الرفقاء بالمئات (3)، كان من أبرزهم الرقيب في الدرك الرفيق اديب البعيني الذي جعلته حميته الوطنية يترك مركزه في جرود عكار ويأتي الى بيروت ويصطحب الوزيرين ارسلان وأبو شهلا الى بشامون حيث فيها تولى قيادة الحرس الوطني ميدانياً (4) وكان من ابرز المجلّين اثناء التصدي لتقدم القوة الفرنسية.

يقول المربي الرفيق انيس ابو رافع وقد كان في الرابعة عشرة من عمره، تلميذاً في مدرسة الجامعة الوطنية في عالية عندما جمعهم احد الطلبة القوميين الاجتماعيين - يظنه القاضي الرئيس كامل ريدان - ليتوجهوا الى بشامون التي تحولت الى قلعة للنضال في مواجهة الاستعمار الفرنسي: «بشامون، عين عنوب، سرحمول، تحولت الى ثكنات، في كل بيت جنود متطوعون، وفي كل بيت مطبخ ومخبز، يقطعون اللقمة عن افواه اطفالهم ليطعموا متطوعي الحرس الوطني، وتحول خارج البيوت الى مرابض ومتاريس، وراء كل جدار، تحت كل شباك، بجانب كل صخرة، خلف كل زيتونة وسنديانة، عيون ساهرة لرجال نذروا انفسهم لحرية وطنهم واستقلاله».

بدوره يقول الاديب المؤرخ الامين نواف حردان في كتابه «على دروب النهضة»، «ان القوميين الاجتماعيين كانوا في طليعة الذين اسرعوا الى بشامون وفي مقدمتهم كامل ابو كامل واديب البعيني.

بين هؤلاء الرفقاء كان محصل مديرية عين عنوب الرفيق سعيد فخر الدين. الى جانب السنديانة الشاهقة التي ما تزال قائمة حتى اليوم، شرقي الطريق، وقف وراء متراسه. صباح الخامس عشر من تشرين الثاني تقدمت مصفحات الجيش الفرنسي بجنودها السنغاليين (5) من ناحية سوق الغرب - عيتات. فتصدى لها الحرس الوطني وكانوا أقاموا الحواجز على الطريق وسدوا مدخل بشامون بالحجارة الضخمة والصخور. ثلاث هجمات قامت بها القوة الفرنسية، الهجوم الثالث جرى صباح الثلثاء 16 تشرين الثاني، ويومها تقدمت المصفحات كثيراً. الرفيق اديب البعيني راح يقذف المصفحات بطلقات سريعة من الرشاش الثقيل الذي كان يحمله على كتفه (وهو سلاح يقتضي وضعه على الأرض نظراً لثقله) ويقفز من مكان إلى آخر، دائم الحركة والنشاط.

جنديان حاولا رفع الحجارة فيما المصفحة التي تقدمت تطلق النار لتحمي عمل الجنديين، فقابلها رجال الحرس بالمثل وأردوا الجنديين فوراً ثم راحوا يطلقون النار على المصفحة المتقدمة والمصفحتين المتأخرتين، إنما دون جدوى. عند ذلك خرج الرفيق سعيد فخر الدين، بعد ان كان اطلق من بارودته الرصاص من وراء متراسه ليقذف المصفحة المتقدمة بقنبلة يدوية. الا ان رصاص المعتدين كان اسرع من اندفاعه وجأشه، فلقد انهال عليه من رشاش ضابط فرنسي كان يحاول الالتفاف من الخلف. «لقد رأيته بأم عيني، يقول السيد منير تقي الدين في كتابه «ولادة استقلال»، يخاطر بنفسه ويقوم باعمال يعجز اللسان عن وصفها».

الرفيق عادل قائدبيه وكان حينئذ شبلا في الثانية عشرة من عمره شاهد الرفيق سعيد فخر الدين يصاب برشق على طول ظهره، يروي «انه بعد انسحاب المصفحات هرع رفقاؤه ولفوه بلحاف ثم حملوه على باب خشبي عتيق واتجهوا به نزولاً عساهم يصلوا به الى الشويفات لكنه كان لفظ انفاسه وهو في الطريق اليها، فعادوا به ودفنوه في مأتم متواضع جداً».

اذا كان الشهيد الرفيق سعيد فخر الدين ورفقاؤه قد قاموا بالاعمال البطولية في بشامون - عين عنوب، الا ان القوميين الاجتماعيين في المناطق اللبنانية لم يكونوا بعيدين عن المشاركة في التظاهرات التي عمّت المدن. التظاهرة النسائية في بيروت شاركت في قيادتها كلودا ثابت - شقيقة رئيس المجلس الاعلى نعمة ثابت، المعتقل مع العشرات من رفقائه في المية ومية - والعديد من الرفيقات، من امثال: جمال ناصيف، نغم فاخوري، اميرة تيماني، انجال عبد المسيح وغيرهن. فيما التظاهرة الطلابية التي تصدى لها الجنود السنغاليون في بيروت وسقط فيها عدد من الشهداء، كان من جرحاها الرفيقان ادمون كنعان (الأمين - عميد المالية لاحقاً) ووفيق عضاضة.

اما في قلعة راشيا حيث كان سيق اليها رئيسا الجمهورية والحكومة، وعدد من الوزراء، والنائب عبد الحميد كرامي، فقد كان للدور الذي قام به الامين جبران جريج يعاونه الامين انيس فاخوري، والرفيق زكريا لبابيدي في ايصال المعلومات الى رجالات الدولة المعتقلين، الاثر الكبير في رفع معنوياتهم وتعزيز صمودهم، الامين جبران جريج تحدث عن ايام راشيا تفصيلاً في كتابه» حقائق عن الاستقلال - ايام راشيا»، وما تحمّله ورفيقاه من خطر انكشاف امرهم ما كان يترتب على ذلك من عقوبات شديدة، خاصة ان الذي تسلّم أمرة المعتقل كان النقيب في الامن العام الفرنسي Boutillon» المشهور بقساوته المجرمة والذي طبّقت شهرته الآثمة الخافقين.

كان بوتييون مرادفاً لشبح الرعب في قصص الإجرام او مغامرات السفاحين» (الأمين جريج، حقائق عن الاستقلال).

كانت سلطات الاحتلال قد ابعدت من معتقل المية ومية الى قلعة راشيا كلا من الامناء نعمة ثابت، مأمون اياس، جبران جريج، أنيس فاخوري والرفيق زكريا لبابيدي، حيث التقوا الامين وديع الياس مجاعص الذي كان نفى قبلهم اليها، كذلك عدد من الوطنيين من لبنان الشام الذين كانت اعتقلتهم سلطات الاحتلال ومن ابرزهم: الامير فريد شهاب الذي تولى فيما بعد مديرية الأمن العام، الصحافي نجيب الريس، فكتور موسى، الشيخ طه الولي، معروف سعد والشيخ مصطفى السباعي، (كانا في المية وميه ونقلا الى راشيا).

الأمير فريد شهاب كان مكلفا بمسك دفاتر حسابات المعتقلين فعندما اتصل به ان الإفراج عنه بات وشيكا طلب منه الأمين جبران جريج ان يرشحه لتولي المهمة بعد مغادرته، فوافق وتمّ ذلك، مما افسح للأمين جبران في مجال الانتقال خارج غرفته وبالتالي امكن له ان يقيم اتصالات مع اخرين في المعتقل، ومن بينهم «خوسي» أحد الشغيلة الأجانب الذي اختير من بين زملائه للخدمة العامة، وخوسي اصله إسباني يحسن اللغة التركية، وآخر كان مسؤولا عن مركز الهاتف «شاب من جزين اسمه جان رزق، يأتي صباحا عند الساعة السابعة وينصرف مساء عند الرابعة. اصبحنا صديقين كما يقول الأمين جبران جريج في كتابه.

لم تمض ايام حتى اعيد نعمة ثابت ومأمون أياس وغيرهما الى معتقل المية ومية كما اخلي سبيل البعض الآخر. في 11/11/1943 وصل المسؤولون اللبنانيون الى المعتقل على دفعتين: قبل الظهر الرئيسان بشارة خوري ورياض الصلح والوزيران كميل شمعون وسليم تقلا، ثم بعد الظهر الوزير عادل عسيران الذي اعتقل في عاليه، والنائب عبد الحميد كرامي الذي اعتقل في مرياطة قرب طرابلس.

أمكن للأمين جبران جريج، بمعاونة الأمين انيس فاخوري والرفيق زكريا لبابيدي، وبفضل الوظيفة التي تولاها، بعد مغادرة الأمير فريد شهاب، والتي جعلته يطلع على ما هو جار خارج المعتقل في المناطق اللبنانية من مظاهرات واضرابات ومواجهات مع سلطات الانتداب، ان يكون على تواصل مع رجالات الدولة المعتقلين فشدد بذلك من ازرهم ورفع من معنوياتهم التي كانت شبه منهارة.

الغليان الشعبي والضغوط التي مارستها بريطانيا (6) بشخص الجنرال سبيرز جعلا فرنسا تتراجع وتفرج عن رجالات الدولة المعتقلين في راشيا بتاريخ 22 تشرين الثاني 1943، وهو التاريخ الذي ثبت يوما وعيدا للاستقلال. الا ان الحنين لفرنسا ورغبة فريق من اللبنانيين الى بقائها في لبنان لم ينته بإعلان الاستقلال واضطرار السلطات الفرنسية المنتدبة للرضوخ للإرادة الشعبية والإفراج عن المعتقلين من رجال الحكم، فلقد قرر انصار السياسة الفرنسية الاستفادة من حضور النائب يوسف كرم الذي كان فاز في انتخاب فرعي لمقعد زغرتا النيابي الى المجلس يوم 27 نيسان 1944، للإستيلاء على البرلمان وطرد النواب منه وإسقاط العلم اللبناني، ورفع العلم الفرنسي مكانه.

انطلق يوسف كرم من زغرتا ترفده على طول الطريق مواكب اخرى تنضم الى الحشد الذي كان ينتظر في محلة الجميزة، فتزحف جميعها من هناك الى ساحة النجمة حيث البرلمان، وتنفذ مخططها بمساعدة الفرنسيين الذين كانوا ما زالوا متمركزين في بناية ادارة الهاتف المجاورة لمجلس النواب (7).

لم تكن الحكومة اللبنانية تملك القوى الكافية لوقف هذا الزحف فاكتفت بنفر من الدرك والشرطة تمركز قرب مجلس النواب. التظاهرة المسلحة تدفقت على ساحة البرلمان تهتف لفرنسا وليوسف كرم، بحيث اصبح البرلمان والنفر القليل من رجال الامن الذين يحرسونه جزيرة صغيرة وسط بحر من الرجال الأشداء المسلحين.

انطلقت الشرارة عندما رفع المتظاهرون العلم الفرنسي على باب البرلمان وحاولوا نزع العلم اللبناني عنه فتصدى لهم عند باب المجلس نفر قليل كان في عداده الصحافي نعيم مغبغب (النائب والوزير لاحقا) الذي اطلق النار من مسدسه على محاولي إنزال العلم اللبناني.

كان الوضع ميؤوسا منه وقد اختبأ النواب ورجال الحكومة والحضور في زوايا المجلس. في هذه المعمعة اخذ الحماس بالرفيق الدركي حسن عبد الساتر الذي راح يحدو بصوته الجمهوري متصديا ببطولة للمهاجمين، مستثيرا نخوة زملائه، فلفت حداؤه العالي وغزارة رصاصه المهاجمين والفرنسيين المتمركزين في البناية المجاورة، فأسقطوا الرفيق حسن برصاصة في رأسه توفي بعدها في اليوم التالي في مستشفى اوتيل ديو.

وعن مأتم الرفيق الشهيد حسن عبد الساتر وإنزال اخر علم فرنسي في منطقة بعلبك يقول الأمين مصطفى عبد الساتر في كتابه «ايام وقضية»:

كنت آنذاك اقضي عطلة الربيع في بعلبك. استثارت المعركة البطولية واستشهاد حسن عبد الساتر عواطف البعلبكيين الى اقصى حد. استبقلوا جثمانه خارج بعلبك بحشود غفيرة رافعة الأعلام اللبنانية الجديدة. وامام سراي بعلبك «وقفت خطيبا لأول مرة أؤبن قريبي واطري بطولته واستشهاده واستثير النقمة على المستعمرين الفرنسيين وعملائهم داعيا الى الثأر.

«كان من المفروض ان ينقل جثمان الشهيد الى مثواه الاخير في قرية إيعات. وكانت الطريق تمرّ حكما امام مركز الأمن العام الفرنسي بجانب هياكل بعلبك. وكانت الدائرة الوحيدة في بعلبك التي لا تزال ترفع العلم الفرنسي بعد ان كان الإنكليز قد قلّصوا النفوذ الفرنسي الى حد بعيد.

«قبل دخول الجثمان الى بعلبك حسبت للأمر حسابه واعلنت رفضي بأن يمرّ الجثمان تحت العلم الفرنسي. كان رئيس المركز قريبا لي. اتصلت به ودعوته الى إنزال العلم حتى لا نضطر الى انزاله بالقوة، الأمر الذي يسفر عنه مهاجمة المركز وإحراقه. حاول اقناعي، بروابط القربى، ان اعزف عن ذلك. واصرّ كل منا على موقفه.

استدعيت نفرا من الشبان المتحمّسين، قوميين وسواهم، وهيأنا الخطة لاقتحام المركز وانزال العلم الفرنسي وإحراقه ساعة مرور الجثمان امام المركز. وقد اظهر الشبان حماسا واندفاعا في ذلك. ولكن عملية الاقتحام لم تجر لأن الاوامر جاءت من بيروت الى مركز الامن العام في بعلبك، بالموافقة على إنزال العلم وطيّه بالحسنى، وطية العلم. وبإنزاله طوي اخر علم فرنسي كان ما زال مرتفعا في سماء بعلبك. ولم يبق من مظاهر السلطة الفرنسية فيها غير مركز ومنزل المستشار الفرنسي دون ان يرفع على اي منهما اي علم.

زاد ذلك في حماس الجماهير التي حملت جثمان الشهيد على الأكف بموكب مهيب، مسافة خمسة كيلومترات الى قرية «ايعات» حيث ووري الثرى وسط احتفالات امتدّت اعراس بطولة على عدد من الايام الى ما بعد عيد الشهداء في 6 ايار، حيث اقيم في سينما الامبير في بعلبك مهرجان خطابي حاشد تكريما للرفيق الشهيد.

بدورها اقامت عائلة عبد الساتر ذكرى الاربعين في بلدته «إيعات»، وجهت فيها الدعوات الى قرى وبلدات المنطقة كما مدت ولائم الطعام الضخمة. ألقيت في المهرجان كلمات عديدة كان منها كلمة ألقاها المواطن جميل عبد الساتر.




معلومات

* هناك «أشبال» ساهموا بطريقة اخرى في معركة الاستقلال وأصبحوا بعد ذلك رفقاء ومناضلين: - عادل وتوفيق رافع حمدان اللذان شاهدا من منزلهما الكائن في عين عنوب لجهة سوق الغرب تقدم القوات الفرنسية، فراحا يعدوان لإيصال الخبر، ولأن توفيق كان اصغر سنا من شقيقه عادل فقد وصل قبله الى مدخل بشامون حيث كان رجال الحرس الوطني.

-فايز عبد الخالق (ابو رمزي) الذي حمل رسالة من الملازم الاول فؤاد لحود الذي كانت تربطه علاقة بالعائلة، موجهة الى «حكومة بشامون الشرعية»، فراح يعدو حتى أمكنة الوصول الى بشامون وتسليم الرسالة الى الأمير مجيد.

* حاول البعض ثني السيد حسين الحلبي عن تقديم منزله لرجالات الحكومة عند انتقالهم الى بشامون - لماذا تتحمل المسؤولية؟ من السهل على الفرنسيين وهم متواجدون في مرتفعات فوق بشامون ان يدمروا منزلك بكامله.

أجابهم المواطن المؤمن بشعبه ووطنه: لقد عمّرت البيت بفلوسي، ومستعد ان اعمّره مرة ثانية. الى جوار منزل المواطن حسين كان يقع منزل شقيقه يوسف، الذي كان بدوره يستقبل الاجتماعات التي كانت تجريها الحكومة الموقتة مع الجنرال سبيرز.

* يقول السيد منير تقي الدين الذي اختارته الحكومة الموقتة في بشامون مسؤولا مشرفا على «الحرس الوطني». في كتابه «ولادة استقلال»: «فلما اعترضت الصخور طريق المصفحة الاولى ترجل منها جنديان راحا يحاولان رفع الحجارة عن الطريق، بينما اخذت المصفحة تطلق النار ذات اليمين وذات اليسار، لتحمي نزول الجنديين فقابلها الحرس بالمثل فصرع الجنديان حالا، وأخذ الرصاص يتساقط على المصفحة المتقدمة والمصفحتين المتأخرتين، فلا يعمل فيها شيئاً عند ذلك خرج من وراء المتاريس قفز الى الطريق وقذف المصفحة بقنبلة يدوية فانهال عليه رشاش من الرصاص مزقه تمزيقا. انه سعيد فخر الدين من عين عنوب وقد رأيته بأم العين يخاطر بنفسه ويقوم بأعمال يعجز اللسان عن وصفها».

* نص البلاغ رقم 1 الذي صدر عن وزير الدفاع الوطني الامير مجيد ارسلان بتاريخ 17/11/1943: هاجمت قوات فرنسية مسلحة مركز الحكومة الشرعية في بشامون مساء الاثنين في 15 تشرين الثاني 1943 فردتها وحدات الحرس الوطني دون خسائر في النفوس، وفي صباح اليوم الثاني شنت القوات المصفحة الفرنسية هجوما عنيفا على المركز المذكور فردت على أعقابها اربع مرات متوالية حتى الساعة الثالثة بعد الظهر وسقط بعض القتلى والجرحى من الجنود السنغاليين وفقدنا شهيدا واحدا يدعى سعيد فخر الدين من عين عنوب.

* * لم التبجح؟ لقد سقط شهيد واحد في معركة استقلال لبنان عام 1943 اسمه سعيد فخر الدين وهو سوري قومي اجتماعي. (النائب كمال جنبلاط في المجلس النيابي اللبناني عام 1969).

* كان البطل اديب البعيني منهم (اي من القوميين الاجتماعيين) رحمه الله، وكان منهم ايضا سعيد فخر الدين الشهيد الوحيد الذي وقع في حوادث بشامون.

(النائب كمال جنبلاط عام 1949 في الاستجواب الذي قدمه للحكومة حول استشهاد سعاده). * تميز الرفيق اديب البعيني بقوته البدنية الفائقة وبجرأته النادرة، كما انه كان شاعرا زجليا نظم العديدمن القصائد وكانت له مساجلات مع شعراء آخرين. رثاه العديد من شعراء الزجل، كان من بينهم الامين عجاج المهتار، الرفيق قاسم نجد (من العبادية) والرفيق وليم صعب صاحب مجلة «البيدر» وامير الزجل اللبناني.

* مجلة «بلبل الارز» كتبت عنه تقول: في الخامسة والعشرين من عمره. لا يخاف الموت، جبار، عملاق، شديد العضلات، مفتول الساعدين، مخلص وكريم وشجاع لدرجة الجنون الأهوج الذي لا يوصف، يبيع راحته ليكون وفيا، ويبيع ثيابه ليهب ويبيع رمحه في اسواق المعارك ومعامع شرف النفس».

* يقول الأديب نجيب البعيني في كتابه «رجالات من بلادي» ان الرفيق اديب عين رئيسا للحرس الوطني في بشامون نظرا لما يتمتع به من شجاعة وجرأة وحنكة، وقضى ثلاثة عشر يوما ساهرا ينظم الصفوف، يفترش الارض ويلتحف السماء، يسند رأسه الى الحجارة ويده على «المتروليوز» (الرشاش) لا يتركه لحظة متعطشا في كل وقت الى القتال.

* يروي السفير الشيخ خليل تقي الدين في مذكراته بعنوان «مذكرات سفير»: كان اديب لا يفارق رشيشه لا في الليل ولا في النهار وكان يتحرق للقتال. فلما هوجمت بشامون رأيناه حركة دائمة يطلق النار من هنا، وهناك، وينتقل بسرعة فائقة من مكان الى مكان لكي يوهم المهاجمين ان عشرات الرشاشات مصوبة بين اشجار الزيتون. فلما انجلت المعركة عن مقتل الشهيد سعيد فخر الدين وانسحاب المهاجمين رأيته يبكي فسألته ما بك يا أديب؟ قال: «كيف يموت سعيد فخر الدين وأبقى أنا حيا؟ لقد وضعت دمي على كفي فأبى الموت ان ىأخذني.

* كافأت الدولة اللبنانية الرفيق اديب البعيني بأن نقلته من رئاسة مخفر للدرك في منطقة عكار الى تولي رئاسة الحرس الجمهوري في القصر الجمهوري الذي كان موجوداً في محلة القنطاري.

الا انه قتل غدرا مساء 31 كانون الاول 1943. وقد وقع الحادث عندما كان رئيس الجمهورية بشارة الخوري عائدا مشيا على الأقدام من سهرة بجوار منزله وبرفقته احد ازلامه من بلدة رشميا يدعى سليم الحران. ولما طرق هذا، الباب الخارجي، تأخر الحرس في فتحه، فأخذ سليم يشتم ويصيح، فخرج اليه الرفيق اديب (رئيس الحرس) وانتهره بأن يكف عن اهانة الحرس، ولما ادار ظهره اطلق عليه النار غدرا.

بعد استسلامه، حكم على سليم الحران بالسجن مدة خمسة عشر سنة. الا انه لم يمكث في السجن سوى ثلاثين شهرا، وأطلق سراحه.

* كان الرفيق الشهيد حسن عبد الساتر طويل القامة، ممتلئ البنية وقويها، جهوري الصوت، يغني العتابا بصوت جميل قوي يسمع الى مسافات بعيدة جدا.

* ابرزت جريدة «النهار» في عددها الصادر في 28 نيسان 1944 خبر الحادث امام البرلمان، فأوردت التالي: «ثبت ان النائب يوسف بك كرم قدم من طرابلس ومعه سيارتان من رفاقه فقط. وثبت ان جماعات كانت تنضم الى هاتين السيارتين في الطريق ثم تندس جماعات غيرها في الموكب كلما تقدم في السير حتى اذا وصل الى مدخل بيروت كانت جماعات عديدة في انتظاره، كأنها كانت على موعد».

* لم تمنح الدولة اللبنانية الشهيد الرفيق حسن عبد الساتر ميدالية، ولا هي أدرجت اسمه في عداد شهداء قوى الامن، ولم يصلنا انها ذكرته يوما عند الحديث عن معركة الاستقلال.



 
شبكة المعلومات السورية القومية الاجتماعية غير مسؤولة عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه
جميع الحقوق محفوظة © 2020